السبت 12 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • علي محمد صبر.. تجليات الانسان الكامل في سيرته النادرة

علي محمد صبر.. تجليات الانسان الكامل في سيرته النادرة

علي محمد صبر.. تجليات الانسان الكامل في سيرته النادرة

إذا كان لكل إنسان بصمته الخاصة التي تختلف عن الآخرين، وشخصيته الفريدة التي تميزه عن سواه، بل وكينونته المتفردة التي تصوغ هويته المستقلة، فإن ثمة قلائل من الأشخاص يجمعون سمات متعددة، ويتمتعون بخصال متنوعة، ويمتلكون خصائص نادرة. أولئك الذين منحهم الله مواهب استثنائية جعلتهم يرتقون إلى مصاف الأنبياء، ويتسامون أخلاقياً إلى مراتب الرسل والصالحين.

أحسب الأستاذ علي محمد صبر واحداً من هؤلاء النادرين، بل وأرى فيه خلاصة النبل وطهر القيم. لم يجمع بين نبل المعلم المتمكن وإنسانية التاجر الطموح فحسب، بل كان إنساناً كاملاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. مثل في مسيرته النموذج الأرقى للإنسانية، والمثال الأعلى للنبل والأدب.
فهو المعلم من الطراز الرفيع، ذو الخبرة التربوية العميقة، والحاصل على التأهيل العلمي من أعرق الجامعات. وهو في الوقت نفسه رجل الأعمال الناجح، والتاجر الأمين الذي لم تطغ عليه نزوات التجارة، ولم تغره مغريات الرأسمالية المتوحشة.
عرفته منذ نعومة أظفاره متأدباً مهذباً، لطيف المعشر، حسن الطباع، كيف لا وهو نبتة طيبة في بيئة طاهرة، تربى في كنف والده الراحل الحاج محمد علي صبر، الذي كان من أطهر رجال الأسرة وأصلح زهاد القرية.
جمعتني به صلة قرابة من خلال والدته الفاضلة، وخوألته للأسرة، كما ربطتني به علاقة دراسة وصداقة امتدت لسنوات طويلة، فاكتشفت فيه شاباً جاداً في تحصيله العلمي، كريم الأخلاق في صداقته، ذكي التكوين، صادق الانتماء. فكانت بداياتي الفكرية تتشكل في رفقته، وتنمو معارفي في صحبته، حتى اكتمل التكوين وبلغت مرحلة النضوج.
كان في كل مناسبة ثقافية نجماً متألقاً، أنيس المجالس، وفي كل نقاش فكري بحّاثة محاور، غزير الحجة، ديمقراطي الرأي، رزين الطرح، قوي الإقناع. لا تعصب عنده لرأي، ولا مبالغة في ولاء، لا ينافق مراضاة، ولا يجامل انتهازية.
فهو رغم لين طبعه وسهولة تعامله، كان صعب المراس حين يتعلق الأمر بالمبادئ، لا يمكن ترويضه على باطل، أو تحشيده مع القطيع. يصعب تزييف وعيه قسراً، أو أدلجته فيما لا يؤمن به. لم يكن كمن على مهب الريح، يميل حيث مالَت الرياح، كما هي حال الكثيرين من سطحيي الوعي.
تعامل مع العمل الحزبي بوعي عميق، وتعاطى مع متطلباته بنضوج سياسي محنك. لم يتعصب له بشكل مبالغ، ولم ينحاز لصراعاته بشكل أعمى. رأى في الحزبية التزاماً قيمياً، لا تعصباً أيديولوجياً.
ترجم هذا النضج عملياً أثناء خوضه غمار الانتخابات المحلية عام 2006م في دائرته الانتخابية (209) مرشحاً لأحزاب اللقاء المشترك، ومنافساً لخاله الشيخ مرشح الحزب الحاكم آنذاك. قدم نموذجاً راقياً في التنافس الشريف، والتعامل الديمقراطي المسؤول، مما أظهر وعياً مجتمعياً متقداً، وثقافة مدنية رفيعة. سادت روح التنافس النزيه، والقبول الديمقراطي بالنتيجة، بعيداً عن الضجيج والاتهامات المتبادلة، أو الاستناد إلى العصبيات الأسرية والخرافات العقدية.
جمعتني به رحلة إلى القاهرة، فكان الرفيق الأمثل، والونيس الكريم، حيث تجلت فيه أسمى معاني الإنسانية، وتفتقت عن أروع خصال النبل والأدب. في كل لقاء مع المثقفين، كان الإنسان المحبوب، والمثقف الأنيق، صاحب الكاريزما الخاصة. وفي كل حوار مع الأصدقاء، كان متزناً، عميقاً، مقدراً على إدارة النقاش، صاحب عقل راجح.
كلما عرفته على صديق ثقافي أو زميل أكاديمي، لاحظت سرعة تألفه، وسلاسة انسجامه، وقوة تناغمه، رغم قصر المدة، لتنشأ علاقة متينة وصداقة حميمة تفوق في متانتها علاقتي أنا بهم.

إنه باختصار، الإنسان الراشد، الكامل في رجولته، المتكامل في أخلاقه، الذي لا يختلف اثنان على نبالة نفسه، كما أنه الشخصية المثالية، عالية القيم، كبيرة المقام عند كل من عرفه أو خالطه، ولا مراء في ذلك.