الإثنين 17 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • بين الوحدة والانفصال… أين ذهبت اليمن التي حلمنا بها؟

بين الوحدة والانفصال… أين ذهبت اليمن التي حلمنا بها؟

من حلم الوحدة إلى حرب 1994
لم تكن الوحدة بالنسبة لنا مجرد اتفاق سياسي وقّعته قيادتا الشطرين، بل كانت حلم أجيال كاملة في الشمال والجنوب. كنا نؤمن حقًا بأننا نبني وطنًا واحدًا يتسع للجميع، وعمل كثيرون وضحّوا من أجل أن يصبح ذلك الحلم حقيقة.

لكن وسط ذلك الحماس، أُعلنت الوحدة قبل أن تُبنَ لها دولة تحميها. التقت القيادتان في أعلى هرم السلطة، بينما ظلت المؤسسات منقسمة: جيشان، وجهازان للأمن، وإدارتان، ومراكز نفوذ يحتفظ كل منها بقوته وحساباته. قامت دولة الوحدة على الورق، لكن الواقع ظل يحمل في داخله دولتين.
ومع مرور الوقت، اتسعت الفجوة بين شريكي الوحدة. احتفظ كل طرف بقوته وسلاحه، وتعرض عدد كبير من قيادات الحزب الاشتراكي وكوادره للاغتيال. وبدلًا من مواجهة المشكلات والبدء الجاد في بناء مؤسسات مشتركة، مضت الأمور في الاتجاه المعاكس، حتى وصلنا إلى كابوس حرب صيف 1994.
في رأيي، يتحمل نظام صالح، ومعه حزب الإصلاح والقوى العسكرية والدينية التي تحالفت معه، المسؤولية الأكبر عن إفشال الشراكة وجر البلاد إلى الحرب. فقد اختاروا حسم الخلاف بالمدفع بدلًا من السياسة. لكن هذه الحقيقة لا تعفي قيادة الحزب الاشتراكي من أخطائها، وكان إعلان علي سالم البيض الانفصال أكبر تلك الأخطاء وأخطرها.
أعتقد أن إعلان الانفصال كان خطأً تاريخيًا فادحًا. ولا أقول ذلك تبرئةً لمن أشعل الحرب، ولا تبريرًا لاجتياح الجنوب؛ فلا شيء يبرر تدمير وطن بالقوة. لكن القرار غيّر طبيعة المعركة. كانت معركة للدفاع عن الشراكة وتصحيح مسار الوحدة، ثم جاء إعلان الانفصال ليمنح صالح وحلفاءه فرصة تقديم حربهم للناس وكأنها حرب للدفاع عن الوحدة.
دفع البيض ثمن ذلك القرار وخسر جزءًا من مؤيديه، بل إن بعضهم اختار الوقوف مع خصومه. لكنه لم يكن وحده من دفع الثمن. فقد أصابت الصدمة آلاف المدنيين والعسكريين وكوادر الحزب الاشتراكي الذين كانت السياسة والعمل العام جزءًا أساسيًا من حياتهم اليومية.
وجد هؤلاء أنفسهم، بعد الحرب، خارج المشهد الذي عاشوا من أجله. هاجر بعضهم حاملًا جراحه، وابتعد آخرون عن الحياة العامة، ووجد بعضهم في التصوف والصمت ملاذًا من السياسة وانكساراتها. لم يكونوا يغيرون مواقفهم بالضرورة، بل كانوا يحاولون ترميم ما تهدم في داخلهم بعد انهيار حلم عاشوا سنوات طويلة من أجله.
هذا الجانب الإنساني لا يجد مكانه عادةً في سرديات المنتصرين ولا في بيانات الأحزاب. إنها حكاية أناس لم يخسروا حربًا فقط، بل خسروا جزءًا من معنى حياتهم.

ما بعد الحرب ووحدة مفروضة بالقوة

لم تكن حرب 1994 إنقاذًا للوحدة، بل كانت إطلاق النار على روحها. وما جرى بعد دخول قوات صالح وحلفائه إلى الجنوب كان نهاية الوحدة القائمة على الشراكة، وبداية وحدة مفروضة بالقوة.
أُقصي كثير من الجنوبيين وسُرّحوا من أعمالهم، ونُهبت أراضٍ ومؤسسات، وعومل الجنوب كطرف مهزوم لا كشريك في وطن واحد. ولهذا، من يعرف جراح تلك المرحلة سيفهم من أين يأتي كثير من غضب الجنوب اليوم. فلا يمكن الحديث بصدق عما يجري هناك من دون العودة إلى ما حدث بعد الحرب.
لكن آثار تحالف 1994 لم تتوقف عند الجنوب. فالقوى التي فرضت الوحدة بالقوة لم تتحول إلى خصم للجنوبيين وحدهم، بل لليمنيين جميعًا. فالفساد والقمع وسوء الإدارة لا تعرف الجغرافيا.
أُفسح المجال للتيارات الدينية المتشددة كي تفرض رؤيتها على التعليم والمجتمع وحياة الناس. واستُخدم الدين في مواجهة الخصوم، خصوصًا الاشتراكيين وأسرهم ومنظمات المجتمع المدني، كما جرى التضييق على المرأة والحد من حضورها في الحياة العامة، إلى جانب تقييد الحريات. وفي الوقت نفسه، اتسع الفساد، وساءت أحوال الناس، وتحولت الدولة شيئًا فشيئًا إلى شبكة من المصالح العائلية والقبلية والعسكرية.
ربح صالح الحرب، لكنه لم يبنِ دولة. وربح حلفاؤه نصيبهم من السلطة والنفوذ، بينما خسر اليمنيون فرصة بناء وطن كان لا يزال في سنواته الأولى.
ثورة 2011 والفرصة التي ضاعت
لهذا لم تكن ثورة 2011 ترفًا ولا حدثًا مفاجئًا، بل كانت صرخة بعد سنوات طويلة من الظلم والفشل. خرج الناس وهم يحلمون بدولة جديدة، وتمكنوا من إزاحة رأس النظام، لكنهم لم يتمكنوا من التخلص من بنيته ومراكز نفوذه.
جاءت المبادرة الخليجية فاحتوت الثورة، ثم تقاسمت الأحزاب التقليدية المرحلة الانتقالية، بينما احتفظت القوى القديمة بسلاحها ونفوذها. كانت أمام اليمنيين فرصة نادرة لبداية مختلفة، لكن الأحزاب أضاعتها في صراعاتها وحساباتها الضيقة.
ومن بين أنقاض النظام القديم وفشل المرحلة الانتقالية، صعد الحوثيون بمشروعهم السلالي المسلح. استولوا على السلطة ومؤسسات الدولة بقوة السلاح، وأعادوا إلى اليمن فكرة الحكم القائم على الامتياز الديني والسلالي.
ثم جاء التدخل الخارجي، ودخل البلد في حرب مدمرة، وتحول اليمن إلى ساحة تتصارع فيها القوى الداخلية والإقليمية، بينما بقي المواطن اليمني يدفع الثمن الأكبر.
وهكذا انتقلنا من دولة أخفقت في استكمال وحدتها، إلى دولة أنهكتها حرب 1994، ثم إلى دولة حاول الناس تغييرها عام 2011، قبل أن تسقط مؤسساتها في أيدي الجماعات المسلحة.

خلاف على الشكل في غياب الدولة

واليوم، ينقسم اليمنيون حول الوحدة والانفصال، فيما تغيب الدولة التي كان يُفترض أن توحّدهم، أو على الأقل أن تنظّم خلافهم.
الحوثيون يحكمون بقوة السلاح وباسم الحق الإلهي، ويستندون إلى إيران. أما حزب الإصلاح، فيحمل تاريخًا طويلًا من التشدد والأخطاء السياسية، كما لعب بعض رموزه وأجنحته دورًا في توفير بيئة حاضنة خرجت منها جماعات متطرفة، فضلًا عن ارتباطه بقطر. وبقية الأحزاب التقليدية لم تعد قادرة على تمثيل الناس أو التأثير في مجرى الأحداث؛ فما زالت تقودها وجوه لم تتغير منذ عقود، ويقيم معظمها خارج البلاد.
وفي الجنوب، يَعِد المجلس الانتقالي الناس باستعادة دولتهم، لكنه، رغم السنوات التي قضاها في السلطة والدعم الكبير الذي حصل عليه من الإمارات، لم يقدم نموذجًا يطمئن الناس إلى شكل هذه الدولة أو مستقبلها.
بل إن المجلس نفسه دخل في حالة من الانقسام والارتباك؛ فقد أعلن أعضاء من قيادته الموجودون في الرياض حلَّه وإغلاق مكاتبه، بينما رفضت قيادات وهيئات أخرى القرار وأكدت استمراره. وهذا يكشف هشاشة بنيته الداخلية، وغياب القرار المؤسسي المستقل، ومدى تأثر مواقفه بصراع القوى الإقليمية الداعمة له.
أما المجلس الرئاسي، فقد جمع قوى متناقضة لا تتفق على تعريف الدولة التي يفترض أن تستعيدها. بعض أعضائه مع الوحدة، وبعضهم مع الانفصال، ولكل طرف داعمه وسلاحه وحساباته. ولهذا ظل المجلس عاجزًا عن التحول من تسوية صنعتها السعودية إلى سلطة تملك قرارها وتتحمل مسؤوليتها أمام اليمنيين.
أما المواطن العادي، فقد أنهكته الحرب والفاقة والقمع. تعب من الوعود والأوهام، وفقد ثقته بمعظم الأطراف. لم يعد يسأل كثيرًا عمّن سينتصر، بل كيف يؤمّن لقمة العيش، ويحمي أطفاله، ويعبر بأسرته من يوم إلى آخر.

الدولة قبل تقرير شكلها

لا أكتب هذا دفاعًا عن إعادة الوحدة القديمة كما كانت، ولا رفضًا مسبقًا لفكرة الانفصال. فالوحدة التي تحتاج إلى المدفع كي تبقى ليست وحدة، والانفصال الذي تفرضه جماعة مسلحة لا يصنع دولة حرة.
ما أحاول قوله أبسط من ذلك: كيف سنقرر شكل الدولة بينما لا توجد مؤسسات تحمي قرار الناس؟ وكيف يمكن إجراء حوار حر في بلد تسيطر فيه الجماعات المسلحة على الأرض والإعلام والمال؟ ومن سيضمن أن يكون اختيار اليمنيين نابعًا من إرادتهم، لا من الخوف أو الحاجة أو ضغط العواصم الخارجية؟
قبل أن نسأل اليمنيين إن كانوا يريدون دولة واحدة أو دولتين، يجب أن نضمن لهم حقهم في الاختيار. وهذا يتطلب مؤسسات عامة، ومجالًا سياسيًا مفتوحًا، وسلاحًا خاضعًا للقانون، وتسويةً عادلة للمظالم، وفي مقدمتها مظالم الجنوب.
بعد ذلك، يستطيع اليمنيون أن يجلسوا معًا ويقرروا، بكامل حريتهم، شكل العلاقة التي يريدونها: دولة موحدة لا مركزية، أم دولة اتحادية، أم كونفدرالية، أم دولتين مستقلتين تربطهما المصالح والجغرافيا والتاريخ.
هذا حق جميع اليمنيين، وليس حق حزب أو جماعة أو مجلس أو دولة خارجية. ولا يمكن أن يُفرض عليهم باسم الوحدة، ولا باسم الانفصال.
لقد اختلفنا طويلًا على شكل الدولة حتى فقدناها في الواقع، ولم يبقَ منها سوى اسم تتنازعه سلطات وجماعات متعددة. وربما حان الوقت لأن نعكس السؤال: بدلًا من أن نتقاتل على دولة واحدة أو دولتين، كيف نستعيد أولًا حق اليمنيين في أن تكون لهم دولة، أيًا كان الشكل الذي سيختارونه لها؟