حين يتحول النقد إلى "ترند".. من يحمي قيمة الكلمة؟
خلال السنوات الأخيرة، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى واحدة من أكثر المساحات حضورًا في حياتنا العامة. لم تعد مجرد منصات لتبادل الصور والأخبار الشخصية، بل أصبحت فضاءً للنقاش، والمساءلة، والاحتجاج، والمناصرة الاجتماعية. وفي اليمن، حيث تضيق أحيانًا قنوات الشكوى والمساءلة المؤسسية، اكتسبت هذه المنصات أهمية مضاعفة؛ فقد أصبح منشور واحد قادرًا على لفت الانتباه إلى قضية مهملة، أو كشف معاناة إنسانية، أو دفع جهة ما إلى التحرك.
وقد رأينا بالفعل كيف أسهم النقد عبر وسائل التواصل في تسليط الضوء على قضايا مهمة، وفي إيصال أصوات أشخاص ربما لم تكن لديهم وسيلة أخرى للوصول إلى الرأي العام. وفي حالات كثيرة، تحولت حملات إلكترونية إلى ضغط اجتماعي ساعد في معالجة مشكلة، أو تصحيح خطأ، أو إنصاف متضرر. وهذه إحدى أهم صور القوة الإيجابية التي منحتها التكنولوجيا للمجتمع.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو: هل كل نقد نراه اليوم على وسائل التواصل يمثل فعلًا رغبة في الإصلاح؟
من يتابع هذه المنصات سيلاحظ أن النقد أصبح في بعض الأحيان مادة جاذبة بحد ذاته. فكلما كان المنشور أكثر حدة، والعنوان أكثر إثارة، والاتهام صادم أكثر، ازدادت فرص المشاركة والتعليق والوصول إلى جمهور أوسع. وهنا تبدأ الحدود بين النقد والمحتوى المصمم لجذب التفاعل في التداخل.
لقد صنعت خوارزميات وسائل التواصل اقتصادًا جديدًا للانتباه؛ حيث أصبحت المشاهدات والليكات والمشاركات نوعًا من المكافأة. وفي هذا الاقتصاد، قد يجد البعض أن مهاجمة شخص أو مؤسسة أسرع انتشارًا من تقديم تحليل متزن لمشكلة معقدة. وهكذا قد يتحول النقد، من وسيلة للإصلاح، إلى وسيلة لصناعة الشهرة أو تصدر "الترند".
المشكلة هنا ليست في النقد ذاته، ولا ينبغي أن تكون الدعوة إلى ضبطه مقدمة لتقييد حرية التعبير. فالمجتمعات التي تخشى النقد تفقد إحدى أهم أدوات تصحيح أخطائها. لكن حرية التعبير، مثل أي حق اجتماعي مهم، تكتسب قوتها الحقيقية عندما تقترن بالمسؤولية.
ولهذا ربما نحتاج اليوم إلى الحديث بصورة أكثر وضوحًا عن "أخلاقيات النقد الرقمي".
أولى هذه الأخلاقيات هي التحقق. فقبل أن نشارك اتهامًا أو قصة أو مقطعًا مجتزأً، علينا أن نسأل: هل نعرف القصة كاملة؟ هل المصدر موثوق؟ هل منحنا الطرف الآخر فرصة لتقديم روايته؟ في الفضاء الرقمي، يمكن لمعلومة غير صحيحة أن تنتشر خلال ساعات، لكن تصحيحها قد لا يصل أبدًا إلى الجمهور نفسه.
وثانيها أن نفرق بين نقد الفعل واستهداف صاحبه. من حقنا أن ننتقد قرارًا لمسؤول، أو أداء مؤسسة، أو تصرفًا صدر من شخصية عامة، لكن ذلك لا يعني أن يتحول النقاش إلى شتائم أو تنمر أو استهداف لحياة الأشخاص الخاصة وأسرهم. النقد الذي يريد الإصلاح يناقش المشكلة، أما التشهير فيبحث عن الإدانة.
أما المبدأ الثالث فهو التناسب. ليست كل الأخطاء متساوية، وليس من العدل أن يتحول خطأ بسيط إلى حملة جماعية تدمر سمعة شخص أو مصدر رزقه. ففي بعض الأحيان تبدأ القضية بمنشور ينتقد تصرفًا، ثم تتحول خلال ساعات إلى محاكمة رقمية لا تترك مساحة للتفسير أو الاعتذار أو التصحيح.
وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا بسيطًا قبل نشر أي نقد: ما الذي أريده من هذا المنشور؟ هل أريد أن تتغير المشكلة فعلًا، أم أنني أريد فقط أن أجمع أكبر عدد من التفاعلات على صفحة التواصل الاجتماعي؟
هذا السؤال لا يتعلق بالنوايا وحدها، بل بشكل النقد أيضًا. فالنقد البناء غالبًا ما يحدد المشكلة، ويقدم معلومات واضحة، ويطالب بحل يمكن فهمه ومناقشته. أما المحتوى الباحث عن الإثارة فيميل إلى المبالغة، والتعميم، واستخدام اللغة التي تستفز الجمهور أكثر مما تساعده على فهم القضية.
ومن المهم كذلك ألا نضع عبء الأخلاق على المواطن وحده. فالمؤسسات والجهات العامة مطالبة هي الأخرى بأن تكون أكثر شفافية واستجابة. عندما يجد الناس قنوات حقيقية لتقديم الشكاوى والحصول على إجابات، تقل الحاجة إلى تحويل كل مشكلة إلى حملة على وسائل التواصل. أما حين تغيب الاستجابة، يصبح الفضاء الرقمي في أحيان كثيرة الملاذ الوحيد لمن يريد أن يُسمع صوته.
إن المطلوب إذن ليس تقليل مساحة النقد، بل رفع جودته. نحن بحاجة إلى ثقافة ترى في النقد مسؤولية اجتماعية لا مسابقة في جمع الليكات، وإلى وعي يميز بين المناصرة والتشهير، وبين المساءلة والتنمر، وبين كشف الخطأ واستغلاله.
وسائل التواصل منحت كل واحد منا شيئًا يشبه المنبر العام، وهذه قوة لم تكن متاحة بهذه الصورة للأجيال السابقة. لكن كلما اتسعت قوة المنبر، ازدادت مسؤولية من يقف عليه.
وربما يكون المعيار الأهم بسيطًا: أن نسأل أنفسنا قبل أن نضغط زر النشر، هل ما نكتبه يساعد المجتمع على رؤية المشكلة بصورة أوضح والبحث عن حل لها، أم أنه يضيف فقط ضجيجًا جديدًا إلى فضاء أصبح مزدحمًا بالضجيج؟
فالنقد لا يفقد قيمته عندما يكون حادًا، وإنما يفقدها عندما يتوقف عن البحث عن الحقيقة والحل، ويبدأ في البحث عن التصفيق.



