غموض يلف قضية السكر البرازيلي.. تضارب التقارير يضع منظومة الرقابة تحت المجهر
تحولت قضية السكر البرازيلي المتداول في الأسواق اليمنية خلال الأيام الماضية إلى ملف يثير أسئلة تتجاوز المنتج نفسه، لتطال كفاءة منظومة الرقابة على سلامة الغذاء، وتداخل اختصاصات المؤسسات الحكومية، ومدى موثوقية نتائج الفحوصات المخبرية التي يفترض أن تحسم مثل هذه القضايا بعيدًا عن التضارب والارتباك.

ففي الوقت الذي أصدرت فيه وزارة الصناعة والتجارة تعميمًا يقضي بسحب كميات من السكر البرازيلي وحظر تداولها بدعوى احتوائها على نسب مرتفعة من عناصر ثقيلة وسامة، كانت وثيقة رسمية أخرى صادرة قبل ذلك بأسابيع تؤكد صلاحية المنتج للاستخدام الآدمي بعد إخضاعه للفحص، ما فتح الباب أمام حالة من الضبابية وأثار تساؤلات حول الجهة التي ينبغي الوثوق بنتائجها.
تعميم يحذر من المنتج وآخر يمنحه شهادة صلاحية
بتاريخ 27 يوليو، وجهت وزارة الصناعة والتجارة مكاتبها في المحافظات الخاضعة لسلطة الحكومة المعترف بها دوليًا بسحب شحنات من السكر البرازيلي من الأسواق ومنع تداولها.
واستند التعميم إلى ما وصفه بـ"التقارير الفنية ونتائج الفحوصات المختبرية" التي أثبتت - بحسب الوزارة - وجود تركيزات تتجاوز الحدود المسموح بها من عناصر ثقيلة وسامة، شملت الرصاص والزرنيخ والنحاس، محذرة من أن هذه المواد قد تسبب تسممات حادة ومزمنة وأضرارًا تصيب أجهزة الجسم المختلفة.

ويعد هذا من أخطر التحذيرات الرسمية المتعلقة بمنتج غذائي واسع الاستهلاك، إذ يعني - إذا ثبتت صحة نتائجه - أن كميات من السكر كانت متداولة بين المستهلكين وتشكل خطرًا مباشرًا على الصحة العامة.
لكن الصورة لم تلبث أن ازدادت تعقيدًا مع تداول تقرير صادر عن المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة - فرع حضرموت، بتاريخ 5 يوليو الماضي، يفيد بصلاحية السكر للاستخدام بعد إجراء الفحوصات المخبرية.
ويطرح هذا التناقض سؤالًا جوهريًا: كيف يحصل المنتج على نتيجة تؤكد صلاحيته، ثم تصدر لاحقًا جهة حكومية أخرى قرارًا بسحبه باعتباره ملوثًا بمواد سامة؟
وهل خضعت العينات للفحص في مختبرات أخرى؟ أم أن النتائج استندت إلى عينات مختلفة؟ أم أن هناك خللًا في إجراءات الفحص أو أخذ العينات أو تفسير النتائج؟ وحتى الآن، لا توجد إجابات رسمية واضحة عن هذه التساؤلات.

أين هيئة المواصفات؟
ويزداد الغموض بالنظر إلى أن الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة هي الجهة المختصة قانونًا بإخضاع السلع المستوردة للفحص والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية قبل الإفراج عنها في المنافذ الجمركية.
فالسكر محل الجدل مستورد عبر ميناء المكلا، ومتداول في الأسواق اليمنية منذ سنوات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي خضع لها عند دخوله البلاد.
وهل أجازت الهيئة دخول هذه الشحنة بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي تغير لاحقًا حتى صدر قرار بسحبها؟ وهل كانت الهيئة على علم بتقرير المركز الوطني لمختبرات الصحة العامة الذي أكد صلاحية المنتج؟
كما يثار تساؤل آخر بشأن الجهة التي اعتمدت عليها وزارة الصناعة والتجارة في نتائج الفحوصات التي استند إليها قرار السحب، ولماذا لم تُنشر حتى الآن النتائج الفنية الكاملة التي تبرر هذا القرار الاستثنائي.
النحالون يدخلون على الخط
تزامن الجدل الرسمي مع شكاوى أطلقها عدد من النحالين في حضرموت، تحدثوا فيها عن تعرض آلاف من خلايا النحل في وادي حضرموت وشبوة لأضرار قالوا إنها ارتبطت باستخدام هذا النوع من السكر في تغذية النحل.
ورغم أن هذه الشكاوى زادت من حجم القلق، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى تحقيق علمي مستقل يحدد ما إذا كانت هناك علاقة سببية فعلية بين المنتج ونفوق النحل، أم أن عوامل أخرى تقف وراء تلك الخسائر.
نفي للشكاوى.. وحملات مصادرة
وفي تطور لافت، نفى مكتب وزارة الصناعة والتجارة بساحل حضرموت، السبت، تلقي أي شكاوى رسمية أو بلاغات موثقة من المواطنين أو المستهلكين بشأن أضرار ناتجة عن السكر البرازيلي، مؤكدًا أن المواد الغذائية المستوردة عبر ميناء المكلا تخضع للإجراءات القانونية والفنية المعتمدة.
غير أن مكتب الوزارة ذاتها في عدن أعلن، الأحد، تنفيذ حملات رقابية واسعة أسفرت عن ضبط وتحريز أكثر من 37 طنًا من السكر المخالف، شملت كميات من السكر البرازيلي، إلى جانب تحرير محاضر ضبط بحق عدد من المنشآت التجارية.
وهنا يبرز تساؤل آخر: إذا لم تكن هناك شكاوى موثقة من المستهلكين، فما الأساس الفني الذي استندت إليه إجراءات السحب والتحريز؟ وهل جاءت استجابة لنتائج مختبرية جديدة أم لتنفيذ التعميم الوزاري فقط؟
الشركة تنفي وتطالب بالأدلة
في المقابل، رفضت الشركة المستوردة للسكر البرازيلي UB الاتهامات الموجهة إلى منتجها، مؤكدة أن المزاعم المتداولة بشأن احتوائه على نسب مرتفعة من المعادن الثقيلة لا تستند - بحسب بيانها - إلى أي تقارير فنية رسمية أو نتائج مخبرية موثقة يمكن الاستناد إليها.
هذا النفي، يجعل الحاجة أكثر إلحاحًا إلى نشر الوثائق الفنية التي استندت إليها الجهات الحكومية، حتى لا يبقى الرأي العام أمام روايتين متناقضتين.
وبعيدا عن الاتهامات المتبادلة، فإن القضية تتعلق بسلعة غذائية أساسية تدخل إلى كل المنازل اليمنية، وهو ما يجعلها قضية صحة عامة قبل أن تكون خلافًا بين جهة حكومية وشركة مستوردة.
فالسكوت عن منتج ملوث - إن ثبتت مخالفته - يعني تعريض ملايين المستهلكين للخطر، وفي المقابل فإن توجيه اتهامات غير مثبتة إلى منتج مطابق للمواصفات قد يلحق أضرارًا اقتصادية جسيمة بالشركة المستوردة والتجار، ويقوض ثقة المستهلكين بمنظومة الرقابة نفسها.
لذلك، تبدو الحاجة ملحة إلى تحقيق فني وقانوني مستقل وشفاف، تشارك فيه الجهات المختصة كافة، وفي مقدمتها الهيئة اليمنية للمواصفات والمقاييس، ووزارة الصناعة والتجارة، والمختبرات المرجعية، مع نشر نتائج الفحوصات كاملة للرأي العام، بما في ذلك طريقة أخذ العينات، والجهات التي أجرت التحاليل، والمعايير التي استندت إليها.
فإذا ثبت وجود مخالفة، فمن الواجب محاسبة الشركة وكل من سمح بدخول المنتج أو تداوله، أما إذا ثبتت مطابقة السكر للمواصفات، فإن من الضروري مساءلة كل من أسهم في نشر معلومات غير صحيحة أو اتخاذ إجراءات استندت إلى بيانات غير دقيقة أو حملات كيدية.
وفي الحالتين، تبقى الحقيقة حقًا للمستهلك، والشفافية هي الضمان الوحيد لاستعادة الثقة في المؤسسات المكلفة بحماية صحة اليمنيين.



