الإثنين 17 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • مأساة اليمن المنسية: كيف أعادت الحرب البلاد سنوات إلى الوراء؟

مأساة اليمن المنسية: كيف أعادت الحرب البلاد سنوات إلى الوراء؟

الحرب هي بحق "تنمية عكسية" [1]، أو "تنمية التخلُّف" [2]؛ نظرًا لما تُخلِّفه من دمار واسع وخسائر جسيمة تطال مختلف مناحي الحياة الاجتماعية. لقد تسببتْ الحرب الدائرة في اليمن بانتكاسة خطيرة، أعادت البلاد إلى الوراء، وأهدرتْ مكاسب عقدين ونصف من التنمية؛ إذ تراجعتْ اليمن (19) مرتبة خلال المدة (2014 – 2019) ضمن البلدان التي شملها دليل التنمية البشرية، و(7) مراتب ضمن البلدان ذات التنمية البشرية منخفضة الدخل التي تُصنَّف اليمن ضمنها منذ العام 1990.[3] ويمكن استجلاء ذلك، وباختصار شديد على النحو الآتي:

الحرب وتداعياتها على الأوضاع المعيشية:

أدَّى تفاقم الصراع المسلّح، وطول أمد الحرب إلى تدهور مروّع للأوضاع المعيشية للغالبية الكاسحة من المواطنين، وأصبح شبح الجوع يتهدد الملايين من اليمنيين، وبهذا الصدد صنّفت منظمة أوكسفام اليمنَ ضمن أسوأ بؤر الجوع في العالم.[4] إذ يعاني أكثر من (24) مليون شخص (أو 83% من إجمالي عدد السكان) من انعدام الأمن الغذائي، بمن فيهم عدد مَهول يبلغ حوالي (16.2) مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وتنامت مُعدَّلات الفقر إلى مستويات غير مسبوقة، إذ يعيش ما يزيد عن (79%) من السكان تحت خط الفقر، ويُصنَّف (65%) منهم على أنّهم فقراء جدًا. [5]

الحرب وتداعياتها على الوضع الصحي:

ألحقتْ الحرب بالوضع الصحي أضرارًا كبيرة؛ إذ تشير تقارير دولية إلى أن (21.9) مليون يمني يفتقرون إلى الرعاية الصحية الأساسية، و(17.8) مليون شخص يفتقرون إلى المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي الملائمة،[6] الأمر الذي أدى إلى عودة انتشار العديد من الأوبئة والأمراض التي كانت تعد أمراضًا منسية (أبرزها: الكوليرا والدفتيريا والخُنّاق والحصبة وحمّى الضنك... وغيرها)؛ بسبب هشاشة النظام الصحي، وسوء التغذية، وتضرّر شبكة المياه والصرف الصحي، وخروج أكثر من نصف المرافق الصحية عن الجاهزية بسبب تعرّضها للتدمير الكلي أو الجزئي بفعل المواجهات المسلحة.[7]

الحرب وتداعياتها على قطاع التعليم:

يُعاني النظام التعليمي في اليمن منذ عقود من تحديات وأزمات جمَّة، وقد فاقمت الحرب من تدهور أوضاعه على نحوٍ فادح. هذا ما تُظْهِره الإحصاءات المتاحة التي تشير إلى وجود (4.2) مليون طفل وطفلة (من 5 إلى 17 عامًا) لا يلتحقون بالمدارس، منهم (1.5) مليون من الأطفال النازحين انقطع تعليمهم فجأة بسبب النّزوح المتعدد [8]، وهو مستوى خطير للغاية، ويمثّل "قنبلة موقوتة" تهدّد مستقبل البلاد. ومما يفاقم من حدّة الوضع هو أنّ ما يُقدّر بنحو (70%) من إجمالي العاملين في مجال التدريس لا يتقاضّون مرتباتهم منذ أكتوبر 2016، [9] مما دفع بالكثير منهم إلى التوقُّف عن التدريس لإيجاد سُبل أخرى لإعالة أسرهم.[10] ناهيك عن النقص الكبير في توفّر الكتب المدرسية، وشحة التمويل الحكومي، وتضرر البنية التحتية للتعليم بشكل كبير، إذ بلغ إجمالي عدد المدارس المتضررة من جراء الحرب (2783) مدرسة، منها (10.8 %) متضررة كليًا و (48.6%) متضررة جزئيًا.[11]
وشهدت سنوات الحرب تراجعًا كبيرًا في نسبة الالتحاق بالتعليم الجامعي؛[12] كما أدَّت الحرب إلى تدهور مُروّع في الأوضاع المعيشية للأكاديميين، بسبب توقُّف صرف مرتبات البعض منهم ممن يتواجدون في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، وتآكل القيمة الحقيقية لرواتب البعض الآخر، وهم الأكاديميون العاملون في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.[13] الأمر الذي أحدث نزيفًا حادًا في الكوادر الأكاديمية، وهجرة العقول إلى خارج اليمن.[14]
الهوامش:
(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.
[1] الأمم المتحدة، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الأسكوا)، النزاعات المتمادية وأثرها على التنمية في المنطقة العربية، اتجاهات وتأثيرات أثناء النزاعات، ع(4)، (نيويورك: الأمم المتحدة، 2015)، ص11.
[2] "تنمية التخلُّف" مصطلح وضعه الباحث الدكتور أسامة عبدالرحمن، وجاء في عنوان أحد كتبه "تنمية التخلف وإدارة التنمية: إدارة التنمية في الوطن العربي والنظام العالمي الجديد"، الصادر في بيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 1997.
[3] ياسر حسن الصلوي، الحرب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي في اليمن وتأثيرها في مؤشرات التنمية البشرية بعد عام 2014، مجلة العلوم التربوية والدراسات الإنسانية، جامعة تعز- فرع التربة - اليمن، ع(26)، (نوفمبر 2022)، ص478.
[4] منظمة أوكسفام، فيروس الجوع في تكاثر، تقرير، (9 يوليو 2021)، ص4.
[5] منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (ألفاو) ومنظمات أخرى، مشروع الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن، 1 فبراير 2023، ص1، وكذلك: أوتشا، نظرة عامة عن الاحتياجات الإنسانية 2019، مرجع سابق، ص4.
[6] مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وثيقة النظرة العامة للاحتياجات الإنسانية - اليمن، (أبريل 2022)، ص6.
[7] ياسر حسن الصلوي، الحرب الأهلية وعدم الاستقرار السياسي في اليمن ...، مرجع سابق، ص.ص481-483.
[8] يشكّل هؤلاء الأطفال الذين هم خارج المدارس نسبة (39%) من إجمالي عدد الأطفال الذين هم في سن التعليم في اليمن، المُقدَّر عددهم بـ (10.76) مليون طفل وطفلة، ويشكّلون حوالي (33%) من إجمالي عدد السكان. (راجع: الأمم المتحدة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لمحة عامة عن الاحتياجات الإنسانية - اليمن، (يناير 2023)، ص51. وكذلك: الأمم المتحدة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، لمحة عامة عن الاحتياجات الإنسانية - اليمن، يناير 2024، ص41).
[9] عادل الشرجبي، اليمن: أوضاع التعليم العام في زمن الحرب، عدن، مركز اليمن والخليج للدراسات، (8 أكتوبر 2023)، تاريخ الاسترجاع: 8 ديسمبر 2024، ص4.
[10] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، عندما يتعرقل التعليم: تأثير النزاع على تعليم الأطفال في اليمن، (يوليو 2021)، ص7.
[11] الجمهورية اليمنية، وزارة التخطيط والتعاون الدولي – قطاع الدراسات والتوقعات الاقتصادية، نشرة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن، ع(82)، أكتوبر 2023، ص2.
[12] عادل الشرجبي، اليمن: أوضاع التعليم العام في زمن الحرب، مرجع سابق، ص3.
[13] انخفضت القيمة الحقيقية للرواتب التي يقبضها الأكاديميون بنسبة تتعدَّى الـ (85%)؛ فعلى سبيل المثال: الأكاديمي الذي كان يقبض راتب شهري (300.000 ريال يمني) في عام 2014 كان يعادل (1400 دولار أمريكي) تقريبًا، في حين أصبح حالياً لا يساوي أكثر من (185 دولار)!
[14] عادل الشرجبي، اليمن: أوضاع التعليم العام في زمن الحرب، مرجع سابق، ص4.