الإثنين 7 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • ثريا منقوش.. مسيرة عقل من الفلسفة إلى النبوة

ثريا منقوش.. مسيرة عقل من الفلسفة إلى النبوة

ثريا منقوش.. مسيرة عقل من الفلسفة إلى النبوة

يتغير شكل السؤال في حياة بعض المثقفين مع مرور السنوات. يبدأ الإنسان من الخارج يراقب الأفكار وهي تتحرك في المجتمع، ثم يجد نفسه ذات يوم داخل الفكرة التي ظل يدرسها. عند ثريا منقوش احتاج الأمر إلى عقود. بدأت من عدن ومرت بالتدريس والصحافة والفلسفة، ثم اتجهت إلى التاريخ والأديان. وفي مكان ما من الطريق ظهر سؤال أخذ موقعاً خاصاً في حياتها. ماذا لو كان الوحي نفسه قد اختارني؟ سؤال يصعب فصله عن الطريق الذي سبق ظهوره.

ولدت ثريا منقوش في عدن عام 1946. درست الفلسفة في بغداد ودمشق، ثم عملت في التدريس والكتابة. كانت عدن في تلك المرحلة مدينة مفتوحة على تيارات فكرية وسياسية كثيرة. وسط ذلك كله بدأت منقوش حياتها الفكرية. كتبت في الصحافة ومارست التدريس، واقتربت من الفكر الماركسي. دخلت عالمها من موقع المثقفة التي تريد فهم ما يجري، ومع الوقت اتسع مجال اهتمامها إلى جذور الأفكار التي تحرك السياسة نفسها.
قادها ذلك إلى التاريخ. أخذت تقرأ اليمن القديم وتلاحق ما تركته الممالك من نقوش وشخصيات وحكايات. كان الماضي بالنسبة إليها مادة يمكن أن تُقرأ من داخل الحاضر. كلما عادت إلى حقبة قديمة وجدت فيها أثراً لقضية ما تزال تعيش في زمنها. ظهر هذا في اهتمامها بسيف بن ذي يزن. الملك الحميري الذي أحاطت به طبقات كثيفة من الرواية الشعبية، حتى أصبح فصل التاريخ فيه قريباً من فصل الأسطورة. دوّنت تاريخه في كتابها "سيف بن ذي يزن بين الحقيقة والأسطورة" في محاولة لاستعادة الشخصية قبل أن تبتلعها الحكاية.
ثم اقتربت من الأديان. كان اليمن القديم مدخلاً طبيعياً إلى هذا الحقل. الممالك قادتها إلى الدولة، وقادتها النقوش إلى المعتقد، والآلهة إلى العلاقة بين الإنسان والمقدس. ثم صار تاريخ الدين جزءاً أساسياً من مشروعها الفكري. وفي كتابها "التوحيد في تطوره التاريخي: التوحيد يمان"، تحركت منقوش بين تاريخ الأديان واليمن القديم. توقفت عند أخناتون وآتون، ثم عادت إلى سين والمقة. تابعت تطور فكرة التوحيد وناقشت علاقتها بالعبادة والمجتمع والسلطة.
قرأت الدين من زاويتين متداخلتين في عملها. اهتمت بالتجربة الروحية، ودرست حضورها داخل حياة الناس وتنظيم المجتمع. حتى مناقشتها للصلة بين المقة ومكة، تكشف اتساع الأسئلة التي دخلت إليها وهي تبحث في جذور التوحيد.
كان الجنوب حاضراً في هذه الرحلة. عدن التي خرجت منها بقيت قريبة من كتابتها، وقضية الجنوب ظهرت في عدد من أعمالها. في "القضية الجنوبية وقضايا تاريخية وفكرية من اليمن" عاد التاريخ إلى المجال السياسي. أخذت الجغرافيا مكاناً داخل الذاكرة، ثم ظهرت عناوين أخرى. "مستقبل عدن على ضوء الأحاديث النبوية"، وفي مقابلة سنة 2004 تحدثت عن مشروع "الجمعان"، وقالت إنه يتناول الاقتصاد والأخلاق والقيم والعلاقات الاجتماعية والعبادة والتشريع.
تلك العناوين كشفت اتساع المسافة التي قطعتها ثريا منقوش منذ بداياتها الأولى في الصحافة والسياسة. دخلت مناطق فكرية شديدة الحساسية. الدين والتاريخ المقدس والنبوة والهوية الجنوبية والسلطة السياسية كلها موضوعات أثارت نقاشاً واسعاً حين تناولتها في كتابتها. كانت تقترب منها من موقع الباحثة ثم أخذت تجربتها الخاصة تدخل إلى الصورة.
خرجت منقوش من بيئة فكرية ماركسية ترى الأفكار داخل شروط المجتمع والمادة، واتجهت إلى دراسة الدين كظاهرة لها تاريخ يمكن تتبعه في النقوش والممالك والسلطة. بقي سؤالها الأساسي قريباً من الإنسان. كيف تتكون الأفكار؟ وكيف تؤثر في حياة الناس؟ وفي مرحلة لاحقة صار السؤال يمس حياتها مباشرة.
في أواخر نوفمبر 1982، بحسب ما ذكرته في مقابلات صحفية، بدأت منقوش تجربة الوحي التي تحدثت عنها بعد ذلك بسنوات. ظلت تتحدث عنها داخل دائرة الأسرة والأصدقاء لأكثر من عشرين عاماً، ثم أعلنتها علناً عام 2004. قالت إنها أول نبية من الإناث، وقدمت نفسها حاملة رسالة سماوية ذات غاية أخلاقية كونية. أخذت قصتها منحى مختلفاً.
كانت قد أمضت سنوات في دراسة تاريخ النبوات والتوحيد، ثم وجدت نفسها تتحدث عن النبوة كتجربة عاشتها شخصياً. وبعد أن كانت تتتبع ظهور العقائد داخل التاريخ، أصبحت تجربتها الخاصة جزءاً من خطاب ديني تقدمه إلى الناس. اقتربت الباحثة من موضوع بحثها حتى صار جزءاً من سيرتها. تبدو الواقعة واحدة من مراحل طويلة أكثر من كونها مفتاحاً وحيداً لقراءة حياتها.
تحتاج ثريا منقوش إلى قراءة أوسع من الجدل الذي رافق إعلانها النبوة. كتبها تكشف مساراً بدأ من سؤال فكري حول المجتمع والسياسة، ثم اتجه إلى التاريخ اليمني القديم، ومنه إلى الأديان والتوحيد. ثم جاءت تجربة الوحي وأضافت إلى ذلك كله طبقة شخصية حادة. الباحثة التي أمضت سنوات وهي تراقب الأفكار داخل التاريخ وجدت نفسها جزءاً من موضوع كانت تدرسه.