الخميس 20 أغسطس 2026

لقمة العيش... معركة يومية في اليمن

يتحوّل السعي وراء لقمة العيش من حق اجتماعي إلى معركة يومية يخوضها المواطن منفردًا في مواجهة الفقر والجوع والبطالة وارتفاع الأسعار وانهيار مصادر الدخل. ولم تعد المسألة مجرد تراجع في مستوى المعيشة، بل أصبحت أزمة إنسانية واجتماعية عميقة، تعكس انهيارًا واسعًا في منظومة الحماية الاقتصادية والاجتماعية، في ظل حرب مستمرة وتعدد سلطات الأمر الواقع وتراجع القدرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.

لقد ألقى الصراع الممتد بثقله على حياة ملايين اليمنيين، وحوّل الاقتصاد إلى ساحة أخرى من ساحات المعاناة. فالرواتب منقطعة في مناطق، وغير منتظمة في مناطق أخرى، بينما تراجعت مصادر الدخل وتقلصت فرص العمل إلى مستويات محدودة أو معدومة في كثير من المناطق. وفي الوقت نفسه، تواصل الأسعار ارتفاعها بصورة تفوق قدرة معظم الأسر على الاحتمال، وتتآكل القدرة الشرائية يومًا بعد يوم. وفي ظل هذا الوضع، لم يعد المواطن يبحث عن تحسين مستوى معيشته، بل عن كيفية تأمين وجبة اليوم، أو توفير الدواء، أو دفع إيجار المسكن، أو إبقاء أطفاله بعيدًا عن الجوع.
الأكثر قسوة أن قطاعات واسعة من اليمنيين لم تعد تمتلك ما يكفي لمواجهة هذا الانهيار. فهناك أسر تعجز عن توفير الغذاء بصورة منتظمة، وأشخاص اضطروا إلى البحث في القمامة عما يسد جوعهم، فيما اتسعت ظاهرة التسول بصورة مؤلمة في الشوارع والأسواق والأحياء. ولم يعد الفقر حالة هامشية يمكن التعامل معها باعتبارها مشكلة فردية، بل أصبح واقعًا يطال قطاعات واسعة من المجتمع، ويهدد كرامة الإنسان وقدرته على الاستمرار.
وفي هذا المشهد، لا يمكن التعامل مع الإغاثة الإنسانية باعتبارها حلًا دائمًا. فحتى هذه المساعدات لم تعد تصل إلى جميع المناطق بالقدر نفسه؛ ففي بعض المناطق ما تزال هناك أشكال من المساعدات والإغاثة، بينما توقفت أو تراجعت في مناطق أخرى، تاركة أعدادًا من الأسر أمام احتياجات متزايدة وموارد شبه معدومة. ومع استمرار الأزمة، أصبحت الفجوة بين حجم الاحتياج وحجم الاستجابة أكثر اتساعًا، فيما تتراجع قدرة الناس على مواجهة أعباء الحياة اليومية.
أما الحديث عن الصمود والتكافل الاجتماعي، فعلى أهميته، يجب ألا يتحول إلى وصف رومانسي لواقع شديد القسوة. نعم، ما تزال هناك أسر تتقاسم ما لديها، وجيران يساعد بعضهم بعضًا، ومبادرات فردية ومجتمعية تحاول تخفيف المعاناة، لكن هذه الجهود لا تستطيع حمل مجتمع بأكمله فوق طاقته. فحين يصل الجوع إلى مستوى يهدد حياة الناس، وحين يصبح الحصول على الطعام نفسه معركة، يصبح الحديث عن قدرة المجتمع على الاحتمال بحاجة إلى قدر كبير من الواقعية. فقطاعات واسعة من الناس تعيش تحت ضغط معيشي خانق، وقد استُنزفت قدرتها على الاحتمال إلى حدود يصعب معها الاستمرار بالطريقة نفسها.
المشكلة لا تكمن في الفقر وحده، وإنما في تحول الفقر إلى حالة مستمرة، والجوع إلى واقع يومي، والحاجة إلى وسيلة للبقاء. ومع غياب إطار اقتصادي عام قادر على حماية الناس، وتعدد سلطات الأمر الواقع واختلاف السياسات والإجراءات بين المناطق، أصبحت حياة المواطن مرتبطة بمكان وجوده، وبالسلطة المسيطرة في منطقته، وبالفرص المتاحة أمامه، وبقدرته على الوصول إلى مصدر دخل مهما كان هشًا.
وهنا تظهر إحدى أخطر نتائج الحرب: تفكك العلاقة بين العمل والدخل من جهة، وبين القدرة على تأمين الحياة من جهة أخرى. فقد يعمل الإنسان ولا يحصل على ما يكفيه، وقد يمتلك الخبرة والمؤهلات ولا يجد فرصة، وقد يقضي سنوات في البحث عن وظيفة دون جدوى. وفي المقابل، أصبح الاقتصاد غير الرسمي والعمالة اليومية والعمل الهش ملاذًا لملايين الأشخاص، لكنه ملاذ لا يوفر استقرارًا ولا حماية ولا ضمانًا لمستقبل الأسرة.
كما أن استمرار هذه الأوضاع يترك آثارًا عميقة على المجتمع، ولا سيما على الشباب. فحين يكبر جيل كامل وسط البطالة والفقر والحرب وانسداد الأفق، يصبح المستقبل بالنسبة إليه فكرة غامضة لا ترتبط بفرصة حقيقية. ولذلك تتزايد الهجرة، ويتسع التسول، وتنتشر الأعمال الهامشية، ويصبح البحث عن أي مصدر للدخل أولوية تتقدم على التعليم والتأهيل والتخطيط للمستقبل.
ولا يمكن فصل الأزمة الاقتصادية عن الصراع السياسي والعسكري. فالحرب لا تدمر المباني والبنية التحتية فقط، بل تدمر فرص الإنتاج والعمل، وتقطع طرق التجارة، وتضعف النشاط الزراعي والصناعي، وتزيد كلفة النقل والسلع، وتخلق اقتصادًا يقوم في أجزاء منه على الندرة والاحتكار والمضاربة. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت قدرة اقتصاد الأزمة على إنتاج مزيد من الفقر، وأصبح المواطن العادي هو الطرف الأكثر دفعًا لكلفتها.
لهذا، فإن معالجة الوضع المعيشي لا يمكن أن تقتصر على توزيع المساعدات، مهما كانت أهميتها في إنقاذ المحتاجين. المطلوب هو وقف النزيف الذي يحوّل المجتمع إلى كتلة متزايدة من الفقراء، وفتح الطريق أمام العمل والإنتاج، وإعادة تنشيط القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وحماية ما تبقى من مصادر الدخل، وتوفير بيئة تسمح للناس بكسب عيشهم بدل انتظار المساعدة.
لقمة العيش ليست تفصيلًا صغيرًا في الأزمة، وليست ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد التسويات السياسية. فالإنسان الذي لا يجد ما يأكله لا يستطيع انتظار حلول بعيدة، والأسرة التي يهددها الجوع لا تعنيها كثيرًا الخطابات السياسية بقدر ما يعنيها أن تجد الغذاء والدواء ومصدر الدخل.
إن استمرار هذا الوضع يعني دفع المجتمع إلى ما هو أبعد من الفقر، نحو فقدان الإحساس بالأمان والقدرة على الاحتمال. وعندما يصبح الجوع حاضرًا في حياة الناس، ويضطر بعضهم إلى التقاط الطعام من القمامة، ويقف آخرون في الشوارع طلبًا للمساعدة، فإن القضية تتجاوز حدود الأزمة الاقتصادية لتصبح امتحانًا قاسيًا للضمير الإنساني والسياسي.
اليمن لا يحتاج إلى إدارة الفقر، بل إلى كسر أسبابه. ولا يحتاج المواطن إلى أن يُطلب منه الصمود إلى ما لا نهاية، بل إلى أن تتوقف الحرب التي تستنزف حياته، وأن تتراجع كلفة الصراع، وأن تتاح له فرصة حقيقية للعمل والإنتاج والعيش بكرامة. فلقمة العيش حق، وحين يتحول الحصول عليها إلى معركة يومية، يصبح ذلك أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع.