الجمعة 28 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • حكاية من زمن الصمت المدفوع وحزب الوزف والحلقة

حكاية من زمن الصمت المدفوع وحزب الوزف والحلقة

في أيام حكم "عفاش" كان لي صديق.
لم يكن وزيرًا ولا شيخًا ولا قائدًا عسكريًا. كان مواطنًا عاديًا... لكن الله أعطاه موهبة واحدة مرعبة للسلطة: يعرف كيف يحرك الشارع بكلمة.

كان كلما تكلم سُجن.

وكانوا يسجنونه لكي يسكتوه.

ولكنه وهو في سجنه كان يثير السجناء، ويستفز السجانين. وكلما زاد استفزازه لهم، زادوا عليه التعذيب. وضعوه في الزنزانة الانفرادية، ثم في "الضغاطة"... ولكنه لم يسكت.

وصل صيته إلى أهل الحل والعقد. ووصل الأمر إلى "عفاش" نفسه. فاستدعاه.

وطلب صديقي أن تكون المحادثة بينهما منفردة. فتمت.

أتدرون ماذا كانت المحادثة؟

قيل لي إنه عرض على عفاش "ثورة تصحيح" من الداخل.

فما كان من عفاش إلا أن أطلقه خوفًا منه ومن تأثيره عليه وعلى حزبه، وحدد له معاشًا شهريًا... مقابل أن يصمت.

واتفقا. وخرج صاحبي من السجن حرًا... لكن بثمن.

وظل صامتًا فترة حسب الاتفاق.

إلى أن خرج ذات يوم في الشارع، فرأى ابن عمه يقود سيارة قيمتها تساوي قيمة أرض قريتهم كلها. وتعجب: من أين لابن عمي كل هذا؟ السيارة والعمارة والمنصب؟

فعلم أنه قيادي حزبي في أحد أحزاب المعارضة.

هنا انكسر الاتفاق في قلبه.

فطلب مقابلة عفاش. وعند المقابلة طلب منه أكثر من مائة مليون ريال. فاستغرب عفاش ورفض.

عاد صاحبي إلى بيته. وذهب إلى ابن عمه، فاستلف منه عشرة ملايين ريال "قرضة".

وأخذ المبلغ، وخرج إلى الجولات. واتفق مع مجموعة من العمال العاطلين: ألفا ريال لكل واحد مقابل أن يخرجوا معه في مسيرة ضد الغلاء والفساد.

جهز اللافتات والشعارات والمكرفونات. وحدد ساعة الصفر.

وخرجت المسيرة... فالتف حولها الآلاف، واتجهت نحو ميدان السبعين. ولم يستطع الأمن قمعها.

وصل الخبر إلى عفاش. فغضب غضبًا شديدًا. فقد تناولته كل وكالات الأنباء، واهتز سعر العملة، وأُعلنت حالة الطوارئ.

وبعد التحري علموا أن من يقود المسيرة هو صاحبي. فطلبه عفاش.

ولكن هذه المرة رفع صاحبي سقف طلبه.

لم يعد يطلب مالًا.

قال: "اعترف بي. واعترف بحزبي الذي سأسميه حزب الوزف والحلقة. واعتمده حزبًا فاعلًا، له كل المخصصات... ومليار ريال شهريًا".

وصمت صاحبي بعدها.

صمت طويلًا... حتى جاء عام 2011 عندما صار أغلب الأحزاب أشبه بحزب الوزف والحلقة.

وأدركنا حينها أنه:

هكذا كانت تُدار بعض الأمور.

فهناك من يُسكت بالسجن، ومن يُسكت بالمعاش، ومن يُشترى بحزب.

والبعض الآخر لا يُسكت أبدًا... إلا إذا صار هو السلطة.

في بلادنا تعلمنا أن الصمت أحيانًا جريمة، والمعارضة أحيانًا معارطة أو تجارة.

وحتى ما سميت المقاومة، صارت مقاولة.

وبينهما وطن مهدم منهار، ومواطن جاهل مغلوب على أمره جائع مريض يبحث عمن يطعمه من جوع أو يؤمنه من خوف، ويسد رمق أطفاله الجوعى.