الثلاثاء 18 أغسطس 2026

كيف استعاد أدباء ذمار مقرهم؟

كيف استعاد أدباء ذمار مقرهم؟

معركة قضائية طويلة، أسند فيها عبده الحودي ظهره إلى الفراغ، وعون محدود من الأصدقاء والأنشَطة ورفاق القلم، سدنة الكتابة والأدب، ليمضي في معركة لم يكن يملك فيها من السلاح سوى مطرقة القضاء، حتى انتصر في النهاية، واستعاد بيت الأدباء والكتاب في ذمار، مقر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من النهب والاستحواذ.

تبدأ الحكاية في عام 2019، حين اقتحم رجل برفقة مجموعة من المسلحين القبليين، مقر الاتحاد، حاملًا ورقة قال إنها "بصيرة بيع المبنى". خرج الرجل من المقر تحت ضغط الوساطات ورجال الأمن، لكن الأمر لم ينتهِ عند ذلك؛ ففي غضون ستة أشهر فقط، عاد برفقة المسلحين واقتحم المبنى أربع مرات.
وطوال عامين، ظلت محاولات الاستيلاء على المقر تتعثر أمام الرفض والمواجهة القانونية، حتى جاءت المحاولة الأخيرة في عام 2020م، حين أقدم الرجل ومسلحون برفقته على هدم أجزاء من المبنى المغلق، وإدخال نساء وأطفال إليه، في محاولة لفرض أمر واقع يصعب على الاتحاد التعامل معه.
من هنا بدأت معركة قضائية طويلة، امتدت لسنوات، وتنقلت بين أقسام الشرطة والنيابة والمحاكم، فيما كان مدعي ملكية المبنى، وهو شخصية نافذة، يتمسك بادعاء شراء المبنى والأرض بموجب توكيل من الأدباء والكتاب في ذمار.
وخلال سنوات النزاع، لم يكتفِ الرجل بمحاولة فرض وجوده في المقر، بل شرع في استحداثات وأعمال إنشائية واسعة، وإجراء إصلاحات داخل المبنى، في محاولة لتحويله إلى سكن عائلي خاص، بينما ظل الاتحاد يتمسك بحقه في ملكية المقر.
لكن المعركة التي بدأت بالقوة انتهت في قاعات القضاء. ففي سبتمبر من العام 2024م، قضت محكمة الأموال العامة بمحافظة ذمار بأحقية فرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بذمار في ملكية مقره، بعد نزاع استمر عدة سنوات.
مبنى الاتحاد في ذمار
مبنى الاتحاد في ذمار
وخلال مسار التقاضي، عجز مدعي ملكية المبنى عن تقديم وثائق قانونية تثبت صحة ادعائه، فيما أدانت المحكمة المتهمين بالاعتداء وتزوير الوثائق، وأصدرت بحقهم أحكامًا بالحبس والغرامات، لتضع بذلك حدًا لمعركة شاقة خاضها الاتحاد لاستعادة مقره.

مبنى الاتحاد

مبنى اتحاد الأدباء والكتاب بمحافظة ذمار لم يكن وليد سنوات الحرب؛ فقد اشترت وزارة الثقافة الأرض المخصصة للمقر قبل اندلاع الحرب بسنوات، وتولت بناء المبنى لصالح الاتحاد.
لكن مشروع المقر توقف عام 2011م قبل استكمال تشطيباته، وظل المبنى مغلقًا وغير مكتمل، فيما بقيت الأرض المحيطة به بلا استثمار أو استخدام فعلي.
وكان من المفترض أن يتحول المكان إلى بيت يجمع أدباء ذمار وكتابها، ومساحة ثقافية تتيح لهم الالتقاء وممارسة نشاطهم الفكري والأدبي والثقافي، ومكان تتقد فيه شعلة الأدب.
غير أن بقاء المبنى مغلقًا لسنوات، وعجز إدارة فرع الاتحاد عن استكمال تشطيبه بسبب محدودية الإمكانات المالية، جعلاه عرضة لأطماع متنفذين، حاول بعضهم تحويل غياب أصحابه إلى فرصة للاستحواذ عليه.
بيت الأدباء الذي كان يفترض أن يكون مساحة للقصيدة والقصة والكتاب، وجد نفسه في قلب نزاع على الملكية، فيما اضطر الأدباء إلى خوض معركة لا تشبه معاركهم المعتادة؛ معركة كان عليها أن تنتقل من صفحات الكتب إلى أوراق المحاكم.

من الأدب إلى القضاء

لم تكن معركة عبده الحودي، في جوهرها، دفاعًا عن جدران مبنى فحسب، بل عن مكان يفترض أن يكون ملكًا عامًا للحركة الأدبية في المحافظة.
واليوم، يسكن عبده الحودي داخل المبنى، لا باعتباره منزلًا خاصًا، بل في محاولة لحمايته من أي أطماع جديدة، ولإبقاء عين الاتحاد مفتوحة على مقره الذي استعادته سنوات من التقاضي.
هكذا انتهت واحدة من أطول معارك الأدباء خارج صفحات الكتب؛ معركة بدأها آخرون بمسلحين وبصيرة بيع، وخاضها الأدباء بأوراقهم، وانتهت بحكم قضائي أعاد بيت الأدباء والكتاب في ذمار إلى أصحابه.
إغلاق قضية مقر اتحاد الأدباء والكتاب بذمار لا يعني إغلاق بقية ملفات مقرات الاتحاد في مدن أخرى.