قراءة فى مخططات الغير على دول المنطقة
بين مطرقة المصالح وسندان الازمات الاقتصادية في العالم، يستمر الجدل البيزنطي الاميركي الايراني، فتارة يتوعد الرئيس الاميركي ايران باستخدام السلاح الجغرافي والاقتصادي، وفي المقابل تتوعد ايران بسلاح مضيق هرمز وقصف المصالح الاميركية؛ وتارة اخرى يهدد الرئيس ترمب بالرد بقوة على اي هجوم ايراني، وايران تهدد بالمثل بقصف قواعد عسكرية تنطلق منها الطائرات الاميركية على اراضيها.
وفي إطار الرد المتبادل، تواصل القصف الأمريكي من جديد لأهداف في مناطق مختلفة من إيران، وبخاصة في جنوب إيران، في مطلع سبتمبر الجاري (2026م)، واستهدفت إيران بالمثل الأردن والكويت بالصواريخ الباليستية والمسيرات. وما يزال تبادل القصف سارياً..
وفي نفس السياق، لعبت الإدارة الترامبية على ورقتي سقوط النظام الإيراني والعقوبات، وترد إيران بأنها ستعتمد على ناتجها المحلي وترشيد الإنفاق..
وبعد جدل عقيم، اعترف المسؤولون الإيرانيون مؤخراً بتأثير العقوبات على إيران في مجالات عديدة، منها: أزمة الوقود وانطفاء الكهرباء، وأزمة البنزين وإغلاق المحطات، وانخفاض الصادرات والواردات، وتضخم العملة في سابقة ليس لها مثيل.. إلخ.
حقيقة الأمر، إن العالم يمر في أزمة اقتصادية خانقة. وما نشهده اليوم في المنطقة سوى وساطات وتهدئات، من الوسيط الباكستاني وبعض دول مجلس التعاون العربي الخليجي، ومصر، وتركيا، يتخللها جدل أمريكي إيراني يفتقر إلى الحكمة..
وعلى صعيد آخر، يواصل رئيس الوزراء (بنيامين نتنياهو) اعتداءاته الغاشمة على قطاع غزة، والضفة الغربية والقدس الشرقية، و يأمر في بناء 50 مستوطنة خلال هذا العام لتلبية طلب اليمين الإسرائيلي المتطرف قبل الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في 27 أكتوبر القادم، مما ينذر بتقطيع الأراضي الفلسطينية، وإنهاء إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة (حل الدولتين).. كما يعلن رفضه عن الإنسحاب من قطاع غزة إلا بتسليم (حركة حماس) سلاحها وتدمير أنفاقها تحت إشراف (مجلس السلام) الذي شكله الرئيس (دونالد ترمب) لإدارة قطاع غزة _ حسب مبادرته _ المكونة من 20 بنداً. ويشترط أيضاً بانسحاب مصحوباً بنوايا مبيته مآلها احتلال 30 % من مجموع الـ 70% من مساحة القطاع المحتل حالياً، بذريعة حماية إسرائيل وعدم تكرار اعتداء 7 أكتوبر 2023م، وهو المشجب الذي يعلق عليه فظائعه، في المقابل ترفض حركة حماس تسليم سلاحها إلا بالتزامن مع انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، وبقي الوضع رهين الجدل السفسطائي بين الجانبين، واستمر الكيان الإسرائيلي بقصف خيام أهل غزة بقسوة، وقتل من فيها بغية تشريدهم من وطنهم المسلوب..
وما يحدث في غزة يتكرر يومياً في جنوب لبنان، إذ ما يزال القصف قائماً بضراوة على بعض المناطق في شمال وجنوب نهر الليطاني بعد الاتفاق مع الحكومة اللبنانية في واشنطن بالانسحاب التدريجي، وإحلال الجيش اللبناني في تلك المواقع. ويصر (نتنياهو) على استلام الحكومة اللبنانية لسلاح (حزب الله)، ولن يتركه طليقاً حتى يسلم آخر قطعة سلاح. ويواصل الاعتداءت على أهم مواقع لـ (حزب الله) في بلدة المنصوري ومرتفعات علي الطاهر الإستراتيجية في جنوب لبنان.
وما من شك، أن إسرائيل تصر على الاحتفاظ بجزء من الأراضي في الجنوب بذريعة حماية قرى ومدن شمال إسرائيل.
في سياق آخر، يواصل الجيش الإسرائيلي برفقة المستوطنين، التوغل في القنيطرة جنوب سوريا رغم المفاوضات القائمة بين الجانبين، ومطالبة سوريا بالانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي المحتلة بعد انتهاء نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024م، والانسحاب أيضاً من الأراضي السورية المحتلة في الجولان بعد حرب 1973م.
ولقد تبين، إن المنطقة العربية، أصبحت مجالاً للتنافس بين ثلاثة مشاريع:
_ مشروع الولايات المتحدة الأمريكية المتمثل بخارطة الشرق الأوسط الجديد، والاستئثار بثروات المنطقة، وقطع الطريق على الصين، ودول معاهدة شنغهاي للتعاون برئاسة الصين، والمجتمعة حالياً في قيرغيزستان.
_مشروع الكيان الإسرائيلي التوسعي في المنطقة بدعم وتنسيق أمريكي إما حرباً، وإما سلماً من خلال التطبيع بموجب اتفاقية إبراهيم _عليه السلام. و وتنصل الكيان الإسرائيلي من حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية مقابل الاعتراف يدولة إسرائيل.
_ المشروع الإيراني المعلن بمحور المقاومة والممانعة، تدعمه إيران مالياً وعسكرياً ولوجستياً لمواجهة الكيان الإسرائيلي المحتل لـ (فلسطين)، والحد من النفوذ الغربي والتدخلات العسكرية الغربية في المنطقة. مما أدى إلى نشوب الحروب في المنطقة بين الجانبين الأمريكي الإسرائيلي والجانب الإيراني منذ قرابة ثلاثة أعوام.
_(حلف مكة) تأسس بتاريخ 7 أغسطس 2026م بين السعودية وباكستان وتركيا، ويعد مشروعاً أمنياً ودفاعياً وتصنيعياً. وتم اختيار المقر الدائم للأمانة العامة في مدينة الرياض، وترشيح أول أمين عام من دولة باكستان. ونص الحلف على أن أي اعتداء ضد أي من الدول الثلاث يعد اعتداء ضدها جميعاً. كما أن الحلف مفتوح لإنضمام دول إسلامية أخرى وفق خارطة طريق وضوابط متفق عليها.
للأسف الشديد، إن الدول العربية مذ قيام الجامعة العربية بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945م إلى الوقت الراهن 2026م، لم تؤسس "سوق عربية مشتركة" و"دفاع عربي مشترك" أسوة باتحادات ومنظمات أخرى في العالم. ولم يجمع أيضاً الـ 22 دولة برنامج عمل مشترك يواكب عالم اليوم وتحدياته رغم قدرة الأمة العربية على بناء نفسها بحكم القواسم المشتركة التي تجمعها، والمقدرات والإمكانات التي تمتلكها، لمواكبة العالم أمنياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وتقانة.
إن ما يحدث اليوم في المنطقة العربية كلها سياسة وأطماع خارجية تحول دون استقرارها وتوحدها.
وبعد استعراض واقع المنطقة العربية المؤسف، استحضرني معنى (السياسة) في العمل الدرامي (مأساة هاملت) أمير الدانمرك، للشاعر والكاتب والممثل المسرحي والأديب العالمي الإنكليزي (ويليام شيكسبير)، وأهم ما ورد فيها، انتقام (الأمير هاملت) من عمه (كلوديوس) قاتل أبيه (الملك هاملت) بالسم، وتزوج بوالدته الملكة (جيرترود)، وتنصيب نفسه ملكاً لعرش الدانمرك، وبقي الأمير هاملت الابن رهيناً للحزن، والتفلسف، ومناجاة النفس.. وقد انتقد السياسة بأقذع الكلمات. وكانت النهاية مأساوية، إذ تجرع الجميع السم الزعاف، وانتهت الأسرة المالكة.
وختاماً، أود أن أنهي المقال باقتباس العبارة المشهورة لـ "الأمير هاملت الفيلسوف": (أن نكون أو لا نكون تلك هي المسألة).



