"قراءة اقتصادية"
ثورة سبتمبر والتحولات الاستراتيجية والتنموية في اليمن
مثل قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 نقطة التحول التاريخية التي أعادت صياغة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي لليمن، ممهدةً لرحلة امتدت لعقود شملت بناء مقومات الاقتصاد الحديث، واكتشاف الثروات الطبيعية، ووصولاً إلى إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 كضرورة تنموية وجيوسياسية. ومنذ عام 2015 ، أدت الحرب المستمرة إلى تقويض مكتسبات العقود الماضية وتفكيك الكيان الاقتصادي الموحد الذي أرست دعائمه ثورتي سبتمبر وأكتوبر والوحدة الوطنية، متسببةً في تحولات هيكلية عميقة على المستويين الاقتصادي والجيوستراتيجي.
الواقع الاقتصادي عشية الثورة
في شمال اليمن تحت الحكم الإمامي، ساد اقتصاد معيشي مغلق يعتمد على الزراعة البدائية المرتبطة بتقلبات الأمطار، وكان سائدا ما يمكن تسميته "باقتصاد الكفاف"، مع غياب شامل لأنشطة القطاعات الاقتصادية، مثل الصناعة أو السياحة أو للمؤسسات المالية ذات المظاهر التقنية الحديثة، مثل البنوك أو الشركات العامة أو الخاصة، وحتى عدم وجود عملة وطنية، وكان نشاط الاستيراد في أضيق الحدود مع إنعدام التصدير، إضافة إلى عدم وجود ميزانية عامة توضح الإيرادات والنفقات، كما أن الموارد العامة كانت محتكرة لصالح الخزينة الخاصة للحاكم "الإمام".
وفي الجنوب، كانت البلاد تحت سيطرة الاستعمار البريطاني منذ عام 1839، والذي عمل على تجزئة المنطقة إلى سلطانات ومحميات غربية وشرقية ذات بنى قبلية وطائفية مفككة، وشُيّد اقتصاد هامشي متركز في ميناء عدن والمصافي النفطية لخدمة المصالح التجارية والعسكرية البريطانية، مع السماح للقطاع الخاص المحلي والأجنبي بممارسة أنشطة الاستيراد والتصدير وتوفر الخدمات المالية والمصرفية، وجعل من مدينة عدن ومينائها محطة مهمة في خطوط الملاحة التجارية بين الهند وشرق آسيا ودول أوروبا، مع إهمال تام للعمق الريفي والمناطق الداخلية التي ظلت تعاني التهميش والفقر والتجزئة القبلية.
الدور المحوري لثورة سبتمبر
مثّل نجاح الثورة في صنعاء وإعلان الجمهورية الحاضنة والرئة الاستراتيجية لشمال اليمن وجنوبه على حد سواء، وكانت كمحفز لثورة 14 أكتوبر 1963، في الجنوب المحتل. وخلال عقد الستينيات من القرن الماضي عاش اليمن بشماله وجنوبه فترة صراع وحروب وتراجعت الأجندة الاقتصادية والتنموية، باستثناء عدد من المشاريع في الشمال تركزت في قطاعات التعليم والصحة بمساعدات من بعض الدول الشقيقة والصديقة.
ومع جلاء الاستعمار من الجنوب والمصالحة بين أطراف الصراع في الشمال، بدأت حكومتي الشطرين في مطلع عقد السبعينيات بوضع البرامج الإنمائية ثم الخطط الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع اختلاف كبير في منهجية إدارة الموارد وتخصيصها، فحكومة الجنوب تبنت التخطيط المركزي القائم على فلسفة النهج الاشتراكي، حيث يتولى القطاع العام إدارة الأنشطة الاقتصادية والتجارية والخدمية وإزاحة القطاع الخاص عن المشهد، بل وتأميم ممتلكاته وشركاته، بينما اتبعت حكومة الشمال منهج التخطيط التأشيري في إطار اقتصاد شبه ليبرالي يقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وخلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي لعب الدعم الخارجي دورا رائداً في تمويل مشاريع تنموية مهمة في الشطرين. فالشمال حظي بتدفق القروض والمساعدات من الدول الشقيقة والصديقة ومن المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، ونفذت عدد من المشاريع الحيوية، في قطاعات البنية التحتية ( طرقات ومطارات ومحطات كهرباء) إضافة إلى مشاريع في قطاع التعليم العام والجامعي والمستشفيات وغيرها. كما شهدت ثمانينيات القرن الماضي تحولاً استراتيجياً في هيكل الاقتصاد اليمني في الشمال عبر الاكتشافات النفطية والغازية التجاريّة في منطقة مأرب، وساهمت العوائد النفطية في رفع قيمة الإيرادات العامة للدولة وفي تحسين ميزان المدفوعات وتوفير العملة الصعبة للمحافظة على استقرار سعر الصرف وتغطية النفقات العامة.
وبالمقابل حصلت الحكومة في الجنوب على دعم المعسكر الشرقي، في شكل قروض ومساعدات، ونُفذت عدد من المشاريع في مجال الطرقات والطاقة الكهربائية والمدارس والمستشفيات وغيرها. إلا أن مدينة عدن بمينائها فقدت مركزها المتميز في التجارة الملاحية الدولية، ودخلت في عزلة عن الأنشطة الاقتصادية والتجارية والخدمية لصالح مدن أخرى في الخليج، كما تم اكتشاف النفط في كل من شبوة وحضرموت في نهاية الثمانينات وبداية التسعينيات.
البعد الاستراتيجي للوحدة اليمنية
مثّل إعلان الوحدة، في 22 مايو 1990 ، المحطة الاستراتيجية الأهم التي ألغت التجزئة الجغرافية والاقتصادية وشكّلت كياناً اقتصادياً موحداً وقوياً، فقد أدى اندماج شطري الوطن إلى تشكيل سوق استهلاكي كبير اتسع ليشمل كافة السكان، مما رفع القدرة التنافسية للشركات والمصانع المحلية وحفّز التبادل التجاري الداخلي. وأُزيلت النقاط الحدودية التي كانت تعيق حركة السلع والأيدي العاملة، مما أدى إلى مرونة عالية في سوق العمل والتوسع العمراني والصناعي بين مختلف المحافظات.
وبفضل الوحدة، أصبح اليمن يمتلك موقعاً جيوستراتيجياً فريداً على خريطة الملاحة والتجارة الدولية، من خلال الإشراف على مضيق باب المندب، والذي يمثل شرياناً حيوياً ورئيسياً يربط المحيط الهندي والبحر العربي بالبحر الأحمر وقناة السويس، حيث يمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وحركة إمدادات النفط والطاقة الدولية. إضافة إلى أن اليمن يمتلك شريطاً ساحلياً يمتد لأكثر من 2500 كيلومتر على البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن، مما يؤهله ليكون مركزاً لوجستياً عالمياً لخدمات الشحن البحري، والترانزيت، والتخزين الإقليمي. فضلا عن أن اليمن يعتبر البوابة الجنوبية للجزيرة العربية ويمثل عمقاً أمنياً واقتصادياً وديموغرافياً لمنطقة الخليج العربي والقرن الأفريقي، مما يمنحه وزناً استراتيجياً هائلاً في تعزيز حركة التجارة الدولية والاستقرار الإقليمي.
كما كان للوحدة دورا بارزا في تكامل الموارد وفي المقومات الاقتصادية، حيث دمُجت الموارد النفطية والغازية والتعدينية في ميزانية موحدة. كما تم تكامل الموانئ البحرية الممتدة على طول الشريط الساحلي لليمن (البحر الأحمر والبحر العربي وخليج عدن) لتسهيل الصادرات والواردات.
تحديات وإنجازات وإخفاقات
وللأسف، بعد تحقيق الوحدة بأشهر واجهت اليمن تحديات سياسية واقتصادية خانقة، بسبب موقف اليمن من غزو العراق للكويت، حيث تم طرد قرابة مليون مغترب من دول الخليج، أغلبهم من السعودية وتجمدت القروض والمساعدات التنموية من الصناديق الخليجية والمؤسسات الإقليمية والدولية، وكل هذا أدى إلى بروز أزمة اقتصادية حادة، تمثلت في تدهور سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، وما زاد الطين بلة، دخول البلاد في حرب داخلية في صيف 1994، مما فاقم عجز الميزانية العامة للدولة واختلال كبير في ميزان المدفوعات،
ومع مطلع 1995، تمكنت من اليمن من فتح صفحة جديدة مع دول الجوار، واتجهت للتنسيق والتعاون مع كل من البنك والصندوق الدوليين، وبدأت بتنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، وخلال النصف الثاني من عقد التسعينيات تحققت عوامل الاستقرار والتثبيت الاقتصادي، ودارت عجلة التنمية بالحصول على تمويلات من المؤسسات الإقليمية والدولية. وتم توحيد السياسات الاقتصادية والتشريعات، فتوحدت العملة الوطنية (الريال) وضبطت السياسات النقدية والمصرفية، وصدرت العديد من القوانين والتشريعات الهادفة إلى إيجاد بيئة جاذبة لرؤوس الأموال اليمنية والعربية والأجنبية على إقامة المشاريع الاستثمارية.
وخلال العقد الأول من الألفية الثالثة، ساد الاستقرار الاقتصادي في اليمن الموحد، وصاحب ذلك إنجازات ملموسة في عدد من المشاريع الاستراتيجية في مجال الطاقة الكهربائية والطرق والجامعات وغيرها وبتمويل من الجهات الدولية المانحة، إلا أن ذلك العقد شهد إخفاقات كبيرة تمثلت في ضعف الأداء في الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية وعدم تهيئة البيئة الحاضنة للاستثمارات الوطنية والأجنبية، بسبب سوء الإدارة من جانب و إضطراب الأوضاع الأمنية والسياسية من جانب آخر، والتي قادت إلى دخول البلاد في أزمة سياسية واقتصادية خلال عام 2011،
الحرب وتداعياتها
تسببت الحرب، الممتدة من عام 2015 ، في انتكاسة استراتيجية أعادت وضع اليمن عقوداً إلى الخلف، حيث دمرت التكامل الاقتصادي الذي تحقق خلال الفترة (1995 -( 2014 وأخلّت بميزته التنافسية القائمة على موقعه الجغرافي وكتلته السكانية وتنوع تضاريسه ومناخاته.
ففي الجانب الاقتصادي، أدت الحرب إلى تحولات واختلالات عميقة تمثلت في انقسام المنظومة المالية والنقدية، فالبنك المركزي اليمني أصبح منقسما بين صنعاء وعدن، مما أدى إلى وجود سياستين نقديتين متضاربتين، وازدواج في سعر صرف الريال اليمني، وتراجع القوة الشرائية، مع انقطاع مرتبات موظفي القطاع العام لسنوات طويلة. إضافة إلى انهيار قطاع الطاقة وتوقف الصادرات، حيث توقفت عمليات إنتاج وتصدير النفط والغاز كلياً أو جزئياً في فترات مختلفة، مما حرم الدولة من مصدرها الأساسي للعملة الصعبة (التي كانت تشكل أكثر من 70% من الموازنة العامة)، وتحول اليمن من دولة مصدّرة للنفط إلى سوق يعتمد على استيراد المشتقات النفطية. كما تم تدمير البنية التحتية والتحول لاقتصاد الإغاثة، فقد تعرضت للدمار شبكات الطرق والجسور ومنظومة الكهرباء والمرافق الإنتاجية والخدمية، وتراجع الاستثمار الخاص لصالح اقتصاد الحرب والسوق السوداء، وأصبح غالبية السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية الدولية.
وفي بُعد التحولات الجيوستراتيجية والأمن الإقليمي، تم تدويل الممرات المائية وتعاظم التواجد الأجنبي، فقد تحوّل مضيق باب المندب والبحر الأحمر إلى ساحة صراع دولي وإقليمي مباشر. وأسفرت التوترات البحرية والهجمات على خطوط الملاحة عن تزايد التحالفات والتواجد العسكري الأجنبي، مما أثر سلباً على جاذبية اليمن الاستثمارية كمركز لوجستي. أضف إلى ذلك، تآكل السيادة على السواحل والجزر، حيث أثر النزاع وتعدد قوى النفوذ على سيطرة الدولة المركزية وضعف تواجدها على الشريط الساحلي الممتد والجزر الاستراتيجية (مثل سقطرى وميون)، مما أضعف القدرة على استغلال الموقع الجغرافي لخدمة الاقتصاد الوطني. فضلا عنتغيّر الميزان الجيوسياسي، فقد تحول اليمن من شريك تنموي واستثماري محتمل لدول الجوار والمنطقة إلى منطقة مخاطر أمنية عالية، مما فرض كلفة باهظة على حركة التجارة العالمية واستقرار إمدادات الطاقة عبر خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر.
وختاماً، فإن الحرب عادت لتدق طبولها من جديد بين أطراف الصراع في عدن وصنعاء، وللأسف، فإنهم لا يدركون أنهم يتصارعون على وطن ممزق ومنهك وفاقد لسيادته على بره وجوه وبحره، ويبدو أن اليمن مُقدِم على عشرية أخرى من التشرذم والإنقسام، فلا خير في من بيدهم القرار للخروج باليمن من أزماته المركبة والمعقدة. ورغم ذلك، ما يزال الأمل قائما في أن تصحو ضمائر الأطراف المتصارعة ويعودوا ألى طاولة الحوار لمعالجة الاختلالات العميقة التي خلّفتها سنوات الحرب من خلال تبني رؤية استراتيجية شاملة تنتقل بالبلاد من مرحلة "الأزمات والصدمات" إلى مرحلة "التعافي المستدام والبناء المؤسسي".



