الوحدة اليمنية.. المشكلة في الوحدة أم في الدولة؟
كانت الوحدة اليمنية قدرًا مصيريًا لكل القوى الوطنية في الشمال والجنوب، وإن اختلفت رؤى هذه القوى حول الطريق المؤدي إلى تحقيقها. فقد كان الجنوب، في مرحلة ما، يرى أن تحقيق الوحدة يمر عبر نشر الفكر الماركسي في الشمال، فأنشأ فرعًا للحزب الاشتراكي هناك، وخاض حربين ضد الشمال عامي 1972 و1979.
ثم جاءت مرحلة أخرى اتجه فيها سالمين إلى تحقيق الوحدة سلمًا مع إبراهيم الحمدي، وسعى علي ناصر محمد إلى المسار نفسه مع علي عبدالله صالح. وبعد سنوات من المحاولات والمفاوضات، جاءت الوحدة عام 1990 بصورة فاجأت كثيرين، وتحولت من حلم طال انتظاره إلى واقع سياسي على يد علي سالم البيض وعلي عبدالله صالح. لكنها انتهت، بعد أربع سنوات فقط، إلى حرب 1994 التي كرست الوحدة بالقوة.
بعد حرب 1994، شعر كثير من الجنوبيين بأن الوحدة لم تعد تحقق مصالحهم، وأن الجنوب تعرض للتهميش والإقصاء. ومع مرور السنوات، بدأ الاحتجاج على حكم صالح يتسع، إلى أن ظهر الحراك الجنوبي في صورته الشعبية الواسعة عام 2007. واجه نظام صالح الحراك بالقمع، ومع استمرار القمع ارتفع سقف المطالب من إصلاح أوضاع الجنوب إلى المطالبة بفك الارتباط.
ثم جاءت ثورة الشباب عام 2011، فسقط نظام صالح، وتغيرت المعادلة السياسية. ومع سقوطه، رأى كثير من الحراكيين أن أحد أهم أسباب المطالبة بفك الارتباط قد زال، واتجهوا إلى قبول مخرجات الحوار الوطني باعتبارها إطارًا يمكن من خلاله معالجة القضية الجنوبية والحفاظ على وحدة البلاد.
لكن صعود الحوثيين أعاد الصراع إلى نقطة مختلفة، وأعاد معه خطاب فك الارتباط إلى واجهة الحراك الجنوبي. ثم خفت هذا الخطاب مع مشاركة المجلس الانتقالي الجنوبي في مؤسسات السلطة والشراكة مع الشرعية، قبل أن يعود إلى الواجهة مجددًا مع خروج الانتقالي من هذه الشراكة.
وهنا تبرز ملاحظة تستحق التوقف عندها: كلما كان طرف جنوبي مشاركًا في السلطة، تراجع خطاب فك الارتباط، وكلما شعر بالتهميش أو الإقصاء، ارتفع هذا الخطاب من جديد.
وهذا يقود إلى سؤال جوهري: هل الخلاف حول الوحدة هو خلاف على مبدأ الوحدة ذاته، أم أنه يتحول في كثير من الأحيان إلى انعكاس للصراع على السلطة والثروة والنفوذ؟
إذا كانت الوحدة مشروعًا وطنيًا، فإنها لا ينبغي أن تكون رهينة لموقع هذا الطرف أو ذاك في السلطة. فالوحدة لا تستقيم بالشعارات، كما أن الانفصال لا يحل بالضرورة أزمات الجنوب. القضية الأعمق هي شكل الدولة التي يعيش فيها اليمنيون، ومدى قدرتها على تحقيق المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة السياسية.
إن الوحدة اليمنية، بوصفها حلمًا وطنيًا، لن تصمد بالشكل الذي يريده أنصارها إلا إذا قامت على دولة وطنية يتساوى فيها جميع اليمنيين، ولا يشعر فيها جنوبي بأنه مواطن من الدرجة الثانية، ولا شمالي بأنه متهم بانتمائه الجغرافي.
لكن الوصول إلى ذلك يتطلب أولًا إنهاء مشروع الحوثي الذي يقوم على فكرة سياسية واجتماعية تتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية والمواطنة المتساوية، ثم إعادة بناء الدولة على أساس القانون والمؤسسات والشراكة الحقيقية.
فما لم تُبنَ دولة يشعر فيها الجميع بالعدل والكرامة والمواطنة، ستظل اليمن عالقة بين مشروعين متصارعين: دولة واحدة لا تجد مقومات الاستمرار، وانفصال لا يجد شروط الاستقرار.
المشكلة، في جوهرها، ليست في الوحدة وحدها، وإنما في الدولة التي أُقيمت باسم الوحدة ولم تستطع أن تجعلها وطنًا يتسع للجميع.



