المؤتمر الشعبي العام في ذكراه الـ ٤٤: بين الميثاق الوطني وضرورة التوازن الايديولوجي
يصادف الاثنين 24 أغسطس 2026م، الذكرى الرابعة والأربعون لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام سنة 1982م. ورغم أن الحزب وُلد من رحم السلطة، إلا أنه كان نتاج جهود سياسية كبيرة، بدأت خيوطها تتجلى من النجاح السياسي والأيديولوجي المتسارع في الشطر الجنوبي من اليمن، مجسداً في الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم منفرداً والمعبّر فكرياً عن الإرادة والمشروع الاشتراكي الذي أخذ يتحكم بالدولة ومؤسساتها المختلفة.
ولما كانت التوجهات السياسية تسير نحو خلق تفاهم سياسي بين شطري اليمن، لا سيما في عهد الرئيسين سالم ربيع علي وإبراهيم محمد الحمدي، تسارعت الأمور في شمال اليمن لخلق كيان سياسي شمولي يضاهي الكيان السياسي الحاكم في الشطر الجنوبي، بهدف إيجاد أرضية مشتركة للدخول في تفاهمات سياسية تقود إلى إعادة لحمة الوطن وتحقيق الوحدة اليمنية. لكن ظلت تلك التوجهات حبيسة الأدراج نتيجة الاغتيال الغادر للرئيس إبراهيم محمد الحمدي، رئيس الشطر الشمالي من اليمن، يوم 11 أكتوبر 1977م، لينتهي معه كل الآمال والطموحات السياسية والوحدوية بين الشطرين، وظلت مع تلك المأساة فكرة تأسيس المؤتمر حبيسة الأدراج.
شكلت الأوضاع السياسية التي أعقبت اغتيال الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، وما تلاها من أحداث قادت إلى اغتيال الرئيس أحمد حسين الغشمي في يونيو عام 1978م، وتوتر العلاقات بين الشطرين، ثم صعود الرئيس علي عبد الله صالح إلى الحكم في 17 يوليو من العام نفسه، منعطفاً حاسماً. وقد قادته خلفيته العسكرية إلى الحكم، لكنه تعرض بعد نحو شهرين من تسلمه الحكم في الجمهورية العربية اليمنية لمحاولة انقلاب عسكري قادتها مجموعة من الضباط ذوي التوجه الناصري في 15 أكتوبر 1978م. ورغم نجاح الانقلاب في ساعاته الأولى، تمكنت القوات التابعة والموالية للرئيس صالح من إفشاله والسيطرة على الأوضاع. وكان لهذا الانقلاب دور في نجاح الرئيس علي عبد الله صالح في إحكام قبضته العسكرية والأمنية في اليمن الشمالي، لكن ذلك لم يمنع الاحتكاك المباشر مع الشطر الجنوبي الذي أظهر معارضة كبيرة لتعامل صنعاء مع الانقلابيين، ودخل الشطران في حرب كادت أن تتطور إلى مستويات عالية من الانخراط الدامي. ومنعاً للتدخل الدولي، تم احتواء التوتر داخل البيت العربي، وتُوّج ذلك بعقد قيادتي الشطرين قمة الكويت عام 1979م، التي خففت فتيل الأزمة وقرّبت الشطرين من إنجاز الوحدة.
لم يكن تأسيس المؤتمر الشعبي العام وليد الصدفة، بل كان خلاصة لتجربة سياسية بدأت ملامحها تتشكل في عهد الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، وغابت بعد اغتياله، ثم تطورت الفكرة بشكل أكثر نضجاً لتعالج العديد من المشكلات السياسية المعقدة، لا سيما مع توسع أعمال العنف وازدياد نشاط "الجبهة الوطنية" داخل أراضي الشمال بدعم وتسليح من الشطر الجنوبي. ومن أجل معالجة الاختلالات السياسية، وجد الرئيس علي عبد الله صالح أن البلاد بحاجة ماسة لإجراء حوار سياسي مفتوح تُناقش فيه جميع القضايا السياسية وتُستنبط له الحلول الوطنية. وتم تشكيل لجنة للحوار الوطني بين مختلف التيارات والشرائح السياسية في اليمن من سياسيين ونخب مثقفة ورجال قبائل وعلماء دين وغيرهم، ونجح الجميع في صياغة "الميثاق الوطني" الذي شكل النواة الأساسية لتأسيس حزب المؤتمر الشعبي العام في 24 أغسطس عام 1982م، كحزب سياسي شمولي جامع يضم مختلف الأجنحة والتيارات السياسية الموجودة في شمال اليمن. فكان حزباً يمني الهوى والهوية، يتميز بالوسطية والاعتدال السياسي، بعيداً عن الأيديولوجيا الدينية أو اليسارية، وظل المنصة السياسية والحزبية الوحيدة التي تجمع كل أطياف العمل السياسي في اليمن الشمالي طوال فترة ما قبل الوحدة.
ساهم حزب المؤتمر الشعبي العام، ومعه الحزب الاشتراكي اليمني جنباً إلى جنب، في صياغة مشروع الوحدة الوطنية بين شطري اليمن، ونجحت قيادتهما في التوافق على إعلانها في 22 مايو عام 1990م، وإعلان قيام الجمهورية اليمنية، والتأسيس لبناء مسار جمهوري جديد. ورغم أن الحزب وُلد في كنف السلطة بعيداً عن المسار النخبوي والفكري الذي يتبنى أيديولوجيات معينة، فإن له إسهامات سياسية لا يمكن إنكارها، بغض النظر عن الأخطاء التي أحاطت بجهوده السياسية، لا سيما أنه جسّد حكم الفرد والتفرد بالسلطة والتحكم بها بعيداً عن مناخ التوافق والشراكة الذي توّج بإعلان الوحدة اليمنية. ومع ذلك، يُحسب لحزب المؤتمر الشعبي العام، كما هو للحزب الاشتراكي، دورهما في صنع الوحدة الوطنية، وفي فتح المجال أمام التعددية الحزبية التي كانت نتاجاً للعمل الوطني الدؤوب الذي صنع الوحدة وأرسى دعائمها. ولا يزال الحزب يمتلك قوة سياسية فاعلة لا يمكن الاستهانة بها في الوسط السياسي، نظراً للخبرة الكبيرة التي يتمتع بها كوادره في إدارة مؤسسات الدولة المختلفة، النابعة من الخبرة الطويلة والتمرس فيها، فضلاً عن تمتع حزب المؤتمر الشعبي العام بكاريزما القيادة والموثوقية في الاعتراف بالآخر والتعاون معه على المستوى الداخلي، في إطار العملية السياسية القائمة على ممارسة الديمقراطية والاحتكام لصندوق الاقتراع وإجراء الانتخابات في دوراتها المحلية والنيابية والرئاسية، وإن كانت في حدها الأدنى، إلا أنها تُحسب له في إطار تعميق وتثبيت قواعد الديمقراطية في البلاد.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار.



