السبت 22 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الممرات المائية اليمنية بين فكي كماشة

الممرات المائية اليمنية بين فكي كماشة

لم تعد الممرات المائية اليمنية مجرد مساحة جغرافية تمر عبرها السفن التجارية، بل تحولت إلى واحدة من أهم ساحات الصراع الجيوسياسي في المنطقة. فبين التهديد المتجدد للقرصنة في خليج عدن، والتصعيد الحوثي المدعوم إيرانيًا في البحر الأحمر، تتشكل معادلة أمنية خطيرة تمتد تداعياتها من السواحل اليمنية إلى باب المندب وقناة السويس، وصولًا إلى حركة التجارة والطاقة العالمية.

التهديدات الأمنية للقرصنة
التهديدات الأمنية للقرصنة
المشهد الراهن يكشف أن الخطر لم يعد محصورًا في الهجمات الحوثية على السفن، وإنما بات يتشكل من تهديدين متداخلين: تهديد من الساحل اليمني على البحر الأحمر، وتهديد آخر من الضفة المقابلة في خليج عدن. وإذا ما تزامن هذان التهديدان، أو نشأت بينهما أشكال من التخادم غير المباشر، فإن المنطقة قد تواجه بيئة بحرية شديدة التعقيد يصعب احتواؤها بالوسائل الأمنية التقليدية وحدها.

قرصنة المكلا.. هل تعني عودة القرصنة إلى خليج عدن أم أنها مؤشر على تحول أخطر؟

تثير حوادث السيطرة على السفن والناقلات في محيط شرق المكلا مخاوف تتجاوز حدود الحادثة الأمنية المنفردة، خصوصًا مع تكرار أنماط مشابهة خلال فترة زمنية قصيرة. فالقرصنة التقليدية غالبًا ما تنشأ نتيجة ضعف الرقابة البحرية وغياب الدولة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تتزامن مع وجود جماعات مسلحة تمتلك أجندات سياسية وإقليمية وقدرات تسليحية متطورة.
ومن هنا يمكن قراءة ظاهرة القرصنة في خليج عدن من زاويتين. الأولى، أن تكون عودة لنشاط قرصنة منظم يستفيد من الثغرات الأمنية والانشغال الدولي بالتصعيد الحوثي في البحر الأحمر. والثانية، وهي الأكثر خطورة استراتيجيًا، أن تستفيد جماعات مسلحة مختلفة من حالة الاضطراب على جانبي خليج عدن والبحر الأحمر، أو تنشأ بينها أشكال من التخادم غير المباشر، بما يؤدي إلى تشتيت قدرات القوات الدولية ورفع تكلفة حماية الملاحة.
ولا يعني طرح هذا السيناريو الجزم بوجود تنسيق مباشر، وإنما يستدعي التعامل معه كسيناريو أمني يستحق الرصد والدراسة، لأن النتيجة في حال تحققه ستكون واحدة: خلق بيئة بحرية مضطربة تمتد من خليج عدن إلى باب المندب والبحر الأحمر.
ولا يتوقف الأثر عند أمن السفن. فكل ارتفاع في مستوى المخاطر البحرية ينعكس على شركات التأمين وأسعار الشحن ومدة الرحلات وتكاليف الطاقة والغذاء، ويجعل شركات الملاحة أكثر ميلًا إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر. وهنا تنتقل المشكلة من كونها أزمة أمنية يمنية إلى أزمة اقتصادية ذات أبعاد عالمية.

المشروع الحوثي الإيراني.. السيطرة على الجغرافيا أم التحكم في الوظيفة الاستراتيجية؟

تكمن خطورة المشروع الحوثي في الساحل الغربي في أن الهدف الاستراتيجي لا يقاس فقط بمساحة الأراضي التي يمكن السيطرة عليها، وإنما بالقدرة على التحكم في الجغرافيا البحرية ووظائفها، بخاصة مع إعلان واشنطن عن حصار أمريكي اقتصادي كبير سيفرض على إيران وعلى الدول التي ترتبط بأي تسهيلات تجارية مع إيران، مما دفع دولة الإمارات العربية المتحدة إلى إعلان وقف التعاملات التجارية مع النظام الإيراني، وهذا سيرفع مستوى التصعيد من قبل الذراع الحوثية خدمة لإيران في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب.
فالساحل الممتد من جنوب الحديدة باتجاه المخا وباب المندب يمثل أحد أهم المواقع الجيوسياسية في اليمن. ومن يملك القدرة على تهديد هذا الساحل يستطيع، بصورة غير مباشرة، التأثير في إحدى أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
وهنا يظهر مفهوم "الجغرافيا بالوكالة"؛ فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على باب المندب حتى تحقق أهدافها. يكفي أن يمتلك حليفها المحلي القدرة على تهديد الملاحة وإجبار السفن على تغيير مساراتها حتى يتحول المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية.
وهذه هي النقطة التي تجعل باب المندب مختلفًا عن أية جبهة يمنية أخرى. فالمعركة عليه ليست فقط معركة على أرض يمنية، بل معركة على ممر دولي تتقاطع عنده مصالح مصر ودول الخليج وأوروبا وآسيا والولايات المتحدة والصين.
ولذلك، فإن تحويل باب المندب إلى "هرمز آخر" يعني نقل نموذج الصراع الإيراني حول مضيق هرمز إلى منطقة أخرى، بحيث تصبح الممرات البحرية نفسها أدوات تفاوض وصراع، ويصبح التهديد الملاحي وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية.

باب المندب وقناة السويس.. معادلة أمن واحدة

لا يمكن النظر إلى باب المندب بمعزل عن قناة السويس. فالمضيق يمثل البوابة الجنوبية لحركة السفن المتجهة إلى البحر الأحمر ثم قناة السويس، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد فيه ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري وعلى حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وعندما تضطر السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ترتفع المسافة ومدة الرحلات واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين، وتتعرض سلاسل الإمداد لضغوط إضافية.
لكن الخطر لا يكمن فقط في إغلاق باب المندب بصورة كاملة. فقد يكون رفع مستوى المخاطر إلى درجة تجعل المرور التجاري أقل جاذبية كافيًا لتحقيق النتيجة الاقتصادية نفسها جزئيًا.
وهنا تتضح خطورة التهديد بالملاحة باعتباره أداة استراتيجية؛ فليس ضروريًا أن يتم إغلاق المضيق فعليًا حتى تتحقق آثاره الاقتصادية والسياسية، بل يكفي أن تصبح شركات النقل أمام بيئة غير مستقرة تدفعها إلى إعادة حساباتها.
ومن هذه الزاوية، يصبح أمن باب المندب جزءًا من أمن قناة السويس، وليس ملفًا يمنيًا منفصلًا. وأية استراتيجية لحماية البحر الأحمر لا تضع هذه العلاقة في صميم حساباتها ستبقى معالجة جزئية للمشكلة.

المخا.. نقطة الارتكاز في معادلة الردع

في مواجهة هذا السيناريو، تبرز المخا باعتبارها إحدى أهم نقاط الارتكاز في معادلة الأمن البحري اليمني.
فالمخا لا تمثل مجرد مدينة ساحلية، وإنما تقع في موقع استراتيجي قريب من المجال الجغرافي لباب المندب، وتمثل نقطة مهمة على الساحل الغربي. ولذلك، فإن الحفاظ عليها وتعزيز القدرات العسكرية والأمنية فيها يعنيان عمليًا حماية إحدى بوابات البحر الأحمر الجنوبية.
ومن هنا يمكن فهم التصريحات اليمنية التي تؤكد أن المساس بالمخا سيقابل بالرد والردع. فالمعادلة العسكرية في الساحل الغربي لا تتعلق فقط بمنع سقوط مدينة، وإنما بمنع انتقال الحوثيين من مرحلة تهديد الملاحة إلى مرحلة امتلاك قدرة أكبر على التحكم في البيئة البحرية المحيطة بالمضيق.
كما أن الخبرة القتالية التي راكمتها القوات اليمنية في الساحل الغربي خلال سنوات الحرب، تمنحها ميزة مهمة في أية مواجهة مستقبلية، خصوصًا إذا اقترنت بقدرات متطورة في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ والدفاع الساحلي والاستطلاع البحري.
لكن الردع الحقيقي لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل يحتاج إلى وضوح في قواعد الاشتباك، وقدرة استخبارية، وتنسيق إقليمي، ودعم دولي يجعل تكلفة أية محاولة للسيطرة على الساحل أكبر من العائد الذي يمكن أن يحققه الحوثيون.

لماذا يندفع الحوثي نحو التصعيد البحري؟

قد يبدو التصعيد البحري في بعض اللحظات غير منطقي بالنسبة إلى جماعة تواجه أزمات اقتصادية وسياسية وعسكرية داخلية، لكن من منظور الاستراتيجية الإيرانية يمكن تفسيره بصورة مختلفة.
فالتهديد البحري يسمح بتحويل الصراع من سؤال: من يحكم اليمن؟ إلى سؤال أكبر: من يسيطر على أمن البحر الأحمر؟
وهذه النقلة تخدم الحوثيين وإيران معًا؛ إذ تمنح الجماعة فرصة للظهور باعتبارها لاعبًا إقليميًا، بينما تمنح إيران ورقة إضافية للتفاوض والمساومة في ملفاتها الإقليمية والدولية.
وبذلك يصبح اليمن جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على توزيع أدوات الضغط الإيرانية على أكثر من جبهة، بحيث تتحول الجغرافيا اليمنية، وبخاصة البحرية منها، إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود الصراع الداخلي.
والخطورة هنا أن اليمن قد يتحول من ساحة صراع داخلي إلى منصة صراع جيوسياسي طويل الأمد، تُستخدم فيها الممرات البحرية لإعادة تعريف قواعد الاشتباك الإقليمية والدولية.

التحالف البحري الدفاعي.. هل نحن أمام منظومة أمن إقليمي جديدة؟

في هذا السياق، يكتسب الإعلان عن التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات أهمية استراتيجية تتجاوز فكرة إنشاء قوة بحرية إضافية.
فالمبادرة التي تقودها المملكة العربية السعودية وتشارك فيها مجموعة من الدول العربية والإسلامية والدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، تعكس توجهًا نحو بناء إطار إقليمي لحماية حرية الملاحة وتأمين طرق التجارة وخطوط إمدادات الطاقة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن.
وتضم الدول الأربع عشرة الداعمة للمشروع، السعودية وتركيا وباكستان ومصر والكويت والبحرين وقطر والأردن واليمن والسودان وجيبوتي والصومال وبنغلاديش ونيجيريا، فيما شارك ممثلون عن عدد أكبر من الدول في الاجتماع التأسيسي، ويمكن أن تنضم دول أخرى إلى هذا التحالف قريبًا.
وتكمن أهمية التحالف في أنه يمثل، من الناحية الجيوسياسية، محاولة للانتقال من الاعتماد الكامل على القوى الغربية في حماية الممرات البحرية إلى بناء قدرة أمنية إقليمية تشارك فيها الدول الأكثر ارتباطًا مباشرة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن.
كما أن طبيعة التحالف الدفاعية تمنحه فرصة لبناء شرعية إقليمية ودولية، خصوصًا مع تأكيد الدول المشاركة التزامها بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحرية الملاحة.
ومن الناحية العملية، يمكن أن يشكل التحالف منصة لتبادل المعلومات والاستخبارات البحرية، والتخطيط العملياتي، والتدريب المشترك، وبناء القدرات، وتنسيق العمليات البحرية، وهي عناصر تمثل أساسًا لأية منظومة ردع فعالة.
لكن نجاح التحالف لن يقاس بعدد الدول المشاركة فيه، وإنما بقدرته على تحويل هذا الإطار السياسي إلى قدرة عملياتية مستدامة.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة الصعبة: ما حجم القوات الفعلية التي ستشارك؟ كيف ستتخذ القرارات؟ كيف ستتوزع الأدوار؟ وما قواعد الاشتباك؟ وكيف سيتعامل التحالف مع الهجمات الصاروخية والمسيّرات وتهريب الأسلحة والقرصنة؟
كما أن غياب بعض القوى الإقليمية المهمة عن التشكيل الأولي يفرض الحاجة إلى توسيع التوافق الإقليمي، لأن أمن البحر الأحمر لا يمكن أن يقوم على تحالف محدود مهما كانت قدراته.
وعليه، فإن التحالف يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنه ليس بديلًا عن معالجة مصادر التهديد.

من التحالف البحري إلى معادلة الردع متعددة الطبقات

إن الردع الفعال في باب المندب لا يمكن أن تصنعه دولة واحدة أو قوة بحرية واحدة، بل يحتاج إلى ثلاث طبقات متكاملة.
الطبقة الأولى: الردع اليمني:
وتتمثل في قدرة الدولة اليمنية على السيطرة على سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، وتطوير البحرية وخفر السواحل، وتعزيز الدفاع الساحلي والاستطلاع والمراقبة، ومنع استخدام الساحل في تهريب الأسلحة وتهديد الملاحة.
الطبقة الثانية: الردع الإقليمي:
وتتمثل في التحالف البحري والتنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، بما يسمح بتبادل المعلومات وتنسيق العمليات وحماية الممرات البحرية بصورة جماعية.
الطبقة الثالثة: الردع الدولي:
وتتمثل في حماية حرية الملاحة، وممارسة الضغط السياسي والاقتصادي على الجهات التي تهددها، ومنع تدفق الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية التي تسمح باستمرار الهجمات البحرية.
وبهذا المعنى، فإن المعادلة الأكثر فاعلية هي:
دولة يمنية قوية على الساحل + تحالف إقليمي فعال + دعم دولي رادع.
أما الاكتفاء بالدوريات البحرية من دون معالجة مصدر التهديد، أو الاكتفاء بالتصريحات السياسية من دون قدرات ميدانية، فلن يؤدي إلا إلى إدارة الأزمة وليس إلى إنهائها.

المجتمع الدولي.. حماية السفن أم معالجة جذور المشكلة؟

لقد أثبتت التجارب أن حماية السفن بواسطة الدوريات والتحالفات البحرية يمكن أن تقلل المخاطر، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء المشكلة.
فالقطع البحرية تستطيع مرافقة السفن واعتراض بعض الهجمات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة الساحلية في فرض سيادتها على الشواطئ والموانئ والممرات البحرية.
ولهذا فإن أية استراتيجية دولية مستدامة يجب أن تقوم على الجمع بين الأمن البحري ومعالجة مصدر التهديد.
ويأتي في مقدمة ذلك، الضغط على إيران لوقف نقل الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى الحوثيين، وتعزيز قدرات الحكومة اليمنية في مراقبة السواحل، وتطوير القوات البحرية وخفر السواحل، وتأمين الساحل الغربي، ومنع استخدام الموانئ والمناطق الساحلية في عمليات تهريب الأسلحة.
كما أن مواجهة القرصنة في خليج عدن تتطلب مقاربة مختلفة لا تقتصر على مكافحة القراصنة بعد وقوع الهجمات، بل تشمل سد الفراغات الأمنية التي تسمح بإعادة إنتاج الظاهرة، وتعزيز التعاون بين اليمن ودول القرن الإفريقي والدول المشاطئة للبحر الأحمر.

المعادلة المصرية.. أمن باب المندب من أمن قناة السويس

بالنسبة إلى مصر، فإن أمن باب المندب ليس قضية بعيدة جغرافيًا، بل يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومي والاقتصادي المصري.
فقناة السويس تعتمد على انتظام حركة الملاحة القادمة من المحيط الهندي وآسيا عبر خليج عدن وباب المندب، وأي اضطراب طويل الأمد في هذا المسار يعني تقليص حركة السفن العابرة للقناة وزيادة تكاليف النقل والضغط على الإيرادات المرتبطة بالملاحة.
ومن هنا فإن حماية باب المندب لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مسؤولية يمنية فقط، وإنما باعتبارها مسؤولية إقليمية ودولية مشتركة، مع بقاء الدور اليمني هو الأساس بحكم السيادة والجغرافيا.
وهذا يفسر أهمية الدور المصري في أية منظومة أمنية للبحر الأحمر، لأن استقرار باب المندب والبحر الأحمر يمثل امتدادًا مباشرًا لاستقرار قناة السويس.

من الردع المؤقت إلى استراتيجية أمن بحري مستدامة

المطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط منع هجوم جديد، وإنما بناء منظومة ردع متكاملة.
هذه المنظومة ينبغي أن تجمع بين القوة العسكرية اليمنية، والدعم الإقليمي، والحضور الدولي، والاستخبارات البحرية، ومراقبة السواحل، وتجفيف مصادر التمويل والتسليح، مع وجود موقف سياسي واضح تجاه أية محاولة لتحويل باب المندب إلى أداة ابتزاز.
كما أن استعادة الدولة لسيطرتها على الساحل الغربي تمثل جوهر الحل؛ لأن الممرات الدولية لا يمكن تأمينها بصورة دائمة في ظل وجود سلطة مسلحة موازية للدولة تمتلك قرار الحرب والسلم وتتحكم بجزء من الساحل.
ومن هنا فإن إنهاء التهديد البحري لا يمكن فصله عن مسألة استعادة الدولة اليمنية لوظائفها السيادية. فالأمن البحري المستدام يبدأ من الساحل، ولا ينتهي عند السفينة التي تعبر المضيق.

الخاتمة: الممرات المائية ليست مجرد ماء.. إنها ميزان قوة

تقف الممرات المائية اليمنية اليوم بين فكي كماشة: قرصنة صومالية قد تستعيد نشاطها في خليج عدن، ومشروع حوثي إيراني يسعى إلى توظيف الساحل الغربي وباب المندب والبحر الأحمر كأداة ضغط إقليمية ودولية.
لكن الخطر الأكبر ليس في كل تهديد منفرد، وإنما في إمكانية تزامن هذه التهديدات وتفاعلها، بحيث يتحول خليج عدن والبحر الأحمر إلى مسرح أمني واحد تتعدد فيه مصادر الخطر وتتضاعف تكاليف المواجهة.
وفي خضم ذلك، يمثل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات تطورًا مهمًا في معادلة أمن البحر الأحمر، لأنه يفتح الباب أمام بناء منظومة أمن إقليمي أكثر اعتمادًا على دول المنطقة، لكنه يبقى أداة مساعدة وليس بديلًا عن الحل الجذري المتمثل في تعزيز قدرات الدولة اليمنية واستعادة سيطرتها الكاملة على سواحلها.
ومن هنا، فإن معركة الساحل الغربي والمخا ليست معركة يمنية محلية، بل جزء من معركة أوسع على مستقبل البحر الأحمر.
فإذا نجحت الدولة اليمنية في تثبيت سيطرتها على الساحل وحماية باب المندب، فإنها لا تحمي أراضيها فقط، وإنما تسهم في حماية قناة السويس والتجارة الدولية وأمن الطاقة،
أما إذا استمر الفراغ الأمني وتعددت القوى المسلحة على جانبي الممرات البحرية، فإن باب المندب قد يتحول تدريجيًا من ممر استراتيجي إلى ورقة ابتزاز دائمة.
ولهذا فإن المعادلة الحقيقية ليست فقط: من يسيطر على باب المندب؟ بل: من يملك القدرة على تأمينه، ومن يملك قرار استخدامه كورقة ضغط؟
إن مستقبل اليمن والبحر الأحمر وقناة السويس يرتبط بدرجة كبيرة بالإجابة عن هذا السؤال.
فالممرات المائية ليست مجرد مياه تعبرها السفن، بل هي شرايين اقتصادية وجغرافية تصنع موازين القوة، ومن يهددها لا يهدد اليمن وحده، وإنما يضع جزءًا من الاقتصاد العالمي أمام اختبار جيوسياسي مفتوح.

أكاديمي ومحلل سياسي