جذور تعثّر الدولة في اليمن السلاح والقات والتمييز
يبدأ تعثّر الدولة حين يحتاج المواطن إلى بندقية ليحمي حقه، وإلى وسيط لينجز معاملته، وإلى نسب أو انتماء يضمن له مكانًا يستحقه بكفاءته. وحين تصبح هذه الشروط جزءًا مألوفًا من الحياة، تتراجع المواطنة، وتتحول المؤسسات إلى واجهات تتفاوت قدرتها على خدمة الناس بحسب قربهم من أصحاب النفوذ.
في اليمن، يصعب التفكير في مستقبل مستقر دون مواجهة ثلاث ظواهر ثقيلة الحضور: فوضى السلاح (حمله وحيازته)، والانتشار الضار للقات، والتمييز بمختلف صوره. وهي ظواهر تستنزف الأمن والوقت والموارد، وتضعف المساواة والثقة بالقانون. غير أن فهمها يقتضي النظر إلى البيئة التي تسمح باستمرارها، وإلى المصالح التي تحميها، وإلى العلاقة المتبادلة بينها وبين ضعف الدولة.
من المغري اختصار المأساة اليمنية في أسباب قليلة، خصوصًا بعد سنوات طويلة من الخسارة. لكن الحرب لا تُفسَّر بالقات، وحمل السلاح لا يجعل كل من يحمله راغبًا في القتال، والتنوع الاجتماعي لا يقود بالضرورة إلى الصراع. ما يجعل هذه الظواهر خطرة هو اقترانها بفوضى لا تخضع للمساءلة، وعدالة يصعب الوصول إليها، واقتصاد يمنح الولاء والنفوذ عائدًا يفوق عائد العمل والكفاءة.
السلاح هو الوجه الأكثر ظهورًا لهذه المعادلة. فحين يصبح وسيلة للتأثير في حكم قضائي، أو فرض أمر واقع، أو تحصيل منفعة، يفقد القانون قدرته على تنظيم العلاقة بين الناس. ويصبح السؤال الذي يواجه صاحب الحق: من يقف خلفك؟ عندها تتراجع قيمة الحجة أمام قوة الحماية، ويتعلم المجتمع أن امتلاك أدوات الضغط قد يكون أجدى من الالتزام بالقواعد.
لكن معالجة فوضى السلاح تحتاج إلى فهم الخوف الذي يغذيها. فالمواطن الذي لا يثق بوجود جهة تحميه قد يتمسك بسلاحه بوصفه ضمانه الأخير. ولذلك ينبغي أن يسير ضبط السلاح مع بناء حماية عامة موثوقة، وتنفيذ الأحكام، ومنع الاعتداء من أي طرف. كما ينبغي أن تخضع الأجهزة التي تحمل السلاح باسم الدولة لرقابة القانون؛ فالمقصود أن يشعر الناس بالأمان، وأن يستطيعوا مساءلة من يملك القوة.
وتبدأ المسؤولية العاجلة بحماية الأطفال من التسليح والتجنيد، وإبعاد السلاح عن المدارس والمحاكم والمرافق الصحية، وإنهاء استخدامه للتهديد في الحياة اليومية. وهذه مسؤولية تتجاوز الأسرة إلى السلطات والقوى السياسية والاجتماعية. لا يستقيم خطاب عن مستقبل التعليم فيما يُدفع الأطفال إلى حمل أدوات القتال، أو يُقدَّم المسلح للشباب بوصفه النموذج الأسرع للوصول إلى النفوذ.
أما القات، فمشكلته أوسع من ورقة تُستهلك في مجلس. إنه يرتبط بميزانية الأسرة، وتنظيم يومها، وصحتها، وغذائها ، وعلاقاتها، وباقتصاد زراعي يعتمد عليه كثيرون. وحين يزاحم الإنفاق عليه احتياجات الغذاء والتعليم والعلاج، أو تستحوذ جلساته على الوقت المتاح للأسرة والتعلم والعمل، تتراكم خسائر يصعب اختزالها في ثمن الشراء.
ومع ذلك، فإن تحويل مستخدمي القات إلى موضوع للإدانة لا يصنع سياسة ناجحة. المطلوب أن يصبح تركه ممكنًا اجتماعيًا واقتصاديًا، وأن يجد الشباب فضاءات للرياضة والثقافة والتواصل، وأن تتاح المساعدة لمن يعاني اعتمادًا عليه. ويحتاج المزارع، بدوره، إلى بديل قابل للحياة: محصول يناسب أرضه ومياهه، وسوق يمكن الوصول إليها، ودخل يحمي أسرته خلال الانتقال. فالدعوة إلى اقتلاع شجرة لا تكفي إذا تُرك صاحبها أمام خسارة معيشته.
ويظل التمييز أشد هذه الظواهر قدرة على الاختباء في التفاصيل. يظهر في كلمة جارحة، وفي مهنة يُحتقر أصحابها، وفي فرصة تُحجب عن شخص بسبب لونه أو منطقته أو جنسه، وفي اعتقاد يمنح بعض الناس منزلة أعلى لمجرد انتمائهم. ثم ينتقل من العلاقات اليومية إلى المؤسسة، فيؤثر في التوظيف والحماية والتعليم والوصول إلى العدالة.
هنا تُصاب فكرة الدولة في أساسها. فالمواطنة تفترض أن الحقوق لا تحتاج إلى شهادة نسب، وأن الوظيفة العامة ليست مكافأة على الولاء، وأن كرامة الإنسان لا تتغير بتغير أصله. وكل فرصة تُمنح لغير مستحقها بسبب النفوذ تحمل خسارتين: ظلمًا يقع على صاحب الكفاءة، وإضعافًا للمؤسسة التي حُرمت من قدرته.
ومواجهة التمييز تفرض اتساقًا أخلاقيًا على من يتصدون له. فلا يجوز رفض امتياز قائم على النسب ثم إدانة جميع المنتمين إلى ذلك النسب، أو الاعتراض على سلوك جماعة سياسية ثم تحميل منطقة أو مذهب مسؤولية أفعالها. المحاسبة تتعلق بالأفعال والقرارات، والحقوق تشمل الجميع. وأي مشروع للمساواة يفقد معناه عندما يعيد إنتاج الإقصاء بأسماء جديدة.
ومن الخطأ أيضًا وضع القبيلة أو الدين أو الروابط المحلية في قفص الاتهام على نحو شامل. فقد تسهم هذه الروابط في التضامن والوساطة واحتواء النزاع. موضع الخلل هو استخدامها لتعطيل الحقوق أو احتكار السلطة أو حماية المعتدي. تستطيع الدولة أن تستفيد من موارد المجتمع الأخلاقية والاجتماعية، مع ضمان حق الفرد في اللجوء إلى مؤسسات لا تساوم على كرامته.
خلف هذه الظواهر يبرز سؤال أعمق: ما الذي تكافئه الحياة العامة في اليمن؟ إذا كانت الكفاءة لا تضمن فرصة، والقانون لا يضمن حقًا، والعمل لا يضمن عيشًا، فسيتجه الناس إلى البدائل المتاحة، مهما كانت كلفتها الجماعية. وحين تمنح الحرب لبعض الفاعلين دخلًا ونفوذًا، تصبح نهاية الصراع تهديدًا لمصالحهم. لذلك فإن السلام يحتاج إلى معالجة اقتصاد الحرب، وشفافية الموارد، وإغلاق منافذ الجباية والاحتكار، بقدر حاجته إلى اتفاق سياسي.
وفي هذه البيئة يتسع التأثير الخارجي. فالفاعل الذي يعتمد على ممول خارج المؤسسات العامة يصبح أكثر عرضة لتأثيره، والمجتمع الذي تتوزع حمايته بين جماعات متنافسة يصعب عليه بناء قرار مشترك. وهذا لا يعفي القوى الخارجية من مسؤولية تدخلاتها، لكنه يوضح أن حماية الاستقلال تبدأ أيضًا من الداخل: من مؤسسات موثوقة، وتمويل معلوم، ومشاركة سياسية لا تُقصي، واقتصاد يوفر للناس فرصًا تتجاوز الارتهان لأصحاب النفوذ.
ولا يمكن تأجيل التعليم والصحة إلى ما بعد اكتمال التسوية. المدرسة التي تتعطل اليوم تعني نقصًا في قدرات المجتمع غدًا، والمعلم الذي لا يتلقى أجره والطبيب الذي يفتقد أدوات عمله يدفعان، مع المواطنين، ثمن انهيار يتجاوز حدود المهنة. حماية هذه المؤسسات جزء من تأسيس الدولة، وشرط لاستمرار قدرتها على النهوض.
لهذا، فإن الدعوة إلى تغيير السلوك الفردي ضرورية، لكنها تحتاج إلى التزام مقابل من أصحاب السلطة. يستطيع المواطن أن يرفض التمييز، ويحمي أبناءه، ويتوقف عن استخدام السلاح للتهديد، ويقلل ما يضر بصحته وميزانية أسرته. وعلى السلطة أن توفر الحماية والعدالة والخدمات، وأن تكف عن مكافأة الولاء على حساب الاستحقاق. تختلف المسؤوليات بحسب القدرة، ولا يجوز مطالبة من يعاني الظلم بإصلاح المنظومة وحده.
لن يبدأ تعافي اليمن بإعلان أن المجتمع قد شُفي من عيوبه، وإنما بخطوات تجعل السلوك المسؤول أكثر جدوى، والاعتداء أكثر كلفة، والحقوق أكثر قابلية للتحصيل. وعلامة التحول أن يستطيع المواطن إنجاز شأنه دون وسيط، واسترداد حقه دون تهديد، والحصول على فرصته دون سؤال عن أصله.
ذلك هو اليمن الذي يستحق أن يُبنى: وطن تكون فيه البندقية خارج التنافس على الحقوق، والكفاءة أساس الفرصة، وكرامة الإنسان فوق مراتب الانتماء.



