عبدالرقيب عبدالوهاب بين الرواية الرسمية وحقيقة الصراع (2-4)

لم تكن بطولة عبدالرقيب عبدالوهاب قد انتهت بانكسار حصار صنعاء في فبراير 1968م، بل لعل المأساة الحقيقية بدأت بعد ذلك. ففي الحرب يمكن أن يعرف المقاتل عدوه، أما في الصراعات التي تعقب الانتصارات الكبرى فإن الخطر قد يأتي من داخل الصف نفسه، وحينها تصبح قراءة الأحداث أكثر تعقيدًا، ويصبح البحث عن الحقيقة واجبًا يتجاوز مجرد الوفاء لشهيد.
في الجزء الأول من هذا المقال، حاولت أن أضع عبدالرقيب عبدالوهاب في سياقه التاريخي، باعتباره واحدًا من أبرز القادة العسكريين الذين دافعوا عن الجمهورية أثناء حصار السبعين يومًا، ورئيسًا لهيئة الأركان العامة وقائدًا لقوات الصاعقة، وأن أتناول كذلك الملابسات السياسية والعسكرية التي أحاطت به بعد انتهاء الحصار.
أما في هذا الجزء، فأريد التوقف عند الساعات الأخيرة من حياته، لا باعتبارها قصة موت رجل فحسب، وإنما باعتبارها مفتاحًا لفهم مرحلة كاملة من تاريخ الجمهورية اليمنية، وما رافقها من صراع داخل الجيش وبين مراكز القوى المختلفة.
والذي دفعني إلى إعادة فتح هذه الصفحة أنني كنت قد نشرت سابقًا تصويبًا لبعض ما ورد في روايات عن مقتل الشهيد عبدالرقيب، ولا سيما ما قيل عن المنزل الذي كان يقيم فيه، وعن وجود خطة مسبقة لقصفه، وغير ذلك من التفاصيل التي لم أجد لها سندًا مقنعًا. وبعد ذلك وصلتني شهادة مهمة من اللواء أحمد حنظل، وهو شاهد كان قريبًا من اللحظات التي أعقبت مقتل عبدالرقيب، ثم جاءت شهادة أخرى لشاهد عيان عرّف نفسه بالأحرف «ح. بن سعيد»، لتضيف تفاصيل جديرة بالتوقف والمقارنة.
شهادة اللواء أحمد حنظل.. رواية من داخل المشهد
يروي اللواء أحمد حنظل أن القادة والضباط الذين كانوا قد أُبعدوا إلى الجزائر عادوا إلى صنعاء، بينما اتجه عبدالرقيب عبدالوهاب وحمود ناجي قائد المظلات وعبدالرقيب الحربي إلى عدن، قبل أن يعود عبدالرقيب إلى صنعاء، ويتجه إلى جبل المدور حيث كانت تتمركز قوات من الصاعقة.
ومن هناك، بعث برسالة إلى العميد حسين الدفعي، الذي كان يثق به، وطلب لقاءه. وتم اللقاء بالفعل، وانتهى إلى أن يتولى الدفعي محاولة إقناع الفريق حسن العمري بمنح عبدالرقيب الأمان.
ذهب الدفعي إلى العمري، وأبلغه أن عبدالرقيب موجود في موقع الصاعقة بجبل المدور، وأنه يطلب الأمان لزيارته.
بحسب شهادة اللواء حنظل، لم يكن العمري مرتاحًا لعودة عبدالرقيب من عدن وعدم عودته مباشرة مع بقية القادة، وطلب منه أن يثبت حسن نيته بالحضور وقبول الجزاء العسكري على ما اعتبر مخالفات ارتكبها، وبعد ذلك يجري استقباله والجلوس معه.
وبالفعل ذهب عبدالرقيب إلى منزل الفريق العمري، وقَبِل أن يوضع تحت التوقيف المؤقت في المفرج المخصص لحراسة الفريق.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر حلقات الرواية إثارة.
مكث عبدالرقيب يومين في التوقيف، وكان، بحسب الشهادة، يعتقد أن الأمر لا يتجاوز جزاءً عسكريًا مؤقتًا، وأن العمري سيقابله بعد انتهاء المدة.
لكن في إحدى الأمسيات، حضر قائد الصاعقة سالم صالح الهمامي إلى منزل الفريق العمري. وعندما علم عبدالرقيب بهذه الزيارة من مرافقه، راوده الشك في أن وجوده في منزل العمري قد يكون مقدمة لتسليمه إلى قائد الصاعقة، فقرر الفرار.
تسلق جدار المنزل، واتجه إلى منزل صديقه العميد عبود مهدي، ثم نسق مع حسين الدفعي للتوجه إلى منزل العميد علي سيف الخولاني.
وهذه الجزئية تحديدًا مهمة؛ لأنها تفسر لماذا كان عبدالرقيب موجودًا في منزل علي سيف الخولاني في اللحظات الأخيرة، وتنفي الروايات التي حاولت ربط المنزل بخطة مسبقة لاستدراجه أو قصفه.
منزل علي سيف الخولاني.. ملجأ الرجل الذي يبحث عن الأمان
ذهب عبدالرقيب إلى منزل العميد علي سيف الخولاني، وشرح له ما حدث. وبحسب رواية حنظل، طمأنه علي سيف، وبقي معه حتى الصباح.
ثم توجه علي سيف إلى منزل الفريق العمري لإبلاغه بأن عبدالرقيب موجود عنده.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية في الرواية: أن العمري، وفق شهادة حنظل، فوجئ بهروب عبدالرقيب، وأكد لعلي سيف أنه لم يكن ينوي تسليمه إلى قائد الصاعقة، وأن ما حدث كان نتيجة سوء فهم من عبدالرقيب.
بل إن الرواية تشير إلى أن العمري طلب من علي سيف أن يبقى عنده، وأرسل قائد حرسه لإحضار عبدالرقيب.
وهنا بالضبط تبدأ المنطقة الأكثر التباسًا في قصة اغتيال الشهيد.
من أصدر الأمر؟ ومن نفذه؟
تقول شهادة اللواء أحمد حنظل إن قائد حرس الفريق العمري توجه إلى منزل علي سيف الخولاني برفقة مجموعة من الحرس في سيارة روسية مدرعة، وأن عبدالرقيب كان وحيدًا في المنزل.
وعندما وصلوا وطرقوا الباب بعنف، فوجئ عبدالرقيب بالمجموعة، فاعتقد أن الأمر يتعلق بمكيدة لتسليمه أو تصفيته.
هنا تختلف رواية اللواء حنظل عن روايات أخرى.
فاللواء حنظل يرى أن عبدالرقيب أخرج مسدسه وأطلق ست طلقات، ثم أطلق الطلقة السابعة على نفسه، وأن المسدس لم يكن معه سلاح آخر.
لكن هذه الجزئية تحديدًا لا أجدني قادرًا على التسليم بها دون تحفظ، ليس انتقاصًا من شهادة اللواء حنظل، وإنما لأن شهادة أخرى لشاهد عيان تضع علامات استفهام قوية حول هذا الجزء الأخير من الرواية.
والباحث في التاريخ لا ينبغي له أن يتعامل مع الشهادة باعتبارها كتلة واحدة؛ فقد تكون الشهادة صحيحة في معظم تفاصيلها، بينما تكون بعض تفاصيلها بحاجة إلى مراجعة، خصوصًا عندما تظهر شهادة أخرى مستقلة تناقضها في نقطة جوهرية.
شهادة «ح. بن سعيد».. الصاعقة تدخل المشهد
بعد نشر شهادتي السابقة، وصلني تعليق من شاهد عيان عرّف نفسه بالأحرف «ح. بن سعيد»، وهو يقدم رواية من داخل معسكر الصاعقة نفسه.
يقول الشاهد، في جوهر روايته، إنهم كانوا محاصرين داخل معسكر الصاعقة في الصافية، وإن قائد الصاعقة سالم صالح الهمامي قام بتجهيز سيارة «كليوباترا»، واختار مجموعة من بقايا جبهة التحرير، وكان معظمهم من الضالع، وتوجهت المجموعة لمحاصرة منزل علي سيف الخولاني.
ويضيف الشاهد أنهم كانوا في مواقع داخل المعسكر تمكنهم من رؤية الجهة الشرقية من منزل علي سيف الخولاني، وأنهم سمعوا زخات متقطعة من الرصاص استمرت قرابة ربع ساعة، كما شاهدوا المصفحة التابعة للحرس الجمهوري.
ثم علموا لاحقًا بتفاصيل ما جرى، وأكد أن ما سمعوه وشاهدوه يتطابق، في مجمله، مع الأخبار التي وصلت إليهم.
هذه الشهادة لا تقدم فقط رواية أخرى لمقتل عبدالرقيب؛ بل تضع قائد الصاعقة سالم صالح الهمامي ومجموعة من جنود الصاعقة في قلب المشهد الأخير.
وهنا يصبح السؤال التاريخي مشروعًا:
إذا كان عبدالرقيب موجودًا في منزل علي سيف الخولاني، فلماذا تحركت مجموعة من الصاعقة لمحاصرة المنزل؟
وإذا كان الأمر مجرد إحضار عسكري بناءً على توجيه من قيادة الجيش، فما تفسير اختيار مجموعة من جنود الصاعقة، وهم تحديدًا القوة التي كان عبدالرقيب قد قادها قبل أن يُعزل عنها؟
بين الشهادتين.. أين تكمن الحقيقة؟
أنا أميل إلى قبول الجزء الأكبر من رواية اللواء أحمد حنظل، خصوصًا فيما يتعلق بتسلسل انتقال عبدالرقيب من جبل المدور إلى منزل العمري، ثم فراره إلى منزل عبود مهدي، ثم انتقاله إلى منزل علي سيف الخولاني.
وهي تفاصيل لا تبدو متعارضة مع السياق العام للأحداث، كما أنها تفسر وجود عبدالرقيب في منزل علي سيف بعيدًا عن الروايات التي تحدثت عن منزل جرى استئجاره أو دفع ثمنه مقدمًا لاستدراجه.
لكنني أختلف معه في الجزئية المتعلقة بأن عبدالرقيب هو الذي بدأ بإطلاق النار ثم أنهى حياته.
فالقرائن التي تقدمها شهادة «ح. بن سعيد» تجعل هذه الجزئية بحاجة إلى إعادة نظر.
الشاهد يتحدث عن مجموعة من الصاعقة تحاصر منزل علي سيف، وعن سماع إطلاق نار استمر فترة، وعن وجود المصفحة التابعة للحرس الجمهوري في المشهد.
كما أن الروايات التي تداولت تفاصيل مقتل عبدالرقيب تحدثت عن جنود كانوا متنكرين أو متشابهين في الزي مع أفراد الصاعقة، وأن المفاجأة وقعت عند ظهورهم أمامه.
ومن هنا لا أرى أن من المنهج العلمي أن نجزم بأن عبدالرقيب انتحر قبل أن نستوفي التحقيق في طبيعة القوة التي وصلت إلى المنزل، والأوامر التي تلقتها، والجهة التي كانت تقودها، ومن بدأ إطلاق النار، ومن أطلق النار على الشهيد، ومن الذي قام بعد ذلك بسحب جثمانه إلى ميدان التحرير.
جريمة لا تنتهي عند لحظة إطلاق النار
حتى لو تركنا جانبًا الخلاف حول الرصاصة الأخيرة، فإن هناك واقعة أخرى تبدو أكثر ثباتًا في الروايات: جثمان عبدالرقيب أُخرج من المنزل وحُمل إلى ميدان التحرير وسط حالة من الغوغاء والتجمهر.
وهنا يصبح السؤال الأخلاقي والتاريخي أكبر من سؤال: من أطلق الرصاصة الأولى؟
فالرجل الذي كان قبل أشهر قليلة أحد أبرز قادة الدفاع عن صنعاء، والذي ارتبط اسمه بملحمة السبعين، وجد جثمانه يُعامل بهذه الصورة بعد مقتله.
وبحسب ما رواه اللواء حنظل، كان العميد مجاهد أبو شوارب والشيخ أحمد علي المطري قد مرّا بالمكان، وشاهدا تجمع الغوغاء حول الجثمان، فتدخلا لتفريقهم، وحملا جثمان عبدالرقيب إلى المستشفى الجمهوري، حيث جرى تجهيزه والصلاة عليه وتشييعه إلى مقبرة خزيمة.
وهنا تبرز أسماء تستحق أن تحفظها الذاكرة الوطنية؛ أسماء رجال لم يسمحوا بأن يتحول جسد الشهيد إلى فرجة للغوغاء أو وسيلة للإهانة.
ومن بينهم الشيخ أحمد علي المطري، والعميد مجاهد أبو شوارب، كما ترد في شهادات أخرى أسماء مثل درهم عبده نعمان.
إنقاذ كرامة الشهيد بعد مقتله لا يقل أهمية عن الدفاع عنه وهو حي.
عبدالرقيب بين الجيش والدولة
لكنني أعتقد أن اختزال مأساة عبدالرقيب في خلاف شخصي مع قائد عسكري أو في حادثة اغتيال منفردة يظلم الرجل والتاريخ معًا.
عبدالرقيب كان جزءًا من معركة أكبر: ما طبيعة الجيش الذي ستبنيه الجمهورية؟
هل يكون جيشًا وطنيًا مؤسسيًا، تتحدد فيه المسؤوليات وفق الرتبة والاختصاص والقانون؟
أم يكون جيشًا تتداخل فيه الولاءات العسكرية والقبلية والمناطقية والسياسية، بحيث تصبح القوة المسلحة موزعة بين مراكز نفوذ متعددة؟
وهنا تتضح قيمة عبدالرقيب التاريخية.
فالرجل الذي خرج من بيئة اجتماعية متواضعة، والتحق بالجيش، وتدرج في مؤسساته، وشارك في الدفاع عن صنعاء، ثم وصل إلى رئاسة هيئة الأركان، لم يكن مجرد ضابط ناجح.
كان يمثل، في صورته العسكرية، فكرة الجيش الجمهوري الذي ينبغي أن يصبح جيش الدولة.
ولهذا فإن الصراع حول عبدالرقيب لم يكن مجرد صراع حول شخصه، وإنما حول موقع المؤسسة العسكرية في الدولة الجديدة.
أول رئيس أركان تنتخبه وحدات الجيش
ومن أكثر الجوانب التي تستحق التوقف في سيرة عبدالرقيب أنه لم يصل إلى موقعه العسكري باعتباره مجرد اختيار فوقي تقليدي؛ فقد ارتبط اسمه بانتخابه من وحدات الجيش لرئاسة هيئة الأركان.
وهذا التفصيل، إذا ما ثبت بوثائقه وشهاداته الأصلية، يحمل دلالة سياسية وعسكرية كبيرة.
فالمؤسسة العسكرية في دولة ناشئة كانت تبحث عن صيغة جديدة للقيادة، وكان اختيار عبدالرقيب من داخل وحدات الجيش مؤشرًا على حضور الرجل بين الجنود والضباط، وعلى الثقة التي حظي بها داخل المؤسسة.
ومن هنا جاء عنوان هذا المقال:
عبدالرقيب عبدالوهاب.. بطل السبعين يومًا وأول رئيس أركان منتخب من وحدات الجيش.
فالمسألة ليست لقبًا للتكريم، وإنما تعبير عن مرحلة كانت فيها الجمهورية تبحث عن طريقها بين سلطة الدولة وسلطة الأشخاص، وبين الجيش كمؤسسة والجيش كامتداد لمراكز النفوذ.
لماذا كان عبدالرقيب مزعجًا لمراكز القوة؟
قد لا يكون من الإنصاف اختزال كل خصوم عبدالرقيب في خصومة مناطقية أو مذهبية أو قبلية، كما لا يصح تحويل كل صراع سياسي في تلك المرحلة إلى مؤامرة واحدة محكمة.
لكن المؤكد أن عبدالرقيب كان يتحرك في اتجاه يصطدم بطبيعة مراكز القوة التي كانت تتشكل حول الجمهورية.
لقد كان يريد جيشًا أكثر انضباطًا ومؤسسية، وكانت هناك قوى ترى أن النفوذ لا يمكن أن يستمر من دون امتلاك أدوات القوة داخل الجيش وخارجه.
ومن هنا تصبح أحداث أغسطس 1968م نقطة مفصلية في التاريخ الجمهوري.
فبعد ملحمة السبعين، لم يعد السؤال: كيف ندافع عن الجمهورية؟
بل أصبح السؤال:
أي جمهورية نريد؟ ومن يملك قرارها؟ ومن يملك جيشها؟
وهذا هو السؤال الذي لم يُحسم يومها، وظلت آثاره ممتدة في التاريخ اليمني لعقود.
هل كان عبدالرقيب يساريًا؟
تعددت الروايات حول الانتماء السياسي لعبدالرقيب.
هناك من ربطه بحركة القوميين العرب والتيارات اليسارية والقومية، وهناك من نفى عنه أي ارتباط حزبي مباشر.
وأرى أن هذه المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالانتماء الفكري أو القومي أو التعاطف السياسي لا يعني بالضرورة عضوية حزبية، كما أن وجود ضباط من حركة القوميين العرب في وحدات الصاعقة والمظلات لا يعني تلقائيًا أن عبدالرقيب كان يعمل باعتباره ممثلًا حزبيًا داخل الجيش.
والأهم من ذلك أن تقييم عبدالرقيب ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة أيديولوجية.
فالرجل، قبل أي تصنيف، كان ضابطًا جمهوريًا دافع عن صنعاء، وقاد قوات الصاعقة، وتولى رئاسة هيئة الأركان، ودفع حياته ثمنًا لصراع لم تنتهِ آثاره بانتهاء حياته.
من اغتال عبدالرقيب؟
هذا السؤال ما زال يحتاج إلى بحث وثائقي جاد.
والشهادات التي بين أيدينا تسمح بطرح أسئلة قوية، لكنها لا تسمح لنا، إذا التزمنا بمنهج المؤرخ، بأن نصدر حكمًا قضائيًا على أشخاص بأعيانهم دون وثائق قاطعة.
لكن ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن عبدالرقيب لم يمت في معركة مع الملكيين، ولم يسقط على متراس وهو يقاتل عدوًا خارجيًا.
لقد انتهت حياته في قلب صنعاء، وفي ظل صراع جمهوري ـ جمهوري، وفي لحظة كانت الجمهورية نفسها تعاني من أزمة داخلية عميقة.
وهذه هي المأساة الأكبر.
الرجل الذي حمى الجمهورية من حصار الملكيين، انتهت حياته وسط حصار جمهوري.
وهذه المفارقة وحدها تكفي لتجعل قضية عبدالرقيب واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في تاريخ اليمن الحديث.
لماذا غابت قصة عبدالرقيب؟
ربما لأن التاريخ الرسمي لا يحب الأسئلة المحرجة.
فالبطل الذي يموت على يد العدو يمكن تحويله إلى رمز بسهولة.
أما البطل الذي يموت في صراع داخلي، فتتحول سيرته إلى سؤال عن المسؤولية، وعن طبيعة النظام، وعن مراكز القوى، وعن الذين كانوا شركاء في الجمهورية ثم اختلفوا على شكلها ومضمونها.
ولهذا ظلت سيرة عبدالرقيب أقل حضورًا مما تستحق.
لكن الذاكرة الشعبية كانت أكثر عدلًا من بعض كتب التاريخ.
ظل الرجل حاضرًا في أحاديث من عايشوا حصار السبعين، وفي شهادات رفاقه، وفي ذاكرة أبناء الجيش، وفي كتابات الباحثين والمهتمين بالتاريخ الجمهوري.
ولعل ما نفعله اليوم ليس صناعة بطولة جديدة له، وإنما إعادة البطولة إلى صاحبها.
عادل الشرجبي: عبدالرقيب يستحق تمثالًا في ميدان التحرير
كتب عادل الشرجبي، في حديثه عن عبدالرقيب، إن هذا الرجل يستحق أن يُقام له تمثال عملاق في ميدان التحرير بصنعاء.
ولست أرى في هذا الاقتراح مبالغة رمزية.
فالتمثال هنا ليس مجرد حجر أو معدن؛ إنه اعتراف رسمي بأن الجمهورية لم تُبنَ بالكلمات وحدها، وإنما بدماء رجال كانوا في مقدمة المتاريس.
وحين نقارن بين حجم حضور بعض الشخصيات في الفضاء العام، وبين الغياب شبه الكامل لاسم عبدالرقيب، يصبح السؤال مشروعًا:
لماذا لا يحمل شارع رئيسي في صنعاء اسمه؟
لماذا لا توجد مؤسسة عسكرية أو كلية أو ميدان يحمل اسم أحد أبرز قادة الدفاع عن الجمهورية؟
ولماذا لا تُدرّس سيرته في تاريخ الجيش اليمني الحديث؟
إن تكريم عبدالرقيب ليس تكريمًا لتعز وحدها، ولا للحجرية، ولا لمنطقة بعينها.
إنه تكريم للجمهورية نفسها.
تعز لا تحتاج إلى احتكار عبدالرقيب
ومن المهم هنا ألا يتحول الحديث عن عبدالرقيب إلى خطاب مناطقي مضاد.
عبدالرقيب ابن تعز، نعم.
لكنه، بحكم دوره التاريخي، ملك لكل اليمنيين.
كما أن الحديث عن بعض أبناء تعز الذين شاركوا في خصوماته أو أسهموا في الإساءة إليه لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة جماعية لتعز.
فالخيانة لا تعرف منطقة، والبطولة كذلك لا تعرف منطقة.
في كل مدينة وقرية وبيت، يوجد من وقف مع الحرية ومن وقف ضدها، ومن انحاز إلى الدولة ومن انحاز إلى مصلحته.
والدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من قصة عبدالرقيب هو أن معيار الوطنية ليس مكان الميلاد، وإنما الموقف من الدولة والحرية والكرامة والمواطنة.
عبدالرقيب.. سؤال الجمهورية
ربما لهذا كله لا أرى عبدالرقيب مجرد شهيد من شهداء سبتمبر.
أراه سؤالًا مفتوحًا عن الجمهورية اليمنية نفسها.
أي جمهورية أرادها رجال سبتمبر؟
هل كانت جمهورية تتغير فيها الوجوه فقط، أم جمهورية تتغير فيها قواعد الحكم؟
هل كان المطلوب إسقاط الإمامة كشخص وأسرة، أم إسقاط منظومة الاستبداد وبناء دولة حديثة؟
هل كان الجيش مؤسسة وطنية أم أداة في يد مراكز القوى؟
وهل كان يمكن للجمهورية أن تتجنب كثيرًا من مآسيها اللاحقة لو انتصرت مبكرًا لفكرة الدولة والقانون والمؤسسة؟
هذه الأسئلة تجعل عبدالرقيب حاضرًا في زمننا، رغم مرور عقود على مقتله.
فالمشكلة التي واجهها لم تنتهِ بمقتله، وإنما بقيت تتكرر بأسماء وأشكال مختلفة.
كلمة أخيرة
لا أكتب عن عبدالرقيب عبدالوهاب لأضيف اسمًا جديدًا إلى قائمة الشهداء، فاسمه موجود في الذاكرة.
ولا أكتب لأدين أشخاصًا بعينهم من دون وثائق، فالتاريخ ليس منصة لتصفية الحسابات.
إنما أكتب لأنني أعتقد أن الجمهورية مدينة لهذا الرجل بالحقيقة قبل أن تكون مدينة له بالنصب التذكاري.
والحقيقة لا تعني فقط معرفة من أطلق الرصاصة الأخيرة.
الحقيقة تعني أن نعرف لماذا وصل اليمنيون إلى اللحظة التي صار فيها بطل السبعين مطاردًا داخل صنعاء، ولماذا أصبح الجيش الذي قاتل معه منقسمًا على نفسه، ولماذا عجزت الجمهورية الوليدة عن حماية واحد من أبرز قادتها، ولماذا ظلت قضية مقتله بلا تحقيق تاريخي وطني شامل.
أما شهادتا اللواء أحمد حنظل و«ح. بن سعيد»، فإنهما تضيفان إلى القضية مادة مهمة ينبغي ألا تُهمل.
الأولى تساعدنا على فهم رحلة عبدالرقيب في أيامه الأخيرة، والثانية تضع تحرك قوات الصاعقة حول منزل علي سيف الخولاني في دائرة الأسئلة التي تحتاج إلى إجابة.
وبين الروايتين تبقى حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الجدل:
عبدالرقيب عبدالوهاب كان أحد أبرز أبطال حصار السبعين، وأنهى حياته شهيدًا في صنعاء، بعد أشهر قليلة من الانتصار الذي كان واحدًا من صانعيه.
لقد دافع عن الجمهورية حين كانت محاصرة من الخارج.
وكانت مأساته أن الجمهورية نفسها لم تستطع، أو لم تُرد، أن تحميه من صراعاتها الداخلية.
ولهذا سيظل عبدالرقيب عبدالوهاب أكثر من اسم في سجل الشهداء.
سيظل سؤالًا.
وسيبقى السؤال قائمًا حتى تكتمل الرواية بالوثيقة والشهادة والتحقيق:
كيف انتصر عبدالرقيب للجمهورية في السبعين يومًا، ثم عجزت الجمهورية عن الانتصار له في يومه الأخير؟



