الدكتور إبراهيم إسحاق ورائعته"صنعاء الوجه الآخر» (2-2)

وُجُود عبدالحميد سَهَّلَ الزِّيارَة، وقد قام بربط الكهرباء، وعَمِلَ على توفير منحة لنديم لدراسة الطِّبّ في جامعة الأزهر.
ويجري الحديث حول رؤية عبدالنَّاصِر، ومصافحته، وسيرى أم كلثوم، وعبدالحليم حافظ، وَشَادية، ونجاة الصَّغِيرة، وفريد شوقي، ونادية لطفي، ورشدي أباضه.
ويؤكد الِّلقَاء بعدالنَّاصر؛ فهو أبو العرب من المُحِيط إلى الخَليج. ويسأل إبراهيم نديم: إن كان سيرى فريد شوقي؟
فيرد: كيف لا؟!
وإسماعيل ياسين الذي زَارَ اليمن. وتبقى صورة أبيه في ذهنه. لا يُسمَح إلا بزيارة فرد واحد؛ فَيَظلّ إبراهيم ثمانيةَ أيام يَتردَّد للزِّيارَة دُونَ جَدوى، ولكن زميلهم يحيى بدور الذي أصبح ضَابطًا يتوسط له للدخول لزيارة أبيه!
يزور أباه هُوَ، ومنصور، فيسلم منصور كيس الكُدَم؛ فيتساءل منصور: إنَّهَا كُدَم للعائلة.
يعرف منصور أنَّ أخاه نديم يتسلم الكدم كُلَّ مرة ويبيعها؛ فيعمل له مُشكِلَة في البيت، وَيَتعَّرض لِلَّوم من عَمَّتهِ أسماء الَّتِي تُحِبُّه، وَيُعَوِّلُ عليها في مساعدته لِلسَّفَر إلى مصر.
يقدم وَصفًا لقضاء شهر رمضان، والعادات في صنعاء، وَالصَّلاة في الجامع الكبير، وصلاة الصِّغَار في الصُّفُوف الخَلفِيَّة ولعبهم.
ويلاحظ أنَّ أصحاب المَسجِد يلاحظون المُصَلِّين الجُدُد، وطرائقَ إفطارهم الجماعي، وَالتَّشدُّد في التقيد بغروب الشمس، والخلاف حول وقت الأذان، والمواظبة على قراءة القرآن. وَللسيجارة علاقة في علاقات الأخوة وفي التَّرَدُّد إلى القَهوَة.
أمَّا صَلاح ابن البهلول، فيقول: إنَّهُ لا يدخل القهوة. ولو رآه أبوه؛ لَحَرَّمَ عَليهِ دخول البيت.
ويدعوهم القاضي جمال للعشاء في منزله، وَتَعُمُّ الدَّعوة نديم، ومنصور، ومحمود.
وَيَدور الحِوَار حول خُطْبَة الجمعة؛ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي ألقَاهَا الشَّيخ، وعن الجلوس في القهوة، وسماع الإذاعة.
وَيَتناول السَّارِد سِيرَة علي عبدالسَّتَّار المتمرد على أبيه، وعلى الأسرة؛ والذي ذَهَبَ إلى عدن، ولعبتهم تحت ضوء الفانوس الخافت مع صلاح ابن الشيخ لعبة «الصُّوفِي وَالسَّارِق»، وما يترتب على الفائز والخاسر فيها، ويجري فِيهَا الرِّهَان.
يأتي عَمُّهُ عبدالحميد بزوجته الحامل؛ لِتَضَع عندهم؛ والعناية بها، ويأتي معه بابن عمهم علي عبدالسَّتَّار، وَيُعَرِّفُهُم عليه.
أنكَرَ علي عليهم الُّلعبة، ويدلهم على لَعِب «البَّطة والكوتشينة»، ويخرج من جيبه أوراق الَّلعِب بعد إبهارهم بنوع السيجارة الإنجليزية وَالقَدَّاحَة، ويتوقعون من العائد من عدن أنه قد عَرَف السِّينمَا؛ وَرُبَّمَا اللغة الإنجليزية.
ويستغربون من هذا المُتَمرِّد غير المُهتمّ باعتقال أبيه، ولا بحال أمِّه. وَمَعَ حيرتهم واستغرابهم، لا يسألونه عن شَيء.
ويبدأ في تعليمهم الُّلَعَب الجديدة. لا يَتسحَّر مَعَهُم، ولا يأتي إلى المسجد. تستقبله أمه بلهفة خَائفةً أن يفلت منها مَرةً أخرى، ويعرف أبوه بعودته، ولا يبدي اهتِمَامًا بعدم زيارته له.
وبينما هم عَاكِفونَ على تلاوة القرآن ليلة العيد، يقوم علي بإشعال سيجارته «التريفايف»، أمامَ أمِّهِ وخالاته غير مهتم، وينظر إليه أولاد عمومته المُدَخِّنينَ سِرًّا ويحسدونه، ويستغربون عدم مبالاته بالأسرة.
يضغط صالح مهدي- زوج ابنة عَمِّهِمْ عبد السَّتَّار على عَمَّتِهِ؛ للمطالبة بإرث أبيها من نَصِيب جَدِّهم الكبير؛ فيدفع عَمُّهُمْ عبد الحميد لعلي عبد السَّتار مَبلغًا، وَيَتَّضِح أنَّهُ افتتحَ مَقهىً كَبيرًا خَارِجَ صنعاء على طريق المُسَافرين إلى الحديدة، وَضَمَّ فيه ضُبَّاطًا، وَجُنُودًا، وبَاعة قَات، ومخبرين، وَسائقي سَيَّارات نقل مغامرين تَعَرَّفَ عَليهِم.
يسافر نديم إلى مصر للالتحاق بكلية الأزهر، ويأمر عبد الحميد ابن أخيه منصور بِالتَّرَدُّد على ابن عَمِّهِ على في المقهى؛ حتى لا يشعر بالانقطاع عن الأسرة، وَيَرى أنَّ عمل القهوة أفضل من مساعد سائق.
تلد زوجة عبدالحميد ويسمى المولود باسم أخيه عبدالوهاب المقاتل في نجران؛ والذي يسكن في شقته؛ وَهُوَ أحَبُّ إخوته إليه.
استطاع علي أن يقنع سمير بإغلاق قهوته بالمدينة، والانضمام إليه. كانوا ضُيوفًا على عَلِي كُلَّ خميس؛ يلعبون الدُّومينو، وَيَشربونَ الشَّاي لسماع مقالة هيكل في صحيفة «الأهرام»؛ والذي لا يفهمون الكثير مِمَّا يقول، وَيُكَافَأ السَّارِدَ أحيانًا بنصف سيجارة
الحَاجّ لُطفِي يأتي أحيَانًا إلى القهوة، ويسهر إلى ما بعد منتصف الليل؛ خُصُوصًا إذا توفر نِصف قارورة ويسكي، وَيُوَفِّر سَمير طبق الَّلحم الصِّغَار، وَيَأتونَ إلى البيت مَتأخِّرِين، وَيَعِدُونَ بعدم التِّكرَار، وَيُصَدَّقُون بِأنَّهُم قد صَلُّوا.
يأتي الحاج لطفي، ومعه ضيف كبير، ويسأل: «هل الموضوع متوفر؟».
يُرَحِّب به عَلي، ويطمئنه.
يقول لطفي لِلضَّيف الضَّابِط الكبير: «هذا علي الذي كَلَّمتَكْ عن أبيه المسجون»؛ فيقول الضَّابط: «غدًا، أو يوم السَّبت سأعطي أمرًا بالإفراج عن أبيك».
وأعطاه الاسم؛ عبد السَّتَّار على الواعي، ومعتقل من ثاني أيام الثَّورة، وَالتُّهمة العِمَامَة، وَيَنصَح بلبس الكوفية البيضاء.
يُفَاجِئ أولاد أخيه: منصور، ومحمود بقدومه مع عمهم عبدالسَّتار على السَّيارة اللاندروفر، مع الحاج لطفي الذي يطلب إليهم نقل الضِّيَافة: كيس قمح، وكيس دقيق، وكرتون فول مدمَّس.
ويدرك إبراهيم مَدَى سعادة أبيه بخروج أخيه من السِّجن. يَسأل عبد الستَّار: من يدفع ثمن الكهرباء؟
وَتَردُّ عليه زوجته بِأنَّهم يدفعون النِّصف؛ لأنَّهَا مُسَجَّلَة باسم أخيه عبد الحميد؛ فيقول: هذا تحايل.
ويطلب قطع أسلاك الكهرباء خَوفًا من ادِّعَاء عبدالحميد مِلكِيَّة البَيت.
تَمضِي عِدَّة أيام لا يقوم على بزيارة أبيه؛ مَخافةَ أن يُحَاسِبهُ على ما أخذه من عَمِّهِ، ويرفض عبد السَّتَّار طلبَ زوجته زيارة ابنه، وينتظر علي مجيء عَمِّهِ عبد الحميد.
ينتقل عبدالحميد إلى صنعاء، بعد انسحاب الجيش المصري، وَلَكِنَّهُ يستأجر مَنزِلاً مُنفَرِدًا، ولا يزور العائلة إلا بعد فترة، ولا يلتقي بِعَبدِ السَّتَّار.
ويبدأ عَبد السَّتَّار في المشاكل مع الأسرة كُلِّهَا حَولَ الكهرباء، وَمَنْ يدفع أكثر، ويحاول فصل الكهرباء عن الأسرة، ويطالب بعدم تشغيل مكنة الخياطة؛ لأنَّهَا تصرف أكثر من الكهرباء؛ كَمَا يهتم بافتعال مشاكل مَعَ الأسرَة؛ حول بعض الزِّينة التي تتزين بها زوجة أخيه، وتشغيل مَضَخَّة المِيَاه الكبيرة.
وبعد انقلاب الخامس من نوفمبر 1967، يجد عبد الحميد نفسه في مواجهة مع جحافل المقاتلين الملكيين الذين قد يكون بينهم أخوه الأحَبُّ إلى قلبه: عبد الوهاب الذي أمره بالالتحاق بالكلية الحربية، وَسَمَّى ابنه باسمه، وَنَدِمَ كَثيرًا عندما عَرَف بمقتل أخيه محمد بقذيفة أصابت حَيَّ الإذاعة إبَّانَ الحِصَار، وقال: قَتَلهُ عبد السَّتَّار.
قرأت رِوَاية الدُّكتور إبراهيم إسحاق عَقِبَ صُدُورِهَا، وَأذكرُ نَدوةً أقامها أستاذنا علي أبو الرجال احتفاءً بِالرِّوَاية، وَكُنتُ مُشَاركًا، وَكَانَ النِّقاش تَحيَّة لِلصُّدور.
عندما أعدت قِراءة الرِّواية شَعَرت بالمأساة الكبرى التي عاشها الطِّفل إبراهيم إسحاق ابن صنعاء، وابن الأسرة التي كان لها باع طويل في الحكم، وَاشتَهَرت بالعلم والأدب والتأليف.
يَفتح الطِّفل ذُو السِّتَّة أعوام والنصف عينيه على انفجار هَائِل قُربَ منزلهم في حَيّ الإذاعة؛ فَيهرب عمه عبد الوهاب وزوجته وابنته إلى السُّعوديَّة؛ مُقَاتِلاً مَعَ الملكيين، وَيُعدم جَدُّهُ أبو أمِّهِ، وَيُعتقل أبوه، وعَمُّهُ عبد السَّتَّار في اليوم التالي للثورة، وَيُطرَدُون من بيتهم إلى مَنزلٍ مُؤقَّت، ثُمَّ يُطردونَ مَرَّةً أخرى بعد نهب أثَاثِهِم.
يفرح بِالدَّرس الجديد، وبالأساتذة المصريين، وبوجود أستاذ لِكُلِّ مَاَّدة من المواد، ويتابع الإذاعة (صوت العرب)، ويسمع المذيع أحمد سعيد؛ فتزجره خالته ضُحَى من الاستماع إلى هذه الإذاعة.
يَعيش مَشروخًا بين الحياة الجديدة، وَحُبِّه، وَوَفائه، وَحُزنه على مَا لَحِقَ بأسرته، والمعاناة، والعذاب، والخوف، وانقسام الأسرة وشتاتها. فالنسوة الخائفون في البيت، والوالد والعَمّ في السِّجن، وَعَمّ يقاتل مع الملكيين، وجزء من الأسرة هارب في السُّعودِيَّة.
مجيء العم عبد الحميد يعيد إليه قَدرًا مِن التَّوازُن؛ فَهُوَ الضَّابِط الجُمهُوري الذي يخفف من آلام الأسرة، وَيَبعث نَديم لِلدِّرَاسة الجامعية بمصر، وَيُعِيد على بن عبد السَّتَّار من عدن، ويكون المتولي بإخراج وَالِدهِ من السِّجن.
أمَّا محمد علي؛ والد الروائي؛ فَيُستَشهَد في قصف الملكيين على الإذاعة، وَيُدافع عبد الحميد عن صنعاء في «حصار السَّبعين».
الدُّكتور إبراهيم محمد إسحاق شَاعِر، وَسَارِد، وَرِوائي مُتَمكِّن له «رواية درويش وثلاث نساء»، و«الثائرون العُشَّاق»؛ صَدرَ منه الجُزْء الأول.
وهو أديب كبير على جانب عظيم من الأدب، وَالخُلُق، وَالتَّوَاضُع، وَالاتِّزَان. يؤرخ بموضوعية، وصدق داخل الأسرة الصَّنعانية؛ ويمتد ليعطي صُورةً صَادِقةً عن حالة ما قبل العام 1962 في صنعاء، وَالتَّحَوُلات التي شهدتها المدينة، والانقسام في الأسرَة.
الطبيب الصيدلاني شهرته الأدبية فَائقة ورائعة، وَقد كُرِّمَ مِن قِبَل الشَّيخ محمد صالح باشراحيل للإبداع الثَّقافي عن روايته «صنعاء الوجه الآخر»، وله إصدارات أدبية وشعرية تمت الإشارة إليها في الحلقة السَّابِقَة.
