الكلفة الاجتماعية للحرب في اليمن
تعدُّ الحرب "وضع حاسم ومطلق، وحدث اجتماعي فريد يغيّر المجتمع برمته وقيمه ومبادئه وممارساته تغييرًا هائلًا". وتتبدَّى ملامح هذا التغيُّر في التحوُّلات التي تطرأُ على البنيان الاجتماعي والتكوين الديمغرافي، ومنظومة القيم والعلاقات الاجتماعية للمجتمع اليمني بفعل الحرب المستمرة منذ مارس 2015، ويمكن إيضاح ذلك على النحو الآتي:
تأثيرات الحرب في بعض الفئات الاجتماعية:
النَّازحون:
أجبرت الحرب والاشتباكات المسلحة التي دارت رحاها في عدد من المدن والقرى والمناطق اليمنية (4.5) مليون شخص – أي ما يعادل (15%) من إجمالي السكان – إلى النُّزوح القسري وترك منازلهم وأراضيهم هربًا من الموت وبحثًا عن الأمان، الأمر الذي جعل اليمن تحتل "المركز الرابع عالميًا من حيث أكبر عدد من النازحين داخليًا جراء الصراع".[1] ويُقاسي النازحون – ولاسيما من يقطنون في مخيمات النُّزوح – أوضاعًا إنسانية بالغة البؤس، وأمستْ حياتهم جحيمًا حقيقيًا؛ إذ يفتقرون لأبسط متطلبات الحياة الآدمية، فلا مأوى يليق بإنسانيتهم، ولا معونات تسد جوعهم، ولا خدمات تُنقذ أرواحهم من غَول الأوبئة الفتّاكة. فضلًا عن الآثار الاجتماعية التي تترتب على النزوح القسري من ناحية تفكك شبكة العلاقات الاجتماعية وأواصر القَرابة والجِيرة وروابط النسيج الاجتماعي، فاضطرار مئات الآلاف بل الملايين من الأشخاص إلى النّزوح، يعني فيما يعنيه، تشرُّدهم عن ديارهم وانتزاعهم من مناطق سُكناهم، وتوزّعهم على مناطق أخرى غريبة عنهم، وتوافدهم إلى مجتمعات لم يَألفُوها من قبل، ومن ثمّ يجدون صعوبة في التكيّف مع الأوضاع الجديدة، وصعوبة في الاندماج مع المجتمعات المُضيفة، وربما قد يعانون من سوء المعاملة وصنوف شتى من الانتهاكات.
الأطفال:
صنَّفت منظمة "اليونيسف" (UNICEF) اليمنَ ضمن "أسوأ البلدان التي يمكن أن يعيش فيها الطفل". يعكس التصنيف فداحة النتائج التي خلّفتها الحرب على الأطفال. وتقدّم الإحصائيات الأممية أرقامًا صادمة، فمنذ اندلاع الصراع المسلح عام 2015، قُتل (3,900) طفل وأصيب (7,600) طفل بسبب الحرب. كما يوجد (9.8) مليون طفل يمني بحاجة إلى الدعم المنقذ للحياة[2]، من بينهم (2.2) إلى (3) ملايين طفل يعانون من خطر زيادة معدلات الاعتلال والوفاة كل عام بسبب سوء التغذية الحاد. ويعاني ما لا يقل عن مليوني طفل آخرين من خطر فقدان فرصهم المستقبلية في النمو والتعلّم بسبب سوء التغذية المزمن.[3] ناهيك عن ممارسة انتهاكات ممنهجة ضدّهم، في مقدمتها: التجنيد القسري. فقد عمدت الأطراف المتنازعة وعلى رأسها جماعة الحوثيين إلى تجنيد الأطفال لسد حاجتها من المقاتلين. وتشير الإحصائيات إلى قيام جماعة الحوثيين – وحدها – بتجنيد ما يقرب من (10333) طفلًا يمنيًا خلال الفترة (2014 – فبراير 2021)، بينهم (248) طفلًا من سن (8 – 11) عامًا.[4]
النساء:
خلَّفت الحرب عواقب وخيمة على النساء والفتيات، ويأتي في صدارة ذلك؛ استهداف سلامتهنّ الجسدية من قِبل أطراف الصراع والجماعات المسلحة، عبر وسائل القتل المختلفة: القصف الجوي والبري، والقنص، والألغام.
وتُصنّف اليمن من بين أكثر البلدان التي تشهد ارتفاعًا في معدّل وفيات الأمهات. وتشكّل النساء والأطفال نحو (80%) من النازحين داخليًا، وتُظهِر بيانات أممية أنّ واحدةً من كل ثلاث أسر نازحة تعولها نساء. وبحسب هذه البيانات فإنّ (60) ألف امرأة فقدنَ أزواجهنّ، وبلغ عدد الأسر التي تعيلها نساء على مستوى البلاد (417) ألف أسرة.
تزداد الصورة قتامةً واسودادًا مع تنامي ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل غير مسبوق، لاسيما مع وقوع أكثر من (6.3) ملايين من النساء والفتيات في دائرة خطر مضاعف للتعرّض للعنف بأشكاله المختلفة، وتزايد معدّل زواج القاصرات، إذ تشير التقديرات إلى أنّ أكثر من (30%) من الفتيات في اليمن يتزوجنّ قبل سن (18) عامًا.
أنشأ الحوثيون جهازًا أمنيًا نسائيًا يحمل اسم "الزينبيات" في أواخر عام 2017، وتم استخدام الجهاز للتنكيل بالنساء والناشطات اليمنيات، ممن يتظاهرن للمطالبة بحقوقهنّ، أو للمطالبة بوقف الاعتداءات عليهنّ، ووصل عدد النساء المعتقلات في سجون جماعة الحوثي نحو (1700) معتقلة يمنية، بينهن حقوقيات، وإعلاميات، وصحفيات، وناشطات، وهناك المئات منهنّ يعشن في ظروف سيئة، ويمارس بحقهنّ صنوف التعذيب النفسي والجسدي، في انتهاك صارخ للقوانين الوطنية وللمواثيق الدولية وللقيم الدينية والأعراف الاجتماعية.[5]
كما تعمد مختلف أطراف الصراع إلى انتهاك الحريّات الخاصة بالنساء، مثل: فرض لِباس معين بدعوى فرض "الحِشمة" ومحاربة "السّفور"، والتحريض ضدهنَّ عبر منابر بعض المساجد، ومواقع التواصل الاجتماعي، وفرض قيود تحدّ من حركتهنّ، وخصوصًا منعهنّ من السفر بدون "مَحْرَم"، وممارسة العنف والتحرش، والإقصاء من التمثيل في مراكز صنع القرار.
الشباب:
على الرغم من أنّ الحرب تستهدف جميع الفئات الاجتماعية ولا تميّز بين الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والمقاتل والمدني الأعزل، فإنّ فئة الشباب – وخاصةً الذكور – تُستهدَف بدرجة أكبر بسبب انخراطهم بشكل مباشر في المواجهات المسلحة.
لقد غيَّرت الحربُ الكثيرَ في وضع الشباب اليمني، فبعد أن قدَّموا نموذجًا متميزًا في "المواطنة النَّشطة" (Active Citizenship) من خلال تصدُّرهم الاحتجاجات الشعبية، واسهامهم الفاعل في المشهد الوطني خلال الأعوام (2011 – 2014)، وحققوا بعض المكاسب السياسية والاجتماعية، جاءت الحرب لتقضي على تلك المكاسب، وتُغيِّر من أولوياتهم، فلم يعودوا يفكرون كثيرًا في المشاركة السياسية، أو أن يكون لهم دور في صنع القرار، بل صاروا مهمومين بكيفية البقاء على قيد الحياة، وتأمين لقمة العيش لأسرهم.[6]
القوى العاملة:
تسببت الحرب بانهيار اقتصادي شبه كلي، وخلفت مآسٍ جمّة لفحت بنارها القوى العاملة، إذ أدت إلى توقّف دفع رواتب (60%) من العاملين في القطاع العام البالغ عددهم (1.2) مليون موظف منذ أكتوبر 2016.[7]
وبيّنت تقارير دولية أن نحو (82.7%) من اليمنيين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، وقد أدت الحرب إلى تآكل الطبقة الوسطى بصورة غير مسبوقة، وهَوَتْ شرائحها في السُّلم الطبقي نحو الطبقة الدنيا بفعل الحرب وما خلّفته من تدهور الوضع الاقتصادي، وتردّي قيمة العملة المحلية، وفقدان مصادر الدخل وتآكل القيمة الحقيقية للرواتب والأجور، والارتفاع الكبير لأسعار المواد والخدمات الأساسية.
أدَّت الحرب والأعمال القتالية إلى توقّف الكثير من المنشآت والمؤسسات الإنتاجية، وتضرر عدد من القطاعات الاقتصادية، مما ألقى بظلاله السوداء على التشغيل وسوق العمل، وتضاعفت نسبة البطالة بأكثر من ثلاثة أضعاف عما كانت عليه قبل اندلاع الحرب.
تأثيرات الحرب في نسق القيم الاجتماعية:
تعدُّ الحربُ أهمّ عوامل التغيُّر الاجتماعي وفقًا للعالِم السيوسيولوجي "غاستون بوتول"؛ إذ تؤدي إلى تغيُّر قيمي حاد، "فتصبح القيم والمفاهيم والمعايير والممارسات والسلوكيات الاجتماعية مقلوبةً رأسًا على عقب، وتختفي الحدود الفاصلة بين المُقدَّس والمُدنَّس، فما كان مُحرَّمًا تحريمًا عامًا وقت السِّلم – كالقتل مثلًا – سرعان ما يصبح مُباحًا في زمن الحرب"![8]
هذه الصورة المَشهديّة للحرب التي يرسمها "بوتول" تكاد تكون قانونًا سوسيولوجيًا ينطبق على جلِّ الحروب. والحرب الحاصلة في اليمن ليست استثناءً عن ذلك. فلقد تسببت في حدوث تصدُّعات كبيرة في منظومة القيم والمعايير الاجتماعية، وهي حالة يطلق عليها "اميل دوركايم" بـ "الأَنوميّا" (Anomie) أو "اللامعياريّة"، وتشير إلى فقدان المعايير، وبروز مظاهر التصدُّع والتحلُّل والتفكّك الذي يصيب البناء الاجتماعي.
ويمكن رصد أهم تلك المظاهر التي برزت في زمن الحرب على النحو الآتي:
انتشرت سلوكيات وممارسات غرائبيَّة صادِمة كان العُرف الاجتماعي يُصنِّفها في خانة "العيب الأسود"، ويُحرِّمها الدِّين، ويُجرِّمها القانون، مثل: التعدِّي على حُرُمات المنازل، والاعتداء على النساء أو احتجازهن واختطافهن، والاعتداء على الأطفال وكبار السن والضعفاء، والتحرّش، واغتصاب الأطفال، وقتل المدنيين العُزّل في وَضح النهار.
شيوع جرائم القتل خارج القانون، والاغتيالات، وانتشار السلاح بشكل عشوائي، ومظاهر الفوضى والاضطراب والانفلات الأمني، وفقدان الشعور بالأمان، وإقلاق السكينة العامة، والاستخدام العبثي للسلاح، وإطلاق الأعيرة النارية في الأسواق والشوارع ووسط الأحياء السكنية، وإشاعة الخوف والفزع ونوبات الهلع في أوساط السكان المدنيين، وقد سادت هذه الظواهر في السنوات (2015 – 2017)، وشهدت انحسارًا تدريجيًا بعد ذلك.
ارتفاع معدّل جرائم السرقات، وجرائم الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وأعمال السلب والنهب، والابتزاز، والاحتيال، بصورة غير مسبوقة.
انحسار قيم التكافل والتسامح والتعايش والقبول بالآخر، وتصدُّع قيمة التماسك الأسري، وارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري؛ نتيجةً لتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية بصورة أساسية، وتراجع دور التنشئة الأسرية، واكتساب الأطفال والمراهقين قيم هدَّامة وسلوكيات ضارة، رافقت ظروف الحرب وويلاتها، وهي قيم وسلوكيات مستلّة من ثقافة العنف ومنطق تمجيد القوة.
الهوامش:
(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.
[1] راجع: الموقع الالكتروني للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
[2] راجع: بيان صحفي، موقع منظمة اليونيسف، تاريخ النشر: 26 مارس 2024.
[3] الأمم المتحدة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لمحة عامة عن الاحتياجات الإنسانية - اليمن، (يناير 2024)، ص22.
[4] المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومنظمة سام للحقوق والحريات، عسكرة الطفولة: تقرير يوثق تجنيد جماعة الحوثي للأطفال في النزاع المسلح في اليمن، المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومنظمة سام للحقوق والحريات، (فبراير 2021)، ص5.
[5] فضل عبدالله الربيعي وأمل صالح راجح، سوسيولوجيا الحرب في اليمن، (عدن: مركز مدار لدراسات الرأي العام، 2023)، ص.ص74-75.
[6] يزيد الجداوي، أثر حرب اليمن على أولويات واحتياجات الشباب، مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية، (يناير 2022)، ص28.
[7] أمين إسماعيل الشيباني، الاقتصاد اليمني والحرب، (صنعاء: "د.ن"، 2022)، ص261.
[8] غاستون بوتول، هذه هي الحرب، ترجمة: مروان القنواتي، (بيروت ــ باريس: منشورات عويدات، 1981)، ص83.



