منع جثمان محمد مهدي الكويتي من العودة إلى صنعاء.. هل تمتد الخصومة إلى الموت؟

رحيل البرلماني والتربوي اليمني في القاهرة ودفنه فيها يفتح سؤالًا عن حدود الخلاف السياسي وحق الموتى في العودة إلى وطنهم
يفتح منع نقل جثمان البرلماني والتربوي اليمني محمد مهدي الكويتي من القاهرة إلى صنعاء، بحسب أسرته ومصادر مقربة منها، سؤالًا يتجاوز مكان الدفن إلى حدود الخصومة السياسية: هل يمكن أن تمتد الخلافات إلى ما بعد الموت؟
توفي الكويتي أمس في العاصمة المصرية القاهرة، بعد صراع مع المرض إثر خضوعه لعملية جراحية. وكانت أسرته ترغب في إعادة جثمانه إلى اليمن ودفنه في صنعاء، حيث عاش سنوات طويلة، أو في مسقط رأسه بين أهله ومحبيه، إلا أنها اضطرت إلى دفنه اليوم في القاهرة، بعد تعذر نقله إلى صنعاء.
وتقول أسرته ومصادر مقربة منها إن جماعة الحوثيين، التي تسيطر على العاصمة، منعت دخول الجثمان إلى صنعاء. وإذا كان المنع قد تم بالفعل بقرار من سلطات الأمر الواقع، فإن السؤال يظل قائمًا: ما الأساس الذي استند إليه القرار؟
رجل تعليم وبرلمان
ارتبط اسم محمد مهدي الكويتي، منذ وقت مبكر، بالتعليم والعمل التربوي والمجتمعي في محافظة ريمة، وكان من الشخصيات التي أسهمت في تأسيس وترسيخ مؤسسات التعليم والتأهيل فيها، ومن بينها معهد المعلمين في مديرية كسمة، الذي أسهم في إعداد أجيال من المعلمين الذين حملوا رسالة التعليم إلى قرى ومديريات المحافظة.
وفي عام 1993، انتُخب عضوًا في مجلس النواب عن الدائرة الانتخابية رقم (226) في مديرية كسمة، في أول انتخابات برلمانية أعقبت قيام الوحدة اليمنية، وظل حاضرًا في الحياة البرلمانية خلال دورات متعاقبة، كما ترأس الكتلة البرلمانية لأعضاء مجلس النواب عن محافظة ريمة.
وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظل الكويتي حاضرًا في الحياة العامة، تربويًا وبرلمانيًا واجتماعيًا، وعرفه أبناء ريمة في مواقع مختلفة، مشاركًا في قضايا المحافظة وهموم أبنائها. وقد وصفه مجلس النواب في بيان نعيه بأنه ظل صوتًا لأبناء دائرته الانتخابية منذ عام 1993، ومارس أدوارًا وطنية وبرلمانية وتنويرية وتنظيمية خلال مسيرته.
لماذا مُنع جثمانه؟
إذا كان المنع مرتبطًا بموقف سياسي سابق للراحل، أو بعضويته في مجلس النواب الواقع خارج سيطرة الحوثيين، أو بعلاقات سياسية، فمن حق أسرته والرأي العام معرفة ذلك بوضوح. أما منع جثمان مواطن يمني من العودة إلى بلاده دون سبب معلن، فيطرح تساؤلًا أكبر حول المعايير التي تحكم التعامل مع جثامين اليمنيين.
ويزداد السؤال إلحاحًا بالنظر إلى حالات أخرى لبرلمانيين يمنيين كانت لهم مواقف سياسية وعسكرية أكثر وضوحًا في مواجهة الحوثيين، ومع ذلك عادت جثامينهم إلى صنعاء.
فالنائب حسين بن عبدالله الأحمر، الذي كان طرفًا في مواجهات مسلحة مع الحوثيين، توفي في الدوحة عام 2022 وعاد جثمانه إلى صنعاء. وكذلك النائب ناجي جمعان الجدري، الذي شارك في أحداث سبتمبر 2017 إلى جانب الرئيس السابق علي عبدالله صالح، عاد جثمانه إلى العاصمة بعد وفاته ودُفن فيها.
ولا يتعلق استحضار هذه الحالات بتقييم مواقف أصحابها، وإنما بطرح سؤال بسيط: إذا كان حق العودة والدفن في الوطن متاحًا لآخرين، فلماذا حُرم منه محمد مهدي الكويتي؟
هل تستمر الخصومة بعد الموت؟
في الحروب والانقسامات، قد تتسع الخصومة السياسية إلى أقصى حدودها، لكن الموت يفترض أن يكون إحدى النقاط التي تتوقف عندها الخلافات.
فالإنسان بعد وفاته لا يستطيع الدفاع عن نفسه أو شرح مواقفه، وتبقى أسرته وحدها أمام ألم الفقد. لذلك يفترض أن يكون التعامل مع الجثمان شأنًا إنسانيًا، ما لم يوجد مانع قانوني واضح ومعلن.
ولا تطلب ريمة، في قضية الكويتي، امتيازًا خاصًا، وإنما تطالب بمعاملة متساوية، وألا يتحول الانتماء الجغرافي أو الموقف السياسي إلى معيار يحدد كرامة الإنسان حتى بعد وفاته.
إن كان منع جثمان محمد مهدي الكويتي قد صدر بالفعل عن جماعة الحوثيين، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُجاب عنه ليس فقط: لماذا مُنع من العودة؟ بل أيضًا: هل توجد قاعدة واحدة تحكم التعامل مع جثامين اليمنيين، أم أن الأمر يختلف باختلاف مواقفهم السياسية؟
لم يعد الكويتي يطلب منصبًا أو نفوذًا أو مكسبًا سياسيًا. كل ما تبقى منه جثمان وذكرى، وكل ما أرادته أسرته أن تودعه في وطنه وبين أهله. لكن ذلك لم يحدث.
رحم الله محمد مهدي الكويتي، وألهم أسرته وأبناء ريمة الصبر والسلوان.
فحين لا نتساوى في الحياة، أفلا ينبغي أن نتساوى في الموت؟



