الخميس 20 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • مؤتمرات البحر الأحمر بين الماضي والحاضر والمستقبل (3)

مؤتمرات البحر الأحمر بين الماضي والحاضر والمستقبل (3)

إذا كانت الحلقة الأولى تحدثت عن تاريخ المؤتمرات وصراع المحاور، فإن هذه الحلقة ستسلط الضوء على "الملفات المنسية" التي تجاهلتها كل المؤتمرات السابقة تقريبًا، وهي ملفات لا تظهر في البيانات الختامية، لكنها متعلقة بواقع الناس في سواحل اليمن والصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا والسودان.

وأول تلك الملفات ملفات اقتصاد الظل، المتمثلة بالتهريب والهجرة غير الشرعية، رغم أن كل المؤتمرات تتحدث عن "مكافحة الإرهاب"، وبالمقابل لا أحد يتحدث عن الاقتصاد الموازي الذي يغذي 60% من سواحل الإقليم، وباب المندب لم يعد ممرًا للنفط فقط، فقد صار ممرًا للهجرة غير الشرعية. وتذكر التقارير الإخبارية أن شبابًا من إثيوبيا والصومال يدفعون 500 دولار للمهربين للوصول بهم إلى اليمن، وغالبًا ما تتعرض حياة الشباب المهاجرين من تلك الدول للخطر، وفي حال كتبت لهم النجاة فتكون اليمن مركزًا لانطلاق هؤلاء الشباب المهاجرين باتجاه السعودية، ولا يوجد مؤتمر واحد خصص جلسة واحدة لإنقاذهم أو جلسة لتجفيف منابع الفقر التي تدفعهم للموت.
ومن الملفات المنسية التي تجاهلتها المؤتمرات السابقة، ملف تهريب السلاح والوقود من المهرة إلى صعدة، ومن جيبوتي إلى الصومال. وقد صار التهريب صناعة مثل بقية الصناعات الأخرى، وأي مؤتمر أمني يتعرض للفشل، لأنه لا يجد إجابة صريحة واضحة لسؤال من المستفيد من استمرار هذا التهريب؟
ومن الملفات المنسية في المؤتمرات السابقة أيضًا، ملف صيد الأسماك غير القانوني. وتقوم سفن أجنبية بجرف أسماك سواحل الصومال وإريتريا، ويتعرض الصياد المحلي إلى فقد رزقه، ويتحول للقرصنة.
وكل المؤتمرات السابقة لم تتحدث عن "القرصنة" كجريمة، وتتجاهلها، وتظل القرصنة مرضًا خطيرًا يستعصي على العلاج.
وخلاصة كل ما ذكر أنه بدون التشخيص الدقيق للمرض، وبدون معالجة اقتصاد الظل، فأية اتفاقية أمن بحري، ستبقى حبرًا على ورق.
ومن الملفات المنسية في مؤتمرات البحر الأحمر السابقة، ملف الحرب على الكابلات أو ما يمكننا تسميتها معركة الإنترنت الصامتة، فالملاحظ أن 90% من حركة الإنترنت بين آسيا وأوروبا تمر من قاع البحر الأحمر، وفيه أكثر من 15 كابلًا بحريًا دوليًا.
ويذكر أنه في عام 2024م تم قطع 4 كابلات في باب المندب، وتوقفت دول بأكملها. ورغم ما حدث لم يعقد مؤتمر إقليمي واحد لمناقشة "حماية الكابلات" كملف استراتيجي، ولا أحد يقوم بحماية تلك الكابلات، وأصبحت كل دولة تقوم بحماية مياهها الإقليمية فقط، بينما الكابل يمر عبر 5 دول، وهو ما يجعلنا في أمس الحاجة إلى "اتفاقية حماية البنية التحتية البحرية"، لكن هذه الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات غائبة عن كل الأجندات، وفرصة
الإقليم الوحيدة أنه يستطيع أن يتحول إلى "مهبط رقمي" لو قامت دول الإقليم بتحويله إلى مركز تبادل بيانات إقليمي في عدن أو جيبوتي.
والمؤسف أن المؤتمرات مازالت تتحدث عن البوارج الحربية والفرقاطات، ولا تتحدث عن البيانات.
ومن الملفات المنسية في مؤتمرات البحر الأحمر السابقة، ملف الاحتباس الحراري، والجميع يعلم أن البحر الأحمر من أكثر البحار في العالم تأثرًا بالاحتباس الحراري، ودرجة حرارته ترتفع أسرع من المتوسط العالمي، حسب الدراسات المتعلقة بالمناخ.
ومن نتائج الاحتباس الحراري الماثلة على أرض الواقع، أن الشعب المرجانية تموت. وتشير الدراسات إلى أن 70% من شعاب البحر الأحمر مهددة بالانقراض، وهذا يعني انهيارًا للثروة السمكية وانهيارًا للسياحة.
ومن نتائج الاحتباس الحراري الجفاف الذي يدفع السكان في تلك المنطقة للهجرة، وموجات الجفاف في القرن الإفريقي تدفع الملايين للنزوح نحو السواحل، والمؤتمرات تناقش أوضاع "اللاجئين" أمنيًا، ولا تناقش أوضاع "المناخ" كسبب من أسباب النزوح.
ومن نتائج الاحتباس الحراري ارتفاع منسوب مياه البحر، ولهذا فإن مدنًا ساحلية مثل عدن وزيلع والمخا، مهددة بالغرق خلال 30 سنة، حسب التوقعات.
ويخطر بالبال سؤال عن بند "المناخ" وأين موقعه في قمة البحر الأحمر 2020م؟ ففي هذه القمة كان بند المناخ غير موجود، وكأن البحر الأحمر لن يتغير.
ومن الملفات المنسية في مؤتمرات البحر الأحمر السابقة، المرأة والصيادون، وهم الغائبون الدائمون، وكل مؤتمرات البحر الأحمر السابقة لم يشارك فيها صياد واحد، وهذا ما حدث وما يحدث، والمرأة الساحلية في اليمن والصومال وإريتريا هي من تصنع شباك الصيد وتسوق السمك وتدير البيت وقت غياب الرجل في البحر. ورغم هذا لا كرسي لها في أي مؤتمر، وكذلك الصيادون هم أول من يواجه خفر السواحل الأجنبية، وأول من يرى السفن المشبوهة، وأول من يدفع ثمن القرصنة، ومع هذا لا تصل أصواتهم لمنصات الرياض وأديس أبابا.
وأي مؤتمر مستقبلي جاد يتوجب عليه أن يبدأ من "مخيم الصيادين" لا من "قاعات الفنادق"، ولا بد من مقترحات عملية للحلقة القادمة من المؤتمرات. وبما أننا حاولنا قدر الإمكان تشخيص الداء، فما هو الدواء؟ وأول الأدوية الناجعة لعلاج الأدواء المذكورة آنفًا إنشاء ''المركز الإقليمي لمراقبة الكابلات والبيئة البحرية"، ويكون مقره مدينة عدن أو جيبوتي، ومهمته مراقبة الكابلات وتتبع التلوث والإنذار المبكر للكوارث المناخية، ويضم خبراء لا وزراء.
ومن المعالجات للأدواء المشار إليها أعلاه، تأسيس "صندوق البحر الأحمر للصيادين"، ويكون
تمويل هذا الصندوق من رسوم عبور السفن، لدعم قوارب الصيد الصغيرة، وتأمين مواجهة القرصنة، وتدريب النساء على الصناعات السمكية.
ومن المعالجات للأدواء المذكورة سابقًا، انعقاد مؤتمر سنوي "للاقتصاد الأزرق الشعبي"، لا يحضره الرؤساء، بل يحضره تجار وصيادون وشركات ناشئة وبنوك، وهدفه إقامة مشروع واحد فقط كل سنة، ومن هذه المشاريع ربط ميناء بميناء، أو خط كهرباء أو سوق مشتركة للأسماك.
وخاتمة الحلقة الثالثة أن المؤتمرات السابقة فشلت فشلًا ذريعًا، لأنها ناقشت "البحر الأحمر" كخريطة في غرفة مكيفة.
ونجاح المؤتمرات القادمة سيكون عندما تناقش "البحر الأحمر" كرزق في يد صياد، وكابل في قاع البحر، وشعبة مرجانية تحت الماء.
ونهاية الكلام هو أن الإقليم لا يحتاج إلى 13 مؤتمرًا عن الأمن، بل يحتاج مؤتمرًا واحدًا عن الحياة.