الشهادات الدراسية ضحية الانقسام السياسي.. قرار حكومي يهدد مستقبل آلاف الطلاب

فتح القرار الذي أصدرته وزارة التربية والتعليم في الحكومة المعترف بها دوليًا، والقاضي بإيقاف العمل بآلية تعميد أو تأكيد الشهادات الدراسية الصادرة من المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، بابًا واسعًا من الجدل، وسط تحذيرات من أنه قد يعطل مستقبل آلاف الطلاب داخل اليمن وخارجه، ويضيف أزمة جديدة إلى قطاع التعليم الذي يرزح تحت وطأة الحرب والانقسام.
وجاء في التعميم، الموجه إلى الإدارة العامة للاختبارات، إيقاف العمل بآلية تعميد أو تأكيد "أي شهادات دراسية صادرة من المناطق غير المحررة أيا كان مستواها". وهو ما أثار صدمة واسعة بين الطلاب والأوساط التربوية.
تداعيات مباشرة
ويحذر مختصون من أن وقف اعتماد الشهادات يترتب عليه تعطيل إجراءات الالتحاق بالجامعات داخل اليمن وخارجه، ومعادلة المؤهلات، والحصول على المنح الدراسية، أو استكمال الطلبة لدراستهم في الخارج، إذ إن الشهادة غير المعتمدة تفقد قيمتها القانونية لدى المؤسسات التعليمية.
وتزداد خطورة القرار بالنظر إلى أن غالبية الطلاب اليمنيين يدرسون في المحافظات الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي، ما يجعل آثار القرار تمتد إلى شريحة واسعة من الطلبة الذين لا يملكون أي دور في الانقسام السياسي أو الإداري القائم.
وقوبل القرار بانتقادات واسعة، اعتبرت أنه يعاقب الطلاب بسبب واقع جغرافي وسياسي خارج عن إرادتهم، ويعاملهم باعتبارهم جزءًا من الصراع، رغم أن التعليم يعد من القطاعات التي يفترض تحييدها عن الخلافات السياسية.
كما أثار القرار تساؤلات حول مدى دراسة آثاره قبل صدوره، خصوصًا أنه لم يتضمن أي حلول للطلاب الذين يحتاجون إلى اعتماد شهاداتهم بصورة عاجلة لاستكمال تعليمهم أو الالتحاق بجامعات خارج البلاد.
توضيح بعد الجدل
وبعد تصاعد الانتقادات، أصدرت الوزارة بيانًا توضيحيًا أكدت فيه أن القرار لا يشمل جميع الشهادات الصادرة من مناطق سيطرة الحوثيين، وإنما يقتصر على الشهادات التي لا تتوفر لها قاعدة بيانات رسمية يمكن الرجوع إليها للتحقق من صحتها.
وأرجعت الوزارة القرار إلى اعتبارات قانونية ومهنية، مشيرة إلى أن غياب قاعدة بيانات موثوقة يحول دون التحقق من بعض الوثائق الدراسية، ويجعل اعتمادها يحمّل الوزارة مسؤولية قانونية في حال ثبت تزويرها.
وأكدت في الوقت نفسه أن الشهادات الخاصة بالأعوام الدراسية التي تتوفر بياناتها لدى الوزارة ستظل خاضعة لإجراءات الاعتماد المعتادة.
غير أن هذا التوضيح أثار بدوره مزيدًا من التساؤلات، إذ بدا مختلفًا عن نص التعميم الأصلي الذي نص صراحة على وقف اعتماد أي شهادات صادرة من المناطق "غير المحررة" أيا كان مستواها، دون الإشارة إلى قواعد البيانات أو تحديد سنوات دراسية معينة. كما أن التوضيح نفسه لم يبدد حالة الغموض، إذ ظل الحديث عن "قواعد البيانات" عامًا، دون توضيح ماهية هذه القواعد، أو الأعوام الدراسية التي يشملها القرار، أو المعايير التي استندت إليها الوزارة في التفريق بين الشهادات التي ستُعتمد وتلك التي سيستمر وقف التصديق عليها، الأمر الذي أبقى الباب مفتوحًا أمام التكهنات والتفسيرات المتباينة.
البحث عن حلول
وعكست البيانات والتوضيحات المتلاحقة الصادرة عن الوزارة حالة من الارتباك في إدارة الملف، إذ انتقلت من تعميم بصيغة عامة يشمل جميع الشهادات الصادرة من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، إلى بيانات لاحقة تضمنت استثناءات ومبررات لم ترد في القرار الأصلي، قبل أن تعلن أنها تتابع الملف مع رئيس الوزراء لإيجاد حلول فنية وإدارية تتيح الوصول إلى قاعدة بيانات موثوقة، بما يضمن اعتماد الشهادات بصورة قانونية.
واعتبر مراقبون هذا التوجه اعترافًا ضمنيًا بوجود إشكالية في القرار بصيغته الأولى، وأن معالجة غياب قواعد البيانات كان يفترض أن تسبق إصدار قرار قد ينعكس بصورة مباشرة على مستقبل آلاف الطلبة.
وقالوا إن حماية الوثائق التعليمية من التزوير تمثل مسؤولية لا خلاف عليها، لكن تحقيق هذا الهدف يجب ألا يأتي على حساب الطلاب، أو يؤدي إلى تعطيل حقهم في التعليم واستكمال دراستهم، بما يجعلهم ضحايا جدد للانقسام الذي تشهده مؤسسات الدولة.



