الجمعة 28 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الشهادة للفقراء… والنجاة للأغنياء!

الشهادة للفقراء… والنجاة للأغنياء!

في كل حرب، هناك معادلة تبدو ثابتة: ابن الفقير إلى الجبهة، وابن الغني إلى الخارج!
لا أحد يريد أن يقولها بصوت مرتفع، لكن الواقع أكثر بلاغة من الخطب: أغلب الذين يدفعون فاتورة الحروب بأجسادهم هم أبناء الطبقات الفقيرة والمهمشة، بينما يمتلك أصحاب المال والنفوذ خيارات أوسع للابتعاد عن الخطر.

المفارقة أن الفقير يُقال له: «الوطن يحتاجك»، بينما يستطيع الغني أن يجيب: «والوطن يحتاج استثماراتي»… ثم يغادر!
اقتصاد الشهادة
الحرب لا توزع الموت بعدالة.
الفقير يملك جسده، ولذلك يصبح جسده آخر ما يمكن أن يقدمه. أما صاحب المال، فيملك المال والعلاقات والقدرة على حماية نفسه وأسرته.
وهكذا تتحول الشهادة، من قيمة إنسانية ووطنية، إلى ضريبة اجتماعية يدفعها من لا يملك القدرة على رفضها.
الأم الفقيرة تستقبل جثمان ابنها، والمسؤول يلقي خطابًا عن «عظمة التضحية»، ثم يعود إلى مكتبه المكيّف.
يا لها من بطولة!
البعض يذهب إلى الجبهة بحذائه العسكري، والبعض يذهب إلى الجبهة عبر شاشة التلفزيون.
الأول قد يعود في تابوت، والثاني يعود إلى الفندق.
وعندما يدخل الدين على الخط
المشكلة ليست في الدين، بل في توظيف الدين.
هناك خطاب ديني يملك جرأة هائلة أمام الفقير: يحذره، ويخيفه، ويطالبه بالصبر والطاعة والقناعة، لكنه يصبح أكثر نعومة حين يجلس أمام صاحب المال والنفوذ.
مع الفقير:
«اتقِ الله، اصبر، لا تعترض، الدنيا فانية».
ومع الثري:
«ما شاء الله… رجل كريم، صاحب أيادٍ بيضاء!»
وكأن التقوى تُقاس أحيانًا بحجم الرصيد البنكي!
وهنا يصبح المشهد أقرب إلى مسرحية كوميدية سوداء: الفقير يُحاسب على لقمة، والغني يُمدح على مائدة كاملة!
من يدفع ثمن الوطن؟
الوطن ليس ثكنة عسكرية فقط، ولا شعارًا على علم، ولا خطبة حماسية.
الوطن مدرسة ومستشفى وقانون وعدالة وفرصة عمل وكرامة.
ومن يريد من الفقير أن يموت دفاعًا عن الوطن، عليه أولًا أن يسأل نفسه: ماذا فعل هذا الوطن للفقير قبل أن يطلب منه حياته؟
لا يمكن أن يكون الوطن عزيزًا فقط عندما يحتاج إلى المقاتلين، ورخيصًا عندما يحتاج المواطن إلى راتب أو علاج أو تعليم.
ولا يمكن أن تكون التضحية واجبًا على المواطن، بينما حماية الثروة امتيازًا دائمًا لأصحاب النفوذ.
السؤال الذي لا يحب أحد سماعه
إذا كانت الشهادة أعظم درجات التضحية، فلماذا لا نرى أبناء الطبقة السياسية والاقتصادية يتقدمون الصفوف بالقدر نفسه الذي يتقدم فيه أبناء الفقراء؟
ولماذا نجد أبناء الفقراء في الخنادق، بينما نجد أبناء أصحاب القرار في الجامعات الخارجية، والشركات، والفنادق، والقصور؟
ليس المطلوب أن يموت الجميع.
بل المطلوب أن تكون قيمة حياة الفقير مساوية لقيمة حياة الغني، وأن تكون المسؤولية الوطنية موزعة بالعدل، لا أن تتحول الحرب إلى مصنع لإنتاج الأرامل والأيتام من الأحياء الفقيرة.
الخاتمة: الوطن ليس مقبرة للفقراء
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول الشهادة إلى امتياز للفقراء، والنجاة إلى امتياز للأغنياء.
عندها لا تعود الحرب دفاعًا عن الوطن فقط، بل تصبح أيضًا اختبارًا لعدالة المجتمع نفسه.
فإذا كان ابن الفقير مطالبًا بأن يقدم دمه، فليقدم ابن الغني شيئًا من امتيازاته.
وإذا كان الواعظ يطلب من الفقير الصبر، فليطلب من الغني العدالة.
وإذا كان السياسي يتحدث عن «التضحيات»، فليبدأ بتقديم كشف حساب عن نصيبه منها.
فالوطن الذي لا يتساوى فيه الناس أمام الحياة، لن تقنعهم الخطب بأنهم متساوون أمام الموت.
والشهيد الحقيقي ليس رقمًا في بيان عسكري، ولا صورةً على جدار حزب، ولا مادةً لخطاب سياسي.

الشهيد إنسان… ومن العار أن يصبح فقره هو السبب الذي جعله أكثر قابلية للموت.