اليمن الذي يجب أن يبدأ من الآن: نحو أجندة سيادية تُعِدّ البلاد لمرحلة ما بعد الصراع
الدول والمجتمعات العاجزة لا تُحسن سوى الانتظار. ولا ينبغي أن ينتظر اليمن استقرار الأوضاع كي يبدأ التفكير في مستقبله؛ فعندما تصمت البنادق في اليمن، لن يُقاس نجاح المرحلة المقبلة بحجم المساعدات التي تتلقاها الدولة، بل بمدى استعدادها لهذه المرحلة الحرجة. ينبغي أن يدخل اليمن مرحلة ما بعد الصراع وهو يعرف ما يريد ومستعد لتحقيقه، لا دولة منهكة تقف في طابور الانتظار. والداعي إلى ذلك أن العالم لا ينتظر، والاستقرار قد يأتي في بيئة إقليمية ودولية تكون فيها كثير من الفرص قد حُسمت، والاستثمارات قد اتجهت إلى مواقع أخرى، وسلاسل الإمداد الجديدة قد تشكلت بالفعل، والمنافسة على التمويل والاستثمار والمواقع الاقتصادية والاستراتيجية أصبحت أكثر حدة.
وعليه، يجب أن يدخل اليمن مرحلة الاستقرار وهو مستعد. هذه هي الفكرة التي تقوم عليها ضرورة امتلاك «أجندة مشاريع سيادية»، هدفها بناء قاعدة معرفية وإدارية وتشريعية واستثمارية تجعل الدولة جاهزة للتحرك وتنفيذ خطة تعافٍ واتخاذ قرارات سريعة ومدروسة فور استقرار الأوضاع، بدلاً من أن تبدأ من الصفر. المشاريع التي تتضمنها هذه الأجندة ليست مشاريع تنموية تقليدية، ولا مشاريع إعادة إعمار أو إصلاح اقتصادي، وإنما مشاريع ذات أهمية وأثر سياسي واقتصادي كبير، يستند اختيارها إلى عدة معايير، أهمها:
أن تكون ذات أثر مضاعف طويل الأمد، وتسهم في تسريع التعافي، وأن تعزز الاستقلال المالي والسياسي للدولة، وأن تعتمد على استثمار الأصول والمزايا النسبية التي يتمتع بها اليمن، ولها نافذة زمنية حرجة، بحيث إن التأخر في تبنيها والتحضير لها قد يعني فقدان فرص مهمة قد يصعب استعادتها لاحقاً، وأن تتمتع بجاذبية عالية للتمويل الخارجي.
وتالياً نماذج مختارة من المشاريع التي ينبغي أن تتضمنها هذه الأجندة:
التحول الرقمي: دولة خفيفة وأكثر فاعلية
للدولة الورقية كلفة سياسية وتشغيلية عالية. واليمن يعاني من ضعف سيطرة الدولة على الموارد، وتهالك الجهاز الإداري، وتآكل الثقة بالدولة. ثم إن التحول الرقمي مسار عالمي حتمي، سيكون على كل دولة مواكبته في نهاية المطاف. وتزيد أهمية هذا المشروع كون التحول الرقمي أداة سريعة لاستعادة حضور الدولة وقوتها؛ فهو يمنحها القدرة على ممارسة وظائفها بكفاءة وإنفاذ معاييرها، ويوفر لها الكثير من الموارد، ويقلل كلفة الجهاز الإداري، ويحد من البيروقراطية والفساد، ويختصر زمن التعافي. وهكذا، للتحول الرقمي عوائد اقتصادية وسياسية مرتفعة: دولة أقوى وأقل بيروقراطية وكلفة، وأكثر كفاءة، وثقة أكبر بها وبمؤسساتها.
وليس على اليمن أن يبدأ من الصفر، فالتقدم التكنولوجي وتجارب الآخرين يتيحان إمكانية القفز واللحاق بالعالم بكلفة متواضعة. والمهم أن بالإمكان البدء بالانتقال إلى الدولة الرقمية دون الانتظار إلى ما بعد إغلاق ملف الصراع.
سجل الأصول الوطنية: يجب أن تعرف الدولة ماذا تملك
يمتلك اليمن أصولاً لا تقتصر على الممتلكات المادية، بل تشمل أيضاً رصيداً تاريخياً وثقافياً، ويُعد اليمن من بين أغنى الدول بالأصول الناعمة. وليست المشكلة اليوم هي افتقار اليمن إلى سجل وطني دقيق لأصوله فحسب، وإنما أيضاً خطر فقدانها بصورة دائمة. وما يضيع اليوم سيكون من الصعب استعادته لاحقاً.
لا تستطيع دولة أن تدير ثروتها إذا كانت لا تعرف بدقة حجم أصولها ومواقعها ووضعها القانوني. لذلك يأتي مشروع سجل الأصول الوطنية كأحد أكثر المشاريع التحضيرية أهمية: توثيق وتصنيف الأراضي والمباني والمنشآت والممتلكات العامة وغيرها من الأصول، وربطها بسجل قانوني وإداري موحد. وهذا المشروع، الذي يُعد سباقاً مع الزمن، ليس مجرد إجراء إداري؛ فبقدر ما هو خطوة لحماية هذه الأصول الثمينة من الضياع الدائم، يمكن أن يحولها إلى قيمة اقتصادية وسياحية وثقافية. المشروع إذن ليس عملية جرد إداري، بل حماية أصول ثمينة وتأسيس قاعدة يمكن أن تُبنى عليها لاحقاً قرارات الحماية والاستثمار والتمويل وإدارة الملكية العامة.
طاقة المستقبل: التيارات البحرية والحرارة الجوفية
يعاني الاقتصاد اليمني من عجز طاقي كبير مقابل ارتفاع الطلب على الطاقة. وهذا العجز يشكل قيداً على التعافي والنمو الاقتصادي، فيما يظل إنتاج الطاقة بالطرق التقليدية مكلفاً لدولة كاليمن. ولذلك ينبغي استكشاف إمكانية إنتاج الطاقة بطرق أخرى.
وثمة مصدران واعدان للطاقة النظيفة: الأول، الطاقة البحرية المتمثلة في المد والجزر في السواحل الطويلة التي تصل إلى 2500 كم، وتيارات التبادل المائي بين البحر الأحمر وخليج عدن، التي تقول الدراسات إنها تتمتع بسرعة عالية، وتختزن بالتالي طاقة حركية يمكن استخدامها لتوليد الكهرباء.
وثانياً، طاقة الحرارة الجوفية؛ فاليمن يقع ضمن حزام بركاني نشط عند التقاء الصفيحتين العربية والأفريقية، وهو ما أسهم في نشوء نشاط بركاني وحراري جوفي ملحوظ. وهناك مناطق واعدة يمكن استثمارها لتوليد الكهرباء، من بينها اللِّيسي وإسبيل، والقَفْر، ودَمْت، وساحل البحر الأحمر.
استثمار هذه المصادر ضروري لكسر حلقة العجز الطاقي، ومهم لتنويع الاقتصاد ومواكبة «التحول الأخضر»، وهو ما يرفع جاذبيتها التمويلية وقيمتها الاستراتيجية المستقبلية.
الخطوة المنطقية الآن هي إعداد أطلس لمصادر الطاقة البحرية والحرارية، وتحديد المواقع الأكثر جدوى، وإمكانات استخدامها في توليد الكهرباء أو التطبيقات الصناعية والزراعية. ثم اختبار تقنيات مناسبة للبيئة اليمنية.
المعادن الحرجة: تفادي البقاء خارج اقتصادات المستقبل
يتغير الاقتصاد العالمي مع التحول إلى الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والبطاريات والتكنولوجيات الحديثة، ومعه تتزايد أهمية المعادن التي تدخل في هذه الصناعات، ويتسابق العالم على تأمين سلاسل إمداد هذه المعادن.
وهذا التحول العالمي يجعل المعادن الحرجة أصولاً ذات قيمة جيوسياسية وأدوات للنفوذ، أي أكثر من مجرد موارد طبيعية. وعليه، سيكون على اليمن مواكبة التحول الطاقي العالمي والتموضع ضمن سلاسل الإمداد الجديدة، وتجاوز خطر الإقصاء من اقتصاد المستقبل؛ فمن لا يحجز موقعاً له الآن في سلاسل التحول الطاقي قد يُقصى منها لعقود.
يمتلك اليمن تنوعاً جيولوجياً واسعاً، وينبغي معرفة ما يملكه فعلاً من هذه المعادن قبل أن تتشكل سلاسل الإمداد الجديدة بالكامل. ويقترح المشروع مسحاً حديثاً للموارد المعدنية، وتحديد الرواسب المحتملة، ودراسة موقعها في سلاسل القيمة العالمية. فالمسألة ليست مشروع تعدين تقليدياً، بل محاولة لحجز موقع لليمن في اقتصاد المستقبل. نجاح مشروع كهذا سيعزز الاقتصاد الوطني ويدمجه في اقتصاد المستقبل: تنويع الاقتصاد، وخلق قاعدة لصناعات تحويلية، وجذب استثمارات نوعية، ويعني في مجمله خلق أصول سيادية جديدة تعزز موقف اليمن إقليمياً ودولياً.
التمركز اللوجستي: تحويل الموقع من جغرافيا إلى أصل
الموقع الجغرافي هو أكبر أصل استراتيجي ثابت يمتلكه اليمن: سواحل ممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، وإطلالة على باب المندب، أحد الممرات البحرية الحيوية في العالم، والذي تعبره عُشر التجارة البحرية الدولية. هذا الموقع أصل لا يمتلكه الكثيرون، لكن اليمن لم يستفد منه. والموقع الجغرافي إما أن يُدار بوصفه أصلاً استراتيجياً يدر عوائد سيادية ونفوذاً جيو-اقتصادياً مستداماً، أو يتحول إلى عبء، وهذا ليس من الصعب ملاحظته اليوم.
لكن الموقع وحده لا يصنع مركزاً لوجستياً، ولا يمنح قوة تلقائية. والمطلوب هو إعداد رؤية وطنية تحدد ما الذي يمكن لليمن أن ينافس فيه: التخزين، والتموين، والصيانة والخدمات البحرية، وإعادة التصدير، وربط الموانئ بالداخل، وربما خدمات البيانات وصيانة الكابلات البحرية.
استثمار هذا الموقع سيؤمن قيمة جيو-اقتصادية وسياسية عالية، وعوائد سيادية مستدامة، ونفوذاً جيو-اقتصادياً. غير أن للتأخير في استثماره كلفة استراتيجية يصعب تعويضها لاحقاً، بسبب كثافة الاستثمارات وتزايد المنافسة التي تتضاءل معها فرص اليمن.
إجمالاً، يجب على اليمن ألا ينتظر حتى تصمت البنادق ليدخل مرحلة ما بعد الصراع وهو يبحث عن أفكار وينتظر ما يجود به غيره، وإنما يدخلها وهو يعرف ماذا يملك، وما الذي يستطيع استثماره، وأين تكمن ميزته، وما المشاريع التي لها أولوية، وكيف يمكن تحويل موقعه وموارده إلى مصادر قوة اقتصادية وسيادية. الانتظار وعدم القيام بشيء له كلفته: مزيد من الوقت الضائع، وإعادة إنتاج «الدولة العاجزة».
والوقت هنا ليس تفصيلاً. ففي عالم تتحرك فيه الاستثمارات وسلاسل الإمداد ومشروعات الطاقة والموانئ بسرعة، قد لا تكون الفرصة متاحة عندما تصبح الدولة جاهزة سياسياً للتحرك. بعض المواقع تُحجز، وبعض الأسواق تتشكل، وبعض الاستثمارات تُنفذ.



