الجمعة 11 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرقيب عبدالوهاب بين الرواية الرسمية وحقيقة الصراع (3-4)

عبدالرقيب عبدالوهاب بين الرواية الرسمية وحقيقة الصراع (3-4)

عبدالرقيب عبدالوهاب بين الرواية الرسمية وحقيقة الصراع (3-4)

في الجزأين السابقين حاولت أن أستعيد صورة عبدالرقيب عبدالوهاب بوصفه أحد أبرز أبطال حصار السبعين، وأن أتوقف عند الظروف التي أحاطت به بعد انتصار الجمهورية، وصولًا إلى الأيام الأخيرة من حياته ومقتله في صنعاء.

وفي هذا الجزء أريد أن أقترب أكثر من السؤال الأصعب:
كيف نظر معاصرو عبدالرقيب إلى الرجل؟ وكيف فسرت السلطة نفسها الصراع الذي انتهى بمقتله؟
فالحدث التاريخي لا تكتمل صورته بشهادة واحدة، ولا يجوز أن نقرأه من خلال رواية خصوم الرجل وحدهم أو أنصاره وحدهم. ولذلك سأضع هنا إلى جانب شهادات الضباط والباحثين والمعاصرين، شهادتين لهما خصوصية استثنائية: شهادة القاضي عبدالرحمن الإرياني، رئيس المجلس الجمهوري آنذاك، ورواية اللواء حسين المسوري، أحد الضباط الذين كانوا في قلب الصراع العسكري والسياسي في تلك المرحلة.
والهدف ليس إصدار حكم مسبق، وإنما وضع الروايات جنبًا إلى جنب، ثم ترك الوقائع تتحدث.

أولًا: شهادة السلطة وهي تخاطب عبدالرقيب

من أهم الوثائق التي بقيت من تلك المرحلة رسالة القاضي عبدالرحمن الإرياني إلى عبدالرقيب عبدالوهاب، حين كان الأخير يرفض مغادرة البلاد مع الضباط الذين تقرر إبعادهم إلى الجزائر.
تقول الرسالة، بحسب النص المتداول: «الولد عبدالرقيب عبدالوهاب المحترم، واجبكم الوطني والعسكري هو الانضمام إلى إخوانكم المسافرين حسب الاتفاق...».
ثم يطمئنه الإرياني بشأن المعتقلين، ويؤكد أن من تثبت براءته سيُطلق، وأن الجنود الذين وصفهم بأنهم «مغرر بهم» لن يتخذ ضدهم إجراء، ويختم بأن خروج الضباط كان «بإجماع تام».
هذه الرسالة مهمة جدًا، ليس فقط بسبب مضمونها، وإنما بسبب دلالتها السياسية.
فالإرياني لم يكن شخصًا هامشيًا في السلطة، بل كان رئيس المجلس الجمهوري.
ومن ثم فإن مخاطبته عبدالرقيب بهذه الطريقة تكشف أن الدولة في تلك اللحظة كانت تدرك أهمية الرجل، وتتعامل معه باعتباره شخصية عسكرية لا يمكن تجاهلها.
بل إن مصادر أخرى تنقل أن عبدالرقيب كان قد قدم استقالته في مرحلة سابقة، وأن الإرياني رفضها، وقال له إن مصلحة البلاد ينبغي أن تحكم الجميع.
وهذا يقودنا إلى سؤال مهم:
إذا كان عبدالرقيب مجرد متمرد أو مغامر أو رجل يبحث عن السلطة، فلماذا كانت رئاسة الدولة حريصة على إقناعه بالبقاء في موقعه، ثم حريصة على إقناعه بالسفر، ثم تفاوضه وتطمئنه؟
إن هذا وحده يكشف أن صورته داخل السلطة لم تكن بالصورة البسيطة التي حاولت بعض الروايات اللاحقة رسمها.

ثانيًا: الإرياني لا يقدم عبدالرقيب باعتباره عدوًا للجمهورية

في قراءة موقف القاضي الإرياني ينبغي أن ننتبه إلى فارق مهم.
الإرياني كان في قلب السلطة، لكنه كان في الوقت نفسه رئيسًا لمجلس جمهوري جماعي، وكانت مهمته الأساسية الحفاظ على تماسك الدولة والنظام الجمهوري في مرحلة شديدة الاضطراب.
وقد نقلت كتاباته ومذكراته لاحقًا موقفًا يؤكد رفضه لأي طريق يؤدي إلى إلغاء النظام الجمهوري أو إعادة بيت حميد الدين، وهو ما يعكس طبيعة الهاجس السياسي الذي كان يحكم تفكيره.
ومن هنا فإن رواية الإرياني عن عبدالرقيب لا ينبغي أن تقرأ بمعزل عن ذلك السياق.
فهو لم يكن يتعامل مع رجل ملكي يريد إسقاط الجمهورية.
كان يتعامل مع ضابط جمهوري اختلف مع القيادة، وله نفوذ داخل وحدات عسكرية رئيسية، ويمكن أن يؤدي الخلاف معه إلى انفجار المؤسسة العسكرية.
وهذه نقطة بالغة الأهمية.
فالخلاف بين الإرياني وعبدالرقيب، في الوثائق التي بين أيدينا، يبدو أقرب إلى إدارة أزمة داخل المعسكر الجمهوري منه إلى مواجهة بين جمهوري وملكي.

ثالثًا: ماذا يقول الإرياني عن النهاية؟

تزداد أهمية شهادة الإرياني عند الحديث عن الأيام الأخيرة.
فالمصادر التي تنقل ما ورد في مذكراته تشير إلى أن أحداث أغسطس وما أعقبها من إبعاد عدد من الضباط، ثم عودة عبدالرقيب ومقتله وسحل جثمانه في ميدان التحرير، أصبحت جزءًا من ذلك السياق المضطرب.
لكن هنا ينبغي أن نكون دقيقين:
وجود هذه الرواية في مذكرات رئيس الدولة لا يجعلها تلقائيًا الحقيقة النهائية.
فالمذكرات السياسية تظل شهادة صاحبها، وهي مهمة لأنها تكشف كيف رأت السلطة نفسها الأحداث، لكنها لا تعفينا من مقارنتها بشهادات الآخرين.
وهذا بالضبط ما يجعل رواية اللواء حسين المسوري مهمة.

رابعًا: حسين المسوري.. رواية من داخل الطرف الآخر

اللواء حسين المسوري ليس شاهدًا محايدًا بالمعنى الأكاديمي، وهذه نقطة ينبغي ألا نخفيها.
لقد كان أحد الضباط الذين ارتبطت أسماؤهم بالطرف المقابل لعبدالرقيب في صراع أغسطس 1968، ولذلك فإن شهادته تمثل، في جانب منها، رؤية السلطة العسكرية المنتصرة في ذلك الصراع.
وتظهر روايات منشورة عن أحداث أغسطس أن الصراع انفجر بين عبدالرقيب عبدالوهاب ومحمد صالح فرحان وحمود ناجي وعلي مثنى جبران من جهة، وبين الفريق حسن العمري ومن معه من جهة أخرى، وأن حسين المسوري كان ضمن الحلقة العسكرية المقابلة.
وهنا تصبح شهادته ذات قيمة مزدوجة:
قيمة لأنها صادرة عن رجل كان داخل المشهد.
وقيمة ثانية لأنها تكشف كيف كان الطرف الآخر ينظر إلى عبدالرقيب ورفاقه.

خامسًا: المسوري لا يمحو بطولة عبدالرقيب

المثير في شهادة المسوري التي أوردها بعض معاصريه أنه، رغم موقعه في الصراع، لم يستطع أن يمحو صفات عبدالرقيب العسكرية والإنسانية.
بل نقل عنه وصف عبدالرقيب بأنه قائد عسكري مميز، وأشار إلى ما كان يتمتع به من الشجاعة والتهذيب.
وهذا التفصيل بالغ الأهمية.
لأن التاريخ لا يُقرأ فقط من خلال ما يقوله أنصار الشخص عن خصومه، بل أيضًا من خلال ما يعترف به الخصوم عن خصمهم.
وعندما يأتي الاعتراف بقدرات عبدالرقيب من شخصية كانت في الطرف الآخر من الصراع، فإن ذلك يمنح الصورة بعدًا مختلفًا.
إننا هنا أمام رجل اختلفوا معه سياسيًا وعسكريًا، لكنهم لم يستطيعوا إلغاء مكانته المهنية.

سادسًا: شهادة المسوري عن أحداث أغسطس

تتضمن الروايات المنسوبة إلى المسوري وصفًا للصدام الذي وقع في أغسطس، وتقدم تفسيرًا للصراع باعتباره مواجهة بين مجموعات من الضباط والقوات المسلحة.
وهذه الرواية مهمة لأنها تكشف لنا شيئًا ربما يكون أهم من التفاصيل العسكرية نفسها:
أن الجمهورية الوليدة كانت قد دخلت في صراع داخل جيشها.
لم يعد العدو ملكيًا يحاصر صنعاء من الخارج.
صار الجيش نفسه منقسمًا، وكل طرف يرى نفسه حاميًا للجمهورية.
وهنا تكمن المأساة.
فكل طرف كان يرفع شعار الجمهورية، لكن الخلاف كان حول من يمثل الجمهورية، ومن يملك الجيش، ومن يحدد مستقبل الدولة.

سابعًا: عبدالرقيب في شهادات أبناء جيله

إذا جمعنا شهادة الإرياني، وروايات الضباط، وما كتبه المعاصرون، فإن صورة عبدالرقيب تبدو أكثر تعقيدًا من الصورة التي حاولت بعض الكتابات اختزالها فيها.
فهو ليس فقط:
«ضابطًا يساريًا».
وليس فقط:
«قائدًا متمردًا».
وليس فقط:
«رجل الصاعقة».
وليس فقط:
«بطل السبعين».
إنه كان كل ذلك وأكثر.
كان ضابطًا شابًا صعد بسرعة في مؤسسة عسكرية ناشئة، وشارك في الحرب الجمهورية، وتولى قيادة الصاعقة، ثم أصبح رئيسًا لهيئة الأركان.
وتشير روايات منشورة إلى أن اختياره لرئاسة الأركان جاء بعد انتخابه من كبار قادة القوات المسلحة، قبل أن يوافق العمري والإرياني على اختياره، وهو ما يفسر ارتباط اسمه بفكرة «رئيس الأركان المنتخب من وحدات الجيش».

ثامنًا: لماذا كان انتخابه مهمًا؟

قد يبدو اليوم أن الحديث عن انتخاب رئيس هيئة أركان مسألة عسكرية داخلية.
لكنها في سياق الستينيات كانت أكثر من ذلك.
فاليمن كانت تخرج لتوها من نظام الإمامة، ولم تكن مؤسسات الدولة الحديثة قد اكتملت.
وكان السؤال المركزي:
من أين تأتي شرعية السلطة؟
هل تأتي من مركز سياسي واحد؟
أم من التوازن بين القوى؟
أم من الجيش؟
أم من القبيلة؟
أم من مؤسسات الدولة؟
ومن هنا فإن انتخاب عبدالرقيب من داخل وحدات الجيش يحمل دلالة سياسية؛ لأنه يعكس محاولة مبكرة لإيجاد شرعية داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
وهذا ربما يفسر جانبًا من الصراع الذي انفجر بعد ذلك.

تاسعًا: طاهر شمسان.. الجمهورية بين ثورتين

كتب الباحث طاهر شمسان في تحليله المعروف عن «جدلية الثورة والثورة المضادة» أن الانقسام الذي نشأ بعد ثورة 26 سبتمبر لم يكن في جوهره مجرد انقسام بين جمهوريين وملكيين، وإنما كان صراعًا بين قوى ماضوية وقوى مستقبلية، وأن الأخطر كان صراع القوى الماضوية داخل الصف الجمهوري مع القوى الجمهورية الحداثية.
وفي قراءته لأحداث أغسطس 1968، يضع شمسان تلك الأحداث في سياق صراع أوسع على طبيعة الجمهورية والجيش والدولة، ويرى أن تصفية عدد من القيادات العسكرية الشابة، ومن بينها عبدالرقيب، كانت جزءًا من تحول سياسي عميق داخل الجمهورية.
وهذه القراءة، بصرف النظر عن الاتفاق معها في كل تفاصيلها أو الاختلاف معها، تقدم لنا مفتاحًا مهمًا:
أن قضية عبدالرقيب لا يمكن فهمها بمعزل عن سؤال: أي جمهورية كانت تتشكل في اليمن؟

عاشرًا: ماذا يقول فتحي الأسودي؟

أما الأستاذ فتحي الأسودي، في كتابه «صنعاء: الحصار والانتصار»، فيقدم صورة مختلفة للجانب الأخير من حياة عبدالرقيب.
فهو يروي أن عبدالرقيب لجأ إلى منزل العقيد علي سيف الخولاني، وأن قوة جاءت لمهاجمة المنزل، وأن عبدالرقيب أصيب ثم احتمى في مكان داخله، قبل أن يدل نزيفه على مكانه، ثم قُتل، وحُمل جثمانه إلى ميدان التحرير.
كما يذكر تدخل الشيخ أحمد علي المطري والعميد مجاهد أبو شوارب وغيرهما لحماية الجثمان، ثم نقله ودفنه في خزيمة.
وهذه الرواية تتفق في جوهرها مع ما تذكره شهادات أخرى بشأن وجود الجثمان في ميدان التحرير ثم تدخل شخصيات لإنقاذه من الغوغاء.
أما تفاصيل كيفية إطلاق النار، ومن بدأ الاشتباك، وهل كانت الطلقة الأخيرة من مسدس عبدالرقيب أم من سلاح المهاجمين، فتبقى من أكثر النقاط التي تحتاج إلى تحقيق وثائقي وميداني دقيق.

حادي عشر: شهادة اللواء أحمد حنظل.. تصحيح صورة النهاية

وقد أضفت في الجزء السابق شهادة اللواء أحمد حنظل، وهي من أهم الشهادات التي وصلتني شخصيًا بشأن الساعات الأخيرة.
وتكمن أهميتها في أن حنظل لم يكن يروي قصة سمعها بعد عقود، بل قال إنه كان قريبًا من المشهد الذي أعقب مقتل عبدالرقيب، وأنه كان مع مجاهد أبو شوارب والشيخ أحمد علي المطري عند انتزاع الجثمان من وسط المتجمهرين.
وهو يؤكد أن عبدالرقيب كان قد انتقل إلى منزل علي سيف الخولاني بعد سلسلة من التطورات، وأن قوة عسكرية وصلت إلى المنزل.
لكنني، كما أوضحت سابقًا، لا أتفق مع الجزء المتعلق بأن عبدالرقيب هو الذي بدأ إطلاق النار ثم انتحر.
ليس لأنني أملك وثيقة حاسمة تثبت العكس، وإنما لأن شهادة «ح. بن سعيد» تقدم رواية تتعارض مع هذا التفصيل، وتضع مجموعة من الصاعقة في موقع محاصرة المنزل، وتربط العملية بقائد الصاعقة سالم صالح الهمامي.
والمنهج التاريخي يقتضي أن نضع الروايتين جنبًا إلى جنب.

ثاني عشر: «ح. بن سعيد».. شهادة من داخل معسكر الصاعقة

الشهادة الثانية التي وصلتني جاءت من شاهد عيان عرّف نفسه بالأحرف «ح. بن سعيد».
وهي شهادة تستحق الاهتمام لأنها تتحدث من داخل معسكر الصاعقة.
يقول الشاهد إن قائد الصاعقة سالم صالح الهمامي جهز سيارة «كليوباترا» واختار مجموعة من بقايا جبهة التحرير، وأن المجموعة توجهت إلى منزل علي سيف الخولاني.
كما يقول إنهم تمكنوا من رؤية الجهة الشرقية للمنزل، وسمعوا زخات من الرصاص متقطعة لمدة نحو ربع ساعة، وشاهدوا المصفحة التابعة للحرس الجمهوري.
إذا صحت هذه الشهادة، فإنها تطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه:
لماذا تحركت قوة من الصاعقة إلى منزل عبدالرقيب في تلك اللحظة؟
وهل كان الأمر مجرد تنفيذ لتوجيه عسكري بإحضاره؟
أم أن هناك قرارًا آخر لم يُكشف عنه؟

ثالث عشر: نقطة الالتقاء بين الروايات

رغم الاختلافات، هناك نقاط تلتقي عندها معظم الروايات:
أن عبدالرقيب كان في منزل علي سيف الخولاني.
أن قوة عسكرية وصلت إلى المنزل.
أن إطلاق النار وقع هناك.
أن عبدالرقيب قتل في تلك الواقعة.
أن جثمانه نُقل إلى ميدان التحرير.
أن شخصيات يمنية تدخلت لحماية الجثمان ونقله.
أن عبدالرقيب دُفن في مقبرة خزيمة.
هذه النقاط المشتركة أهم من نقاط الاختلاف؛ لأنها تشكل الهيكل الأساسي للواقعة.
أما السؤال الذي ما زال مفتوحًا فهو:
كيف قُتل عبدالرقيب تحديدًا؟
ومن أصدر الأمر؟
ومن نفذه؟
وهل كان الهدف إحضاره حيًا، أم أن العملية تحولت إلى تصفية؟
وهل كان الخلاف العسكري والسياسي قد بلغ مرحلة جعلت تصفيته خيارًا مطروحًا؟

رابع عشر: عبدالرقيب والسلطة.. مفارقة تستحق التأمل

من أغرب المفارقات في قصة عبدالرقيب أن السلطة التي كان رئيس مجلسها الجمهوري يتفاوض معه ويخاطبه بعبارات الأبوة والنصح، أصبحت بعد أشهر جزءًا من منظومة الصراع التي انتهت بمقتله.
لا يعني هذا بالضرورة أن الإرياني كان شريكًا في اغتياله.
ولا توجد، في المادة التي بين أيدينا، وثيقة تسمح لنا بإطلاق مثل هذا الاتهام.
لكن المسؤولية التاريخية أوسع من المسؤولية الجنائية.
فالسؤال ليس فقط:
من أطلق النار؟
بل:
كيف سمحت بنية السلطة الجمهورية أن يصل الصراع إلى مرحلة يُقتل فيها واحد من أبرز أبطالها داخل العاصمة؟
هذا سؤال ينبغي أن يُطرح على الدولة كلها، لا على شخص واحد فقط.

خامس عشر: هل كان عبدالرقيب يسعى إلى السلطة؟

هذه واحدة من أكثر التهم التي ينبغي التعامل معها بحذر.
فبعض الكتابات تربطه بحركة القوميين العرب والتيارات اليسارية، وتفسر تحركاته باعتبارها جزءًا من مشروع للوصول إلى السلطة.
لكن وجود توجه سياسي لدى الرجل، إن ثبت، لا يعني تلقائيًا أن كل تحرك عسكري قام به كان انقلابًا على الجمهورية.
بل إن الوقائع نفسها تقول إن عبدالرقيب كان رئيسًا لهيئة الأركان وقائدًا للصاعقة، وأن الصراع حوله كان مرتبطًا بصورة الجيش وطريقة إدارته.
كما أن استمرار التواصل بينه وبين شخصيات السلطة، ومحاولات احتوائه وإقناعه بالسفر، تجعل من الصعب اختزال الرجل في صورة «الانقلابي الباحث عن السلطة».
والأصح تاريخيًا أن نقول:
كان عبدالرقيب طرفًا في صراع سياسي وعسكري على مستقبل الجمهورية، وكانت له رؤيته ومواقفه وتحالفاته، لكن ذلك لا يسقط عنه دوره الوطني والعسكري ولا يحسم وحده طبيعة الصراع.

سادس عشر: ما الذي تكشفه رواية المسوري؟

إذا أخذنا رواية المسوري بوصفها تمثل رؤية أحد أجنحة السلطة العسكرية آنذاك، فإنها تكشف شيئًا مهمًا:
الطرف الذي انتصر على عبدالرقيب لم يكن ينظر إلى نفسه باعتباره ضد الجمهورية.
وهذا أمر ينبغي فهمه.
فالمشكلة لم تكن بين «جمهوريين» و«أعداء للجمهورية» بالمعنى المبسط.
كان كل طرف تقريبًا يعتقد أنه يحمي الجمهورية.
وهنا تظهر المأساة السياسية:
حين يحتكر كل طرف تعريف الجمهورية، تصبح الجمهورية نفسها ساحة للصراع.

سابع عشر: ماذا بقي بعد عبدالرقيب؟

بعد تصفية عبدالرقيب ورفاقه، لم تعد المؤسسة العسكرية هي نفسها.
وتشير مصادر لاحقة إلى أن حسين المسوري عُين رئيسًا للأركان في أكتوبر 1969، فيما تولى عدد من الضباط الذين كانوا في المعسكر المقابل مناصب عسكرية مهمة.
وهنا ينبغي ألا نقرأ التعيينات باعتبارها دليلًا تلقائيًا على أن كل من تسلم منصبًا بعد عبدالرقيب كان شريكًا في قتله.
هذا استنتاج لا تسمح به الأدلة المتاحة.
لكن التغيير في موازين القوة داخل الجيش بعد أحداث أغسطس ومقتل عبدالرقيب يظل حقيقة سياسية تستحق الدراسة.
فمن خرج من المشهد؟
ومن صعد؟
ومن تغير موقعه؟
ومن استفاد من انهيار الجناح الذي كان يمثله عبدالرقيب؟
هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقل البحث من «قصة شهيد» إلى دراسة لتاريخ الدولة والجيش في اليمن.

ثامن عشر: من اغتال عبدالرقيب أم من اغتال مشروعه؟

ربما يكون السؤال الأكثر عمقًا ليس:
من قتل عبدالرقيب؟
وإنما:
ماذا قُتل بمقتل عبدالرقيب؟
لقد قتل الرجل جسديًا.
لكن معه تراجعت، أو على الأقل تلقت ضربة قاسية، فكرة الجيش الذي نشأ من رحم الثورة ثم أراد أن يتحول إلى مؤسسة وطنية حديثة.
وهذا ما يجعل بعض الكتابات اللاحقة ترى أن تصفية عبدالرقيب كانت جزءًا من تحول الجمهورية من مشروع ثوري مؤسسي إلى نظام تتداخل فيه الدولة مع مراكز القوة التقليدية.
وقد ذهب توفيق السامعي في سلسلة كتاباته عن عبدالرقيب إلى أن الرجل تعرض لاغتيال جسدي وآخر معنوي، وأن إقصاءه ورفاقه أسهم في إضعاف فكرة الجيش المؤسسي المهني.
قد نختلف مع بعض استنتاجاته، لكن السؤال الذي يطرحه مشروع:
هل كان مقتل عبدالرقيب نهاية رجل، أم بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية؟

تاسع عشر: بين الإرياني والمسوري وحنظل وشهود الصاعقة

عندما نضع الشهادات الأربع أمامنا، تظهر لنا صورة أكثر تعقيدًا:
الإرياني يمثل صوت الدولة السياسية، ويكشف لنا أن عبدالرقيب كان شخصية يجري التفاوض معها واحتواؤها، لا مجرد عدو للجمهورية.
المسوري يمثل صوت أحد أجنحة المؤسسة العسكرية التي كانت في الجهة المقابلة، ومع ذلك تبقى في روايته مساحة للاعتراف بعبدالرقيب كقائد عسكري مميز.
أحمد حنظل يقدم رواية تفصيلية عن الأيام الأخيرة، ويؤكد انتقال عبدالرقيب بين مواقع عدة وانتهاء الأمر في منزل علي سيف الخولاني.
ح. بن سعيد يقدم شهادة من داخل معسكر الصاعقة، ويضع تحرك قوة من الصاعقة في قلب عملية حصار المنزل.
ثم تأتي روايات فتحي الأسودي وشهادات معاصرين آخرين لتؤكد في جوهرها النهاية المأساوية للجثمان في ميدان التحرير ودفنه في خزيمة.
هذه ليست رواية واحدة.
إنها فسيفساء تاريخية.
ومهمة الباحث ليست أن يختار منها ما يوافق موقفه، وإنما أن يحدد أين تلتقي وأين تختلف، وأين تنتهي الوثيقة ويبدأ الاستنتاج.

عشرين: الحقيقة التي لا ينبغي أن نخاف منها

لقد مر أكثر من نصف قرن على مقتل عبدالرقيب عبدالوهاب.
ولذلك آن الأوان لأن نتحرر من الخوف السياسي الذي أحاط بهذه القصة.
لا ينبغي أن نخشى القول إن عبدالرقيب كان سياسيًا أو كانت له صلات فكرية معينة، إذا أثبتت الوثائق ذلك.
ولا ينبغي أن نخشى القول إنه اختلف مع القيادة.
ولا ينبغي أن نخشى الاعتراف بأن خصومه كانوا هم أيضًا يمنيين وجمهوريين، وأن بعضهم كانت له رؤيته ومخاوفه وحساباته.
لكن في الوقت نفسه لا يجوز استخدام تلك الخلافات لتبرير قتله أو طمس بطولته.
فالاختلاف السياسي لا يلغي البطولة العسكرية، والخصومة لا تبرر الاغتيال، والانتماء الفكري لا يمحو التضحية.
وهذه قاعدة يجب أن تحكم قراءتنا للتاريخ كله.

حادي وعشرين: عبدالرقيب ليس ملكًا لتعز

لقد كتب عادل الشرجبي أن عبدالرقيب يستحق تمثالًا عملاقًا في ميدان التحرير.
وأنا أوافقه.
لكنني أضيف:
لا ينبغي أن يكون تمثال عبدالرقيب تمثالًا لتعز.
ولا للحجرية.
ولا للصاعقة.
ولا للقوميين العرب.
ولا لجناح سياسي بعينه.
ينبغي أن يكون تمثالًا للجمهورية.
لأن عبدالرقيب، في النهاية، قاتل في صنعاء دفاعًا عن الجمهورية، ومات في صنعاء، ودفن في صنعاء.
ولهذا فإن تخليد اسمه في العاصمة ليس امتيازًا لمنطقته، بل اعتراف من الجمهورية بأحد الذين قاتلوا من أجل بقائها.

ثاني وعشرين: عبدالرقيب وسؤال الدولة

إن أخطر ما تكشفه قصة عبدالرقيب هو أن ثورة 26 سبتمبر أسقطت نظامًا، لكنها لم تحسم سريعًا سؤال الدولة.
هل الدولة هي الجيش؟
هل الدولة هي القبيلة؟
هل الدولة هي المجلس الجمهوري؟
هل الدولة هي الرئيس؟
هل الدولة هي تحالف مراكز القوة؟
أم أن الدولة هي المؤسسات والقانون والمواطنة؟
عبدالرقيب عاش هذه الأسئلة ومات بسبب الصراع حولها، بطريقة أو بأخرى.
ولذلك فإن إعادة قراءة سيرته اليوم ليست بحثًا في الماضي فقط.
إنها بحث في جذور الحاضر.

الخاتمة: عبدالرقيب.. الشهيد الذي لم تنتهِ قضيته

كلما تعمقنا في قصة عبدالرقيب عبدالوهاب اكتشفنا أننا لا نبحث عن رجل مات في يناير 1969 فحسب.
نحن نبحث عن لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية اليمنية.
لحظة انتقل فيها الصراع من مواجهة الملكيين إلى صراع داخل المعسكر الجمهوري نفسه.
ولحظة أصبح فيها السؤال:
من يحمي الجمهورية؟
يتحول تدريجيًا إلى سؤال أكثر خطورة:
من يملك الجمهورية؟
وهنا كان عبدالرقيب أحد أبرز ضحايا ذلك التحول.
لقد حارب في حصار السبعين عندما كانت صنعاء مهددة بالسقوط.
وكان من الرجال الذين أبقوا الجمهورية واقفة على قدميها في أصعب لحظاتها.
ثم وجد نفسه بعد أشهر قليلة في قلب صراع جمهوري ـ جمهوري، انتهى بمقتله.
وقد تختلف الروايات في تفاصيل موته.
وقد نختلف حول علاقاته السياسية.
وقد تختلف قراءة المؤرخين لموقفه من العمري ومن مراكز القوى.
لكن لا ينبغي أن نختلف على حقيقة أساسية:
أن عبدالرقيب عبدالوهاب كان واحدًا من أبرز القادة العسكريين الذين صنعوا انتصار الجمهورية في حصار السبعين.
وأن حقه في التاريخ لا يسقط بسبب الخلاف السياسي.
وأن حق الجمهورية عليه ليس في تمثال فقط، وإنما في فتح ملفه التاريخي كاملًا.
نحتاج إلى الوثائق الرسمية.
نحتاج إلى مذكرات القادة.
نحتاج إلى شهادات الضباط والجنود.
نحتاج إلى شهادة أسرته ورفاقه.
نحتاج إلى معرفة حقيقة أحداث أغسطس 1968 بكل تفاصيلها.
ونحتاج، قبل كل ذلك، إلى أن نتعامل مع التاريخ بلا تقديس ولا تشويه.
فلا نريد عبدالرقيب أسطورة لا تُناقش.
ولا نريده متهمًا بلا محاكمة.
نريده إنسانًا وقائدًا وشهيدًا كما كان؛ بما له وما عليه، بانتصاراته وأخطائه، بمواقفه وتحالفاته، لكن دون أن نسمح للخلاف السياسي بأن يمحو الحقيقة.
وربما كان أجمل ما يمكن أن نقوله عنه بعد أكثر من نصف قرن:
إن عبدالرقيب عبدالوهاب لم يعد بحاجة إلى أن ندافع عن بطولته؛ فالسبعون يومًا دافعت عنه.
أما ما نحتاج إليه اليوم فهو أن ندافع عن الحقيقة.
فالحقيقة وحدها هي التي تستطيع أن تعيد للرجل مكانه، وللجمهورية ذاكرتها، وللتاريخ اليمني بعضًا من إنصافه المفقود.