الأربعاء 2 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • محطات مضيئة في حياة رمز ثقافي يواجه المرض بصمت (الحلقة الثالثة)

محطات مضيئة في حياة رمز ثقافي يواجه المرض بصمت (الحلقة الثالثة)

محطات مضيئة في حياة رمز ثقافي يواجه المرض بصمت (الحلقة الثالثة)

ثَانيًا: دراسته عن الجزر اليمنية:
يُعد كتاب "المرشد إلى جزر اليمن في البحر الأحمر، وخليج عدن، والبحر العربي"، وَاحِدًا من أهم أعمال المهندس محمود إبراهيم الصَّغيري. فالكتاب يُمَثِّل مَوسوعةً حَيًّة تحيط بالجُزُر اليَمنيَّة المُلتفَّة حول هذه المُسَطَّحَات الثَّلاثة. فَهُوَ يحصي أعدادها، وما تفيض به من ثروات، وشواطئ ساحرة، وَتَنوُّع حيوي فريد.

وفي قلب هذا المشهد، تتجلى سقطرى بأرخبيلها، كأيقونة فريدة، وثروة طَبيعيَّة قَائِمة بِحَدِّ ذاتها؛ تقوم على نسيج نباتي لا شَبيهَ له على وجه الأرض؛ حيث تشير الدِّراسات والإحصائيات إلى وجود أكثر من 680 نَوعًا نَباتيًّا فيها؛ منها 270 نَوعًا مُستوطنًا لا ينبت في أيِّ بُقعَة أخرى من العالم؛ بالإضافة إلى ما يحويه بحرها من ثروة سَمكيَّة هائلة، وما في أعماقه من شِعَاب مرجانية، وكائنات نادرة.
جزيرة سقطرى متحف طبيعي مفتوح. ويغدو هذا الأرخبيل، مع جزر أخرى مثل: حنيش، وكمران مَسْرَحًا لسياحة الغَوص والاستكشاف.
وتُعد الجُزُر اليمنية في هذه المُسَطَّحَات المائية الثَّلاثة من أهم المصايد السَّمَكيَّة، وتدل الدِّراسات الموثقة إلى وجود أكثر من 200 نوع من الأسماك فيها؛ بالإضافة إلى 500 نوع من الرَّخويات؛ مَا يجعل من هذا القطاع مِحورًا لتحقيق نهضة اقتصادية، وتوفير الأمن الغذائي؛ بالإضافة إلى توفير حوالي ربع مليون فُرصة عمل.
لم يَكتفِ الصَّغيري بالرَّسم العام لِهَذِهِ الجُزُر؛ بل غَاصَ في تفاصيل الجغرافيا، ومساحة كُلِّ جزيرة وإحداثياتها، ومدى قربها أو بعدها من السَّاحل اليمني، وكذا الجُزُر المأهولة بالسُّكَّان، وعدد السكان في كُلِّ جزيرة.
ولم يتوقف عِندَ هذا الحَدِّ؛ بل امتَدَّ هذا العمل؛ ليكون مَرجعًا دَقيقًا؛ حيث أعادَ فيه تصحيح أسماء بعض الجُزُر، وَضَبطَ الأسماء المُحَرَّفَة، أو المصَحَّفَة في بعض الخرائط، والمراجع العَالميَّة.
وَيُعَدُّ كتاب "المُرشِد إلى جُزُر اليمن" وَثيقةً قانونيَّة وَسِياسِيَّة، وربما يكون هذا البُعْد الأكثر أهميةً في هذا المرجع المُهِمّ؛ فهو يقدِّمُ حُجَجًا عِلميَّة، وَقَانونِيَّة وجغرافيا رَاسِخة لدعم سيادة اليمن على جُزُرِها؛ تستند إلى خرائط تاريخية، ووثائق دَولِيَّة، وتَبرُز هُنَا التَّجربة اليَمنيَّة في قضية «جزيرة حنيش»، أمام المحكمة الدَّولية، عام 1995م؛ والتي أصدَرَتْ حكمها بسيادة اليمن على جزرها كافَّةً في البحر الأحمر، عام 1998م.
وَكَانَ المهندس محمود الصغيري أحد أعضاء الفريق الوطني الذي تَولَّى الدِّفَاع عن جزيرة حنيش أمام المحكمة الدَّولية المختصَّة؛ الأمر الذي يُكسِب كتاب (المرشد) مِصداقيًّة قانونية وعلمية نادرة.
فَالمرشد، وِفقًا لذلك، لَيسَ مجرد دليل سياحي، بل هو سلاح قانوني في معركة السِّيادة.
وكان الأخ محمود قد أرسلَ لي نُسخةً الكترونية من هذا الكتاب، أواخر عام 2024م، كما هي عادته؛ بأن يُرسِلَ لي نُسخةً من كُلِّ عمل من أعماله التي يقوم بإنجازها؛ وَكأنَّهُ كان يتوقَّعَ الحالة التي يَمرُّ بها الآن، والتي أقعدته، وحالت دون مواصلة ما بَدَأهُ في هذا الكتاب الذي يُمَثِّل جُزءًا من مشروع الموسوعة اليمنية الجغرافية التَّاريخية التي كان يخطط لها، وَظَلَّ يعكف على إعدادها، ويجمع الوثائق والخرائط النَّادرة المتعلقة بها، من مختلف المصادر المَحليَّة والعَربيَّة والأجنبيَّة؛ في سبيل إنجاز هذا المشروع الذي أرادَ أن يختم به أعماله التَّاريخيَّة والأدبيَّة والعلمِيَّة.
إنَّ هذا المشروع: (الموسوعة)، بما فيها (المرشد) هما الأكثر تَعبيرًا عن عمق البُعد الاستراتيجي في فكر المهندس محمود الصَّغيري، في مواجهة محاولات تشويه تاريخ اليمن وجغرافيته.
إنَّهُ مشروع توثيق وطني متكامل، لم يَسبِقْ له مثيل في تاريخ اليمن الحديث. وقد أدرك الصَّغيري بدهاء، حين بدأ يعاني المرض، وهو يواصل السَّهَر في عمل هذه الموسوعة= أنه يمكنه أوَّلًا إنجاز كتاب (المرشد)؛ كفصل كامل من (الموسوعة)؛ لأنَّ القارئ والسِّياسي اليوم لا يريدان مجلدات ضخمة؛ بل يحتاجان مُرشدًا عِلميًّا يحل مشاكلَ عاجلة، هذا مع بقاء الحلم الأكبر (الموسوعة) حَيًّا يَنتَّظِر الفُرصَة المواتية لإكماله.
فَالعمل على إنجاز مشروع (الموسوعة)، قد يستغرق عُمرًا؛ وهو يتطلع إلى رؤية نتائج عمله، في ظلِّ الحالة التي يعاني منها؛ في حين أنَّ (المرشد) عَملٌ محدود، وقابل للإنجاز في وقتٍ قياسي؛ ليكون الدَّليل العملي، والحافز على استكمال بقية الموسوعة.
إنَّ اختيار الصَّغيري لموضوع الجُزُر؛ كأول نموذج يُنشَر من منهجية (الموسوعة)، لم يكن عَشوائيًّا؛ بل كان عَملًا مَدرُوسًا؛ أرادَ منه أن يكون قَاعدةً مرجعيّة لأي مراجعة قانونية دَولية مُستَقبليَّة؛ لأنَّ تأصيل هذه القضية، يجعل من الدِّفاع عن الجُزُر اليَمنيَّة قَضيَّة عِلميَّة وتاريخيَّة لا تقبل النَّقض أو الاجتثاث.
إنَّ هذا العمل الذي تَصَدَّى له محمود الصَّغيري، وحمله بين جنبيه، يُمثِّل ذَاكِرةَ وطن؛ في وقت يريد البعض اليوم أن يطمسها؛ وهو حافظة تحصين الوطن، في وقت التَّمزُّق؛ وَاكتمالهُ مرهون بإنقاذ صاحبه الذي يرقد الآن على فراش المرض، ويعاني بصمت؛ الأمر الذي يستدعي نقله إلى أحد المراكز الصِّحية المتخصصة؛ للعناية به؛ فهو وحده من يملك مفتاح هذه الموسوعة واستكمالها.
وهذا نداء نوجهه إلى مَسؤولي الدَّولة في اليمن، وإلى كُلِّ من يُهمُّهُ الأمر؛ لإنقاذ هذه القامة الثَّقافية والعِلميَّة قبل فوات الأوان.