الحـ..وثي احتاج فرصة.. والشرعية أضاعت عشر!
لم يصل الحو--ثيون إلى ماوصلوا إليه اليوم لأنهم كانوا دائماً الطرف الأقوى، وإنما لأن خصومهم أضاعوا، في كل مرحلة تقريباً وعلى مدى 11 عاماً، فرصاً حقيقية لتحويل التفوق المالي والعسكري والسياسي إلى دولة ومؤسسات وقوة وطنية موحدة.
أعترف أن المقال طويل، لكنه في الوقت ذاته محاولة جادة لتوثيق 11 عاماً من الإخفاقات والفرص الضائعة التي تحمّلت الشرعية والتحالف العربي مسؤولية التعامل معها، وكان ولازال اليمنيون يعوّلون عليهما لاستعادة الدولة ومؤسساتها، وإنهاء الحرب، وتهيئة الطريق لعودة ملايين اليمنيين إلى وطنهم آمنين مطمئنين، بعد أكثر من عقد من النزوح واللجوء والشتات، داخل اليمن وخارجه..
عندما بدأ تدخل التحالف العربي عام 2015، كانت الشرعية تمتلك الغطاء الدولي، والتحالف يمتلك التفوق الجوي والعسكري، والحوثي لم يكن قد بنى بعد منظومته العسكرية والاقتصادية والأمنية التي يمتلكها اليوم.. كانت لحظة حسم لو أُحسن استخدامها وكانت هناك إرادة حقيقية لاستعادة الدولة وانهاء الحرب، لكنها تحولت إلى حرب مفتوحة بلا استراتيجية نهائية واضحة المعالم..
وفي 2016، بعد تحرير عدن ومعظم المحافظات الجنوبية، كانت الشرعية والتحالف أمام فرصة تاريخية لتحويل ذلك الانتصار العسكري إلى مشروع متكامل لاستعادة صنعاء وإنهاء الانقلاب الذي اعلنه الحوثيين على الدولة، سياسياً وعسكرياً، بدلاً من الاكتفاء بتحرير الجنوب والدخول بعدها في حرب استنزاف طويلة المدى، استنزفت القوة والوقت الذي بلغ 11 سنة، منحت الحوثيين فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم وتعزيز نفوذهم بل واصبحوا تهديد يقلق المجتمع الدولي في باب المندب..
في ديسمبر 2017، ومع مقتل الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح وانهيار تحالفه مع الحوثيين، برزت واحدة من أهم الفرص التاريخية التي لم تُحسن الشرعية والتحالف اقتناصها، فقد كان بالإمكان استيعاب قيادات وقواعد المؤتمر الشعبي العام وقواته ومناصريه، وفتح جبهة داخلية واسعة ضد الحوثيين من قلب صنعاء ومحيطها، الامر الذي كان سيربك الجماعة ويغيّر موازين القوى بصورة كبيرة، لكنها فرصة ضاعت ومرّت سريعاً، قبل أن تتمكن الشرعية من تحويلها إلى مكسب سياسي وعسكري حقيقي..
الفرصة الرابعة كانت عام 2018 حين اقتربت القوات المشتركة وقوات العمالقة من السيطرة الكاملة على ميناء الحديدة الاستراتيجي (شريان الحياة الرئيسي للحوثيين)، وكان الحوثيون تحت ضغط عسكري كبير، ماجعل المعركة تمثل فرصة حقيقية لإحداث تحول استراتيجي في مسار الحرب، لكن اتفاق ستوكهولم أوقف التقدم العسكري قبل أن يتحول ذلك الضغط إلى مكاسب سياسية وعسكرية حاسمة، ورغم أن للاتفاق مبرراته الإنسانية والسياسية، وكان ينص على تراجع خمسة كيلو لكل طرف؛ بحسب محافظ الحديدة إلا انه تم التراجع اكثر من 100 كيلو لإعادة التموضع كما قيل آنذاك، فاستفاد الحوثيين لالتقاط أنفاسهم، وإعادة ترتيب صفوفهم، وتعزيز مواقعهم، لتضيع فرصة أخرى كان يمكن أن تغيّر موازين القوى على الأرض..!!
وفي عام 2019، تم ضياع الفرصة الخامسة، فبدلاً من أن تتجه كل القوى المناهضة للحوثيين إلى توحيد صفوفها وتوجيه جهودها نحو معركة استعادة الدولة، اندلع صراع جديد بين مكونات الشرعية والمجلس الانتقالي في عدن، وجاء اتفاق الرياض ليمنح هذه القوى فرصة حقيقية لتجاوز خلافاتها، وتوحيد القرارين السياسي والعسكري، وإعادة ترتيب صفوف المعسكر المناهض للحوثي على قاعدة الشراكة وتكامل القوة، لكن الاتفاق لم يُنفذ في جوهره كما ينبغي، وظلت القوات موزعة بين مراكز نفوذ متعددة مدعومة من اطراف التحالف المختلفة، وبقي القرار السياسي والعسكري منقسماً، لتضيع فرصة أخرى كان يمكن أن تجعل المعركة مع الحوثي أكثر قوة وتماسك..
خلال عامي 2020 و2021، كانت هناك فرصة حقيقية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس وطنية، من خلال توحيد القوات الموجودة في مأرب والساحل الغربي والمحافظات الجنوبية، ودمجها ضمن قيادة عسكرية واحدة، وتوحيد غرف العمليات والقرار العسكري، بحيث تتحول القوى المتعددة إلى جيش وطني قادر على خوض معركة استعادة الدولة، لكن هذه الفرصة أيضا ضاعت وسط استمرار تعدد التشكيلات العسكرية ومراكز النفوذ وتباين الولاءات، في الوقت الذي كان فيه الحوثيون يعملون على ترسيخ منظومة عسكرية وأمنية أكثر تماسكاً، تحت قيادة واحدة وقرار مركزي واحد.
بدورها، لم تكن مأرب مجرد محافظة تخوض معركة دفاعية، بل كانت تمثل آخر مركز ثقل للجمهورية في شمال اليمن، ولذلك كان صمودها فرصة يمكن البناء عليها لإعادة ترتيب المعسكر الجمهوري وتحويل الدفاع عن مأرب إلى مشروع عسكري وطني واسع يستعيد زمام المبادرة ويفتح الطريق نحو صنعاء، لكن وبدلاً من استثمار هذا الصمود وتوسيع نطاقه، طالت المعركة وتحولت إلى استنزاف حقيقي بإرادة من بيده القرار، حتى انتقلت المبادرة تدريجياً إلى الحوثيين، وضاعت فرصة أخرى كان يمكن أن تُستثمر لتغيير مسار الحرب لصالح استعادة الدولة..
في أبريل 2022، جاء تشكيل مجلس القيادة الرئاسي كواحدة من أندر الفرص لجمع معظم القوى المناهضة للحوثيين تحت مظلة سياسية واحدة، بالتزامن مع دعم سعودي كبير وهدنة خففت حدة القتال ووفرت مساحة سياسية لم تكن متاحة منذ سنوات، وكان بالإمكان تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد القرار السياسي والعسكري، وترتيب صفوف المعسكر الجمهوري على أساس واضح لاستعادة الدولة، لكن المجلس لم ينجح في تجاوز تناقضات اعضائه والقوى التي تشكل منها والجهات التي دعمته، فتحولت الشراكة التي كان يفترض أن توحد القرار إلى ساحة أخرى لتجاذبات النفوذ، وضاعت فرصة كانت ربما الأهم منذ بداية الحرب لبناء قيادة يمنية موحدة وقادرة على اتخاذ القرار..!
أعتقد ان الفترة الممتدة من 2022 وحتى 2025 تعد من أخطر الفرص الضائعة؛ إذ وفّر الهدوء النسبي في جبهات القتال مساحة ثمينة كان يمكن استثمارها في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح الاقتصاد، وتوحيد الجيش والأجهزة الأمنية، وتحسين الخدمات، وتحويل المناطق المحررة إلى نموذج حقيقي للدولة، بحيث يلمس المواطن الفارق بنفسه بين مؤسسات الدولة وسلطة الحوثيين، لكن وبدلاً من استثمار هذه السنوات في بناء القوة والمؤسسات، استنزف جزء كبير منها في صراعات النفوذ الخاص لأعضاء القيادة، وسباق التعيينات، وتقاسم المواقع، فيما ظل الحوثيون ممسكين بمؤسسات سلطتهم في صنعاء، ويعززون قبضتهم على المجتمع والدولة..
ولعل أخطر ما أضاع هذه الفرص المتتالية طوال سنوات الحرب هو تعدد الأجندات ومراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتشكيل فصائل وقوات عسكرية خارج إطار المؤسسة العسكرية ووزارة الدفاع، الأمر الذي شتّت جهود المعركة الأساسية وأضعف القرار العسكري الموحد، وفي أكثر من محطة، تحولت البندقية من مواجهة الحوثيين إلى صراعات جانبية داخل المعسكر نفسه، كما حدث في عدن، وتكرر بصورة أو بأخرى في تفاهمات واتفاق الرياض وغيرها.
وبينما كان الحوثيون يعملون على بناء منظومة عسكرية وأمنية مركزية تحت قيادة واحدة، كانت القوى المناهضة لهم تستنزف جزء من قوتها في صراع النفوذ وتعدد الولاءات، حتى أصبح توحيد البندقية أصعب من توفيرها..
ولم تكن المشكلة عسكرية فقط؛ فالشرعية نفسها أخفقت طويلاً في تقديم نموذج دولة مقنع في المناطق المحررة، فضعف الإدارة من الداخل، والاعتماد المفرط على الإقامة خارج اليمن، وتراجع الخدمات، وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي، واستمرار أزمات الكهرباء والمياه والرواتب والمشتقات النفطية، جعل المواطن لايرى في المناطق المحررة نموذج جاذب للدولة التي يُفترض أن تستعاد..
ومع مرور السنوات، تراكم الإحباط وفقدت الثقة، وأصبحت هذه الفجوة بين المواطن ومؤسسات الشرعية ثغرة استغلها الحوثيون لتعزيز قبضتهم وتكريس رؤيتهم، رغم كل ماارتكبوه من انتهاكات وممارسات في حق الدولة والشعب..
في يناير 2026، ومع انهيار التفاهم السعودي الإماراتي وانسحاب الإمارات من وجودها العسكري المتبقي، ومارافق ذلك من تغيرات ميدانية وسياسية وإعادة ترتيب لموازين القوى في المحافظات الجنوبية، برزت فرصة جديدة ومختلفة لإعادة صياغة المشهد من جديد، وكان اليمنيون ينظرون بإيجابية إلى الدور السعودي في ترتيب الأوضاع في المحافظات المحررة، وفرض الأمن والاستقرار، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وإصلاح ماتهالك من البنية التحتية والخدمات الأساسية، من الكهرباء والمياه والمشتقات النفطية وغيرها..
لكن هذه الآمال لم تدم طويلاً؛ فما لبثت أن عادت التجاذبات والصراعات إلى الواجهة، وعادت الأمور تدريجياً إلى ماكانت عليه، لتضيع فرصة أخرى كان يمكن أن تشكل بداية لمشروع مختلف لتوحيد القرار السياسي والعسكري، وإنهاء تعدد مراكز القوة والنفوذ، وبناء مؤسسات دولة حقيقية، ثم الانتقال من مجرد إدارة الشرعية من الخارج إلى مشروع جاد لاستعادة الجمهورية..
وبعد استعراض هذه المحطات العشر، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا؛ كم فرصة أخرى يحتاجها اليمنيون حتى تدرك الشرعية والسعودية أن المشكلة لم تعد في نقص الفرص، وإنما في غياب القيادات الحقيقية ورجال الدولة، اصحاب القرار القادرين على تحويل كل فرصة إلى مشروع دولة، فالـحوثيون لم يحتاجوا إلى عشر فرص؛ كانت لديهم فرصة واحدة عام 2014، عندما وجدوا امامهم رئيس ضعيف، ورئيس منتقم، وقوى سياسية مشغولة بتقاسم المكاسب والمناصب، فأحسنوا استغلالها وسيطروا على الدولة بعدة أطقم عسكرية واطفال يحملون الكلاشنكوف، ومنذ ذلك الحين وهم يبنون عليها ويعززون نفوذهم ويكرسون سلطتهم..
أما الطرف الآخر، فكلما لاحت فرصة لاستعادة الدولة، انشغلوا بتقاسم النفوذ ومكاسبها، وتنازعوا فيما بينهم حتى تبددت، فتحولت الفرص التي كان يمكن أن تكون جسوراً للعبور نحو استعادة الجمهورية إلى محطات جديدة في سجل الخسارات وتعثر استعادة الدولة..



