السبت 29 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • فرحان نشوان.. ذلك النموذج الإنساني الراقي، وثقافة النبل الفريد

فرحان نشوان.. ذلك النموذج الإنساني الراقي، وثقافة النبل الفريد

كثيرًا ما أجّلت الكتابة عن الدكتور فرحان نشوان إلى حين الفرصة المواتية؛ تلك التي أجدني فيها تام الحضور، مكتمل العبارة، قادرًا على أن أقدمه بالشكل الذي يليق به، وأسرده على نحو يتناسب ومكانته. لكنني، فيما يبدو، لم أجد تلك اللحظة بعد، ولم أبلغ من فن القول ما يجعلني مطمئنًا إلى أنني سأفيه بعض حقه، أو أحيط بشخصيته كما ينبغي.

فرحان نشوان
فرحان نشوان
وها أنا اليوم أكسر حاجز التهيّب، وأغامر في الكتابة عنه؛ لعلني أقتنص بذلك لحظة مناسبة للتعبير عن بعض مشاعر الحب والتقدير التي أكنّها له، والإفصاح عن شيء من الوجد الصادق تجاهه، ورصد بعض ملامح سيرته العطرة، وحضوره الإنساني، وكاريزميته الفريدة.
إن الحديث عن فرحان نشوان ليس أمرًا يسيرًا؛ فهذه الشخصية الأكاديمية والاجتماعية المتميزة لا تكمن صعوبتها في عجز الكاتب عن التعبير، أو في قصور أدوات الإنشاء والبلاغة فحسب، وإنما في استحالة الإحاطة بكل تفاصيلها وفضائلها، وتعذر الإيفاء الكامل بقدرها وسمو مكانتها.
ومهما أجهدت نفسي في تجويد التعبير، وأدبنة الصياغة، وانتقاء المفردات، والتعمق في فلسفة العبارة، فسأظل عاجزًا عن الإحاطة الكاملة بشخصه، أو تقديم وصف يستوعب كل ما فيه من خصال ومزايا. ذلك أن بعض الشخصيات أكبر من أن تختزلها الكلمات، وأوسع من أن تستوعبها مقالة.
وفرحان، بحق، واحد من أولئك.
هو استثناء في أخلاقه وإنسانيته، وفي علميته وحضوره، وفي علاقاته ووفائه. شخصية تجمع بين رصانة الأكاديمي، ودفء الإنسان، ونضج السياسي، وبساطة الصديق؛ وهي تركيبة نادرة لا تجتمع كثيرًا في شخص واحد.
تزاملنا منذ المرحلة الإعدادية، ومنذ ذلك الوقت كان موضع محبة الجميع، بلا استثناء. ثم امتد تواصلنا خلال رحلته العلمية إلى العراق، ولم تنقطع بيننا صلات المحبة والشوق والحميمية. وتجسّرت علاقتنا أكثر كلما تقدم في مسيرته العلمية، وازدادت متانة أيام الماجستير، ثم تعمقت الروابط بيننا وهو يرتقي أكاديميًا خلال مرحلة تحضيره للدكتوراه في مصر الكنانة.
ولعل أجمل ما في علاقتنا به أنها لم تكن علاقة معرفة عابرة، وإنما علاقة امتدت عبر الزمن، واختبرتها المراحل، ورسّختها المعايشة؛ فكلما اقتربنا منه أكثر، اكتشفنا فيه ما يدعونا إلى مزيد من المحبة والتقدير. وكلما جالسناه عن قرب، ازدادت حميمية العلاقة، وفاضت منها مشاعر الألفة والانسجام.
أما كاريزميته، فلا تبدو عارضة أو مرتبطة بموقع أو مسؤولية؛ إنها جزء أصيل من تكوينه الإنساني. لا تفتر عند جمهوره المتزايد، بل تتعاظم في محيط محبيه كلما اتسعت دائرة معارفه وعلاقاته. وكل من عرفه أو احتك به يألفه بسهولة؛ فهو قريب من الجميع رغم حجم المسؤولية، وبسيط في تعامله رغم علو المقام، ومتواضع في حضوره رغم ما راكمه من علم وتجربة ومكانة.
وفي كل مراحل حياته العلمية والأكاديمية كان التميز عنوانًا، وفي حياته الاجتماعية كان القدوة والإصلاح سلوكًا، وفي حضوره السياسي والحزبي كان القبول والاحترام سمة بارزة.
ولعل سر هذه المحبة التي يحظى بها لا يكمن في موقعه الأكاديمي، ولا في حضوره السياسي، ولا في اتساع شبكة علاقاته، وإنما في ذلك المزيج النادر من العلم والأخلاق، والحزم والمرونة، والهيبة والبساطة، والوفاء والإنسانية.
إنه، بحق، الإنسان الراشد، والسياسي الناضج، والأكاديمي المتميز؛ والصديق الذي لا تتغير مودته بتغير الظروف، ولا تنال الأيام من أصالة معدنه.
فرحان نشوان ليس مجرد اسم في سجل الأكاديميا، ولا مجرد زميل عابر في مسيرة طويلة؛ إنه تجربة إنسانية ممتدة، وذاكرة جميلة، ونموذج نادر لشخصية استطاعت أن تجمع بين رفعة العلم ونبل الخلق، وعمق التجربة ودفء العلاقة.
ولهذا، فإن الكتابة عنه ليست مجرد محاولة لوصف شخص أحبه وأقدره، بقدر ما هي شهادة وفاء لرجل ترك في حياة من عرفوه أثرًا طيبًا، وحضورًا لا يشبه سواه.

وسيظل فرحان، في ذاكرتي وذاكرة محبيه، ذلك النموذج الإنساني الراقي، وثقافة النبل الفريد.