الجمعة 14 أغسطس 2026

لا تضعوا العربة قبل الحصان

في الحروب الكبرى لا تكون المشكلة دائمًا في معرفة العدو، وإنما في قدرة القوى التي تواجهه على تحديد أولوياتها، وترتيب خلافاتها، والتمييز بين المعركة الأساسية والمعارك الجانبية. وما نراه اليوم في اليمن يحتاج إلى قدر كبير من الوضوح، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمواقف الملتبسة.

كل الذين يقفون ضد مليشيات الحوثي، مهما اختلفت توجهاتهم السياسية ومشاريعهم المستقبلية، عليهم أن يكونوا واضحين في موقفهم من قضية أساسية لا تحتمل كثيرًا من الالتباس: هل نحن مع الدولة أم مع الانقلاب؟
قد نختلف مع الشرعية، بل إن لنا عليها ملاحظات كثيرة، وبعض هذه الملاحظات لا يجوز تجاهلها أو السكوت عنها. وقد أخطأت الشرعية في مواضع كثيرة، وأضاعت فرصًا، وفشلت أحيانًا في إدارة المعركة السياسية والعسكرية، كما أن أداء مؤسساتها يحتاج إلى إصلاحات عميقة. وكل ذلك مشروع للنقد والمراجعة والمساءلة.
لكن الخلاف مع أداء الشرعية شيء، والوقوف ضد الدولة شيء آخر.
نحن نقف في مواجهة الحوثيين لأنهم يمثلون مشروع انقلاب على الدولة ومؤسساتها، وليس لأننا نرى أن كل ما قامت به الشرعية كان صحيحًا أو مثاليًا. ومن هنا يجب ألا تختلط الأوراق.
يمكن أن تكون مع الدولة، وتنتقد الحكومة. ويمكن أن تؤيد استعادة مؤسسات الدولة، وتطالب في الوقت نفسه بإصلاحها. ويمكن أن تختلف مع القيادة السياسية، دون أن تتحول إلى عامل إضعاف للمعركة الوطنية ضد الانقلاب.
هذه التفرقة تبدو بسيطة، لكنها في الواقع جوهرية في الظروف التي تعيشها اليمن.

ليست المعركة مع الشرعية وحدها

يحاول البعض تقديم الصراع كأنه معركة بين الحوثيين والشرعية فقط، وكأن بقية القوى اليمنية تستطيع الوقوف خارج المشهد وانتظار النتيجة. وهذه قراءة خطيرة.
المعركة في جوهرها أكبر من الأشخاص والأحزاب والحكومات. إنها معركة بين مشروع الدولة ومشروع الجماعة المسلحة التي فرضت نفسها بالقوة على الدولة والمجتمع.
قد تتغير الحكومات، وقد يتغير الرؤساء والوزراء والقادة، وقد تتبدل التحالفات السياسية، لكن قضية الدولة تبقى.
ومن الخطأ أن نقول: بما أن الشرعية أخطأت، إذن لا بأس أن يضعف موقفها أمام الحوثيين.
هذه ليست معادلة صحيحة.
فالشرعية ليست شخصًا أو مجموعة أشخاص، والدولة ليست حكومة بعينها. الحكومة يمكن تغييرها، وإصلاحها، ومحاسبة مسؤوليها، لكن إسقاط الدولة لمصلحة جماعة مسلحة لا يعالج أخطاء الحكومة، وإنما يفتح الباب أمام أخطاء وكوارث أكبر.

الخلاف السياسي حق... لكن التخاذل في المعركة شيء آخر

من حق أي يمني أن يختلف مع الشرعية، ومن حقه أن ينتقدها بأقسى العبارات مادام نقده سياسيًا وسلميًا. ومن حق القوى الجنوبية أن تتمسك بقضيتها، ومن حق القوى الأخرى أن تطرح مشاريعها السياسية، ومن حق الجميع أن يتحدثوا عن مستقبل اليمن وشكل الدولة ونظام الحكم.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو: هل نريد أولًا إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، أم أننا نريد ترتيب مستقبل البلاد قبل أن نستعيد الدولة؟
هنا تحديدًا يجب أن ننتبه.
ليس من الحكمة أن نختلف على شكل البيت، بينما البيت نفسه مهدد بالسقوط.
وليس من المنطق أن ننشغل بتوزيع الغرف قبل أن نعيد بناء البيت.
وليس من العقل أن يختلف أصحاب القضية الواحدة على ما بعد النصر، بينما المعركة لم تنتهِ بعد.
قد يقول قائل إن الحوثيين ليسوا وحدهم المشكلة، وهذا صحيح. وقد يقول آخر إن هناك قضايا جنوبية عادلة ومظالم تاريخية يجب حلها، وهذا صحيح أيضًا. وقد يقول ثالث إن أداء الشرعية كارثي، ويحتاج إلى تغيير، وهذا قد يكون صحيحًا كذلك.
لكن صحة هذه الملاحظات جميعًا لا تعني أن نضع معركة الدولة في المرتبة الثانية.

لا تجعلوا أخطاء الشرعية مبررًا للانقلاب

أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول أخطاء الشرعية إلى مبرر سياسي لتبرير الانقلاب أو التعايش معه.
نعم، الشرعية أخطأت.
لكن الحوثيين أيضًا لم يصبحوا على حق لأن الآخرين أخطأوا.
الدولة قد تكون ضعيفة، لكن ضعفها لا يمنح الجماعة المسلحة حق الاستيلاء عليها.
الحكومة قد تكون فاسدة، لكن فساد الحكومة لا يجعل الانقلاب مشروعًا.
والجيش قد يكون عاجزًا، لكن عجزه لا يمنح المليشيا حق امتلاك الدولة والسلاح والقرار.
هذه قواعد لا ينبغي أن تتغير بتغير مواقفنا السياسية.
إن قبول منطق "الآخر أخطأ، لذلك يحق لي أن أنقلب عليه"، يعني فتح باب لا يمكن إغلاقه. فكل جماعة ستجد مبرراتها للتمرد، وكل فصيل سيعتبر أخطاء خصمه تفويضًا لحمل السلاح، وفي النهاية لن تبقى دولة ولا قانون ولا مؤسسات.

في وقت الحرب يجب أن نعرف أين نقف

هناك أوقات يكون فيها الاختلاف السياسي ضرورة، وهناك أوقات يصبح فيها ترتيب الأولويات ضرورة أكبر.
وفي اللحظة التي تواجه فيها البلاد مشروعًا مسلحًا يريد فرض رؤيته بالقوة، فإن أول واجب على القوى التي ترفض هذا المشروع، هو ألا تمنحه فرصة تقسيم خصومه.
الحوثي لا يحتاج منا إلى أن نحبه حتى يستفيد من خلافاتنا.
يكفيه أن نتنازع.
يكفيه أن نشكك في بعضنا.
يكفيه أن يحبط المقاتل في الجبهة.
يكفيه أن يفقد المواطن ثقته بإمكانية الانتصار.
يكفيه أن تتحول وسائل الإعلام إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى المناهضة له.
ولهذا، فإن كل خطاب يزرع اليأس في صفوف من يقاتلون الانقلاب، وكل موقف يؤدي إلى تفكيك الجبهة المناهضة له، يجب أن يُراجع صاحبه نفسه قبل أن يراجع الآخرين.
لسنا بحاجة إلى تطابق في الآراء حتى نقف في خندق واحد.
لسنا بحاجة إلى أن نتفق على كل شيء حتى نتفق على شيء واحد: لا لحكم المليشيا، نعم لاستعادة الدولة.

وماذا بعد استعادة الدولة؟

هنا يأتي السؤال الذي يطرحه كثيرون: وماذا عن القضايا السياسية التي نختلف حولها؟
الجواب بسيط: لكل قضية وقتها.
بعد استعادة الدولة يمكن أن نفتح كل الملفات.
يمكن للقوى الجنوبية أن تطرح رؤيتها.
ويمكن للقوى الأخرى أن تطرح مشاريعها.
يمكن أن نناقش شكل الدولة، ونظام الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم والمحافظات، والقضية الجنوبية، وتقاسم السلطة والثروة، والضمانات السياسية، وكل ما يتعلق بمستقبل اليمن.
بل إنني أرى أن هذه القضايا يجب أن تناقش بجدية ومسؤولية، لأنها لا تختفي بمجرد انتهاء الحرب.
لكن ترتيب الأولويات مهم.
لا يمكن أن نبني نظامًا سياسيًا مستقرًا فوق أنقاض دولة منهارة.
ولا يمكن أن نضمن حقوق الناس في ظل استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة.
ولا يمكن أن نتحدث عن دولة مدنية حديثة، بينما القرار السياسي والعسكري مرتهن لجماعات مسلحة.

ومن لا يريد القتال؟

ليس كل الناس مقاتلين، وليس مطلوبًا من كل يمني أن يحمل السلاح. ومن حق الإنسان أن يختار موقفه من الحرب، وأن يرفض المشاركة فيها.
لكن هناك فرقًا بين عدم المشاركة في القتال وبين تثبيط الذين يقاتلون.
إذا كان البعض لا يريد مواجهة الحوثيين، فهذا شأنه، ولا نريد أن نحول اليمن إلى ساحة لإجبار الناس على ما لا يريدون. لكن على الأقل لا ينبغي أن يتحول هذا الموقف إلى حملة لإحباط من يقفون في الجبهات، أو التشكيك في جدوى مقاومتهم، أو تقديم الانقلابيين بصورة الضحية، بينما يُحمّل المدافعون عن الدولة كل المسؤولية.
من لا يرغب في خوض المعركة اليوم، فليتركها لأصحابها، وليحتفظ بمشروعه السياسي إلى أن تنتهي الحرب.
فبعد انتهاء المعركة ستكون الساحة مفتوحة للجميع.
أما أن نحاول حسم مستقبل البلاد السياسي، بينما المعركة الأساسية لم تحسم بعد، فذلك هو الخلط الذي قد يدفع الجميع ثمنه.

اليمن أكبر من خلافاتنا

لقد أرهقت الحرب اليمنيين، واستنزفتهم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا. وكل سنة تمر تزيد من اتساع الجرح وتعمق الانقسام.
ولذلك، نحن بحاجة إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويحدد العدو دون أن يلغي حق الاختلاف.
ليس المطلوب أن نصبح نسخة واحدة من بعضنا.
المطلوب أن نعرف متى نختلف، ومتى نتفق.
أن نعرف أن مواجهة الحوثيين لا تعني تفويضًا مفتوحًا للشرعية كي تفعل ما تشاء، كما أن نقد الشرعية لا يعني إعفاء الحوثيين من مسؤولية الانقلاب.
نستطيع أن نقف مع الدولة ونطالب بإصلاحها.
نستطيع أن نقف ضد الحوثيين وننتقد الشرعية.
نستطيع أن ندافع عن القضية الجنوبية ونرفض في الوقت نفسه مشروع المليشيات.
نستطيع أن نختلف على المستقبل، لكن نتفق على ضرورة أن يكون لهذا المستقبل دولة.

كلمة أخيرة

اليمن اليوم بحاجة إلى الوضوح أكثر من أي وقت مضى.
من يقف ضد الحوثيين فليكن واضحًا في موقفه.
ومن يريد استعادة الدولة فليعمل لذلك.
ومن لديه مشروع سياسي مختلف، فليطرحه في الوقت المناسب، وبالوسائل السياسية.
ومن يريد إصلاح الشرعية فليطالب بإصلاحها.
أما أن نضعف الجميع في وقت يفترض أن تتوحد فيه الجهود، وأن نُحبط الناس، ونثبط المقاتلين، ونفتح معارك جانبية، فإن المستفيد الأول من ذلك كله هو الحوثي.
لسنا مطالبين بأن نحب بعضنا سياسيًا حتى نقف في مواجهة الانقلاب.
يكفينا أن نتفق على أن الدولة لا تُستعاد بالمليشيات، وأن الخلاف السياسي لا يبرر الانقلاب، وأن مستقبل اليمن لا ينبغي أن يُفرض بقوة السلاح.
فلنخض المعركة التي لا بد من خوضها أولًا، ثم نختلف كما نشاء حول ما بعدها.
استعيدوا الدولة أولًا، وبعدها لكل حادث حديث.

أما أن نضع العربة قبل الحصان، ثم نتساءل لماذا لم نصل إلى وجهتنا، فذلك خطأ لا يحق لليمنيين أن يكرروا ثمنه مرة أخرى.