تضييق «بركة الحياة» على اليمنيين
في الصحراء، لا يحتاج نقص الماء إلى وقت طويل حتى يتحول من مشكلة بيئية إلى صراع على الحياة. وربما لا تختلف المجتمعات كثيرًا؛ فعندما تضيق مساحة الحياة، تضيق معها مساحة التسامح، ويشتد التنافس على الموارد، ويتحول الاختلاف الذي كان يمكن إدارته إلى صراع يصعب احتواؤه.
تخيلوا بركة ماء واسعة تشكلت في قلب الصحراء بعد موسم من المطر. تأتي إليها الحيوانات والطيور والإنسان؛ الأسد والفيل والزرافة والحمار الوحشي والقرد والثعلب والتمساح والغزال والثعبان وغيرها. الجميع يشرب من الماء نفسه، والمساحة الواسعة تسمح لكل مخلوق بأن يعيش ويبتعد عن الآخر، فلا تضطره الحاجة إلى الاقتراب من غريمه أو افتراسه.
ثم يبدأ الماء بالانحسار... قليلًا، قليلًا.
تضيق البركة، وتضيق معها المسافات. يقترب الأسد من الحمار الوحشي، والتمساح من الغزال، ويزداد الخوف، ويتراجع مجال الابتعاد. ثم يأتي يوم يصبح فيه الماء هو الحياة ذاتها. وعندما يصبح الماء هو الحياة، تتحول المجازفة إلى ضرورة، ويصبح الافتراس احتمالًا۔
ليس لأن الحيوانات قد تغيرت، بل لأن البيئة التي كانت تسمح بالتعايش قد اختفت.
وهنا يمكن قراءة جانب من المأساة اليمنية.
فاليمنيون لم يقرروا فجأة أن يتحولوا إلى مجتمع متصارع، لكن «بركة الحياة» من حولهم أخذت تضيق عامًا بعد عام: فرص العمل تتراجع، والاقتصاد ينكمش، ومصادر الدخل تتآكل، ومؤسسات الدولة تضعف، وتتراجع فرص التعليم والعلاج، وترتفع كلفة الحياة، وتتسع دائرة الفقر، وتتآكل الطبقة الوسطى، حتى أصبح السؤال بالنسبة إلى كثير من اليمنيين ليس: كيف نبني مستقبلًا أفضل؟ بل: كيف نعبر هذا اليوم؟
وهذه هي النقلة الأخطر؛ لأن المجتمع الذي يُدفع طويلًا إلى العيش في حالة البقاء، يصعب عليه أن يفكر في البناء. وعندما تضيق «بركة الحياة»، يصبح الإنسان أكثر استعدادًا للصراع على ما تبقى منها، لا لأنه فقد قيمه بالضرورة، وإنما لأن الضرورة تضغط على غرائزه، والخوف يضيّق أفقه، والحاجة تدفعه إلى التمسك بما تبقى له ولو على حساب الآخرين.
وهذا، في جانب منه، هو المسار الذي دفعت الحرب اليمنيين إليه؛ حربٌ لم تكن، في كثير من جوانبها، مجرد صراع يمني داخلي، وإنما تداخلت فيها أجندات وأهداف إقليمية ودولية، في سياق مخاض عسير لعالم جديد يتشكل على أنقاض النظام الدولي الذي عرفناه.
وفي هذا الصراع، لم تكن المشكلة فقط في أن اليمنيين اقتتلوا، بل في أن «بركة الحياة» نفسها جرى تضييقها من حولهم؛ حتى باتت مساحة الوطن أضيق من أن تتسع لأحلام أبنائه، واقتصاده أضعف من أن يوفر لهم حياة كريمة، ودولته أكثر هشاشة من أن تحميهم من الفقر والخوف والانقسام.
والأخطر أن استمرار هذا الحال لا يهدد حاضر اليمنيين فحسب، بل يهدد قدرتهم على استعادة فكرة الدولة والوطن والمستقبل. فالشعوب لا تنهار فقط عندما تُهزم في الحروب، وإنما تنهار أيضًا عندما تُستنزف قدرتها على الأمل، ويصبح البقاء غايةً بحد ذاته.
لذلك، فإن إنقاذ اليمن لا يبدأ فقط بإيقاف الحرب، رغم أن إيقافها ضرورة، وإنما يبدأ أيضًا بتوسيع «بركة الحياة» من جديد: بإحياء الاقتصاد، واستعادة مؤسسات الدولة، وفتح فرص العمل، وحماية التعليم والصحة، وإعادة بناء الثقة بين اليمنيين، وإخراج اليمن من دائرة الصراع على الموارد إلى دائرة الشراكة في صناعة المستقبل.
فحين تتسع بركة الحياة، تتسع معها مساحة التسامح والتعايش.



