الجمعة 14 أغسطس 2026

واقع اللغة العربية في مجتمعاتنا

تَخَلَّفَ التَّعليم في العالم العربي، وتأخرت لغتنا الوطنية القومية (اللغة العربية) - تَبعًا لذلك؛ لصعوبة مناهجها؛ وعدم كفاية القائمين عليها. فهي بالكاد لا تركز إلا على صنف واحد هو: (علم النَّحو)؛ وهي معرفة تمكن صاحبها من ضبط حركات آواخر الكلم؛ وليس هذا إلا جانب واحد بسيط من عِدَّة جوانب للغة العربية الثَّرية والغنية.

وقد لاحظت باحثة لبنانية أنَّ علماء العربية ركزوا على النَّحو، وأكثروا من التأليف فيه؛ في الوقت الذي لم يَحظَ فيه علم الصَّرف بتلك العناية المطلوبة.
لقد تخرجنا من مدارسنا ونحن صفر الأذهان من علم الصَّرف، والأدب ونصوصه الرَّفِيعة: نثرًا، وشعرًا، والعروض والقوافي الذي لا يتلقاه الطَّالِب المتخصص إلا في قسم اللغة العربية في مرحلته الجامعية، وكذلك الإملاء، والإنشاء؛ وقُلْ مثل ذلك عن دروس البلاغة بأفرعها الثلاثة: البيان، والمعاني، والبديع.
وهكذا يهدر الطالب اليمني تسع سنوات من سِنيِّ دراسته: الأساسية، والمتوسطة، والثانوية؛ ليخرج منها؛ وهو أجهل ما يكون بلغته، ويغادرها بعقدة آملاً ألا يصادفها في دراسته الجامعية. وهيهات! فمتطلبات الجامعة في مادتي اللغة العربية، والإنجليزية في غاية الضعف والرِّكَّة.
وإذا كانت اللغة هي الأساس الصَّلد الذي تقوم عليه قِصَّة الأمة كما يقول اندرسون؛ فإنَّ تخلف أبناء العربية من الإلمام بها وإجادتها يؤذن بانصرافهم عنها، بكل مضامينها ومحتوياتها التَّاريخية والثَّقَافِيَّة والدِّينية.
خطر لي هذا، وأنا أطالع ديوان الشَّاعر السَّري الرَّفَّاء؛ الصَّادر في طبعته الأولى عن «دار صادر»، عام 1996، بتحقيق كرم البستاني، ومراجعة ناهد جعفر= في أولى صفحاته، وأولى قصائده التي امتدح بها سيف الدولة الحمداني:
رُوَيدكَ عن تَفنيدِ ذي المُقلةِ العَبرَى
وَقَصرُكَ أنَّ الدَّمع غاية ما نهوى
= فوجئت بعد إتمام قراءتها، والنَّظَر في هوامشها للمحقق المذكور، قوله في الهامش رقم (1)، ص 7:
قَصرُكْ: غاية.
وعلى هذا يكون معنى البيت: وغايتك أنَّ الدمع غاية ما نهوى!!
والشَّاعر هنا يدعو من يلومه ويعذله على بكائه؛ فيقول له: تَأنَّ ولا تعجل بملامي، وحسبك أنَّ هاته الدُّمُوع التي أسفحها هي غاية حظي ونصيبي من الحُبِّ الذي أبكيه، ولم أظفر به. فَعلامَ تلومني إذًا؟!
ولا شَكَّ أنَّ المحقق لو نظر إلى السِّياق بأدنى تأمل؛ لحكم أنَّ «قَصْرُكْ»، في البيت بمعنى حَسبُكَ. وإن كان معنى المفردة أيضًا يصدق على ما ذهب إليه. فأنت تقول: قُصارَى جهدي أن أفعل كذا. بمعنى غاية جهدي.
وفي (ص 8)؛ في البيت:
وكم ليلةٍ أحيَتْ نفوسَ ذي الهوى
عِناقًا وكانت لا تموت ولا تحيا
وبعده:
ويَومَ أرانا العيش يهتز عِزَّةً
بما قد حوى من غُرَّة الرشأ الأحوى
فقامَ بنصب (يوم)، مع أنه معطوف على (ليلة) المجرورة بـ (واو رُبَّ). فالصَّواب جَرَّه. كما أنَّ الوزن يختل بضبطه على النَّصب.
وأنا في شَكٍّ من مفردة «عزة» في البيت، وتحتاج لمراجعة.
أمَّا الخطأ الفاحش، فقوله معلِّقًا على البيت:
ومَزمومةِ الأطرافِ مُصفرَّة القَرَا
مُؤلَّفةِ الأعضاء من فِرَقٍ شَتَّى
تُشَرِّد من أولادِهَا كُلِّ زَائرٍ
فيا لكِ أمًّا ما أعقَّ ومَا أجفَى!
إذا طَارَ عَنهَا انفلَّ في كُلِّ نثلةٍ
دِلاصٍ كما ينفَلُّ في الشَمَط المِدرَى
وإن حَادَ عن نفسٍ هَداهُ لَهَا الردَّى
ولم يُرَ سَارٍ قبله بالرَّدَى يُهدَى
فقال في الهامش رقم (3)، ص8:
"يريد بمزمومة الأطراف الكتيبة الملزوزة. القَرَا: الظهر. مُصفرَّة القَرى لما عليها من السَّلاح".
ولا أدري من أين جاء بهذا التَّفسير؟ وكيف يكون ظهر الكتيبة مُصفرًّا من السِّلاح. وأيَّ سلاحٍ يكون في الظهر؟!!
وكيف يكون طرفا الكتيبة ملزوزين (ملتصقين)؛ و«كُلّ واحد واخذ من السِّكَّة طَرَف»؛ كما يقول المحضار في أغنية أبو بكر سالم المشهورة؟
ولماذا تُشرِّد الكتيبة أولادها؟ أفلا يجدر بها أن تجمعهم، وتحافظ عليهم؟ وأصل اشتقاق الكتيبة من الكَتْبْ وهو: الجمع. فهي تجمع أفرادها، ولا تفرقهم.
والصَّوَاب أنَّ الشَّاعر هنا يقصد القوس. فهي صفراء الظُّهور لأنها من أغصان النَّبات، وهي مزمومة؛ زُمَّ طرفاها بالوتر المشدود بينهما.
وقد نَعَنت الشَّاعر هذه القوس بأنها مؤلفة من أشياء شتى: ففيها الوتر، والرِّيش، وفيها السَّهم، ونصله.
أمَّا تشريد أولادها، فذلك لأنها ترمي الِّسهَام (أولادها) مجازًا، بعيدًا عنها، عند الرَّمي، بعد استخراجها من الكنانة، وتثبيتها فيها للرمي، من قبل الرَّامي. وهذا معنى الزِّيارة.
والنثلة: هي الدِّرع الواسعة كما قال. والدِّلاص: اللينة. وهو صحيح. والمِدرَى: المشط، والشَّمَط: لم يفسره؛ وهو: شَيب الرَّأس مُختَلِطًا بالسواد. وضبطه بفتح الشين المشددة بعدها ميم مفتوحة. ولعلَّ الأرجح أنه: بكسر الميم: الشَّمِط.
أمَّا قوله: وإن حاد عن نفس.. إلخ البيت.
فلعلَّ معناه أنَّ السهام إذا طاشت مراميها، ولم تصب الشخص المقصود؛ فقد تصيب شَخصًا غيره فتقتله.
وقال في الهامش رقم (6)، ص 8 على البيت:
تَقيَّلتَ عَبدَ الله في البأسِ والنَّدى
فما حِدتَ يَومًا عن طريقته المُثلَى
تقيلت: استرحت!!
فيكون معنى البيت: استرحت يا عبدالله – هذا إذا ما ذهبنا إلى أنَّ حرف النداء حُذِفَ لضرورة الوزن- في الحرب والكرم.
فهل يستريح المحارب في الحرب. وهل في الحرب راحة؟ والله يقول: (كتب عليكم القتال وهو كُرٌه لكم).
وإذا ما حارب المرء، ثُمَّ خلد للرَّاحة أثناء هيجان الحرب؛ هل يحمد على ذلك؟
فلو كان المعنى على ما ذهب إليه وهمه، لكان عدَّى فِعْل «استراح» باللام؛ فقال: (استراح) للحرب، و(استراح) لأفعال الكرم؛ بمعنى أنه وجد راحته في هاتين الخصلتين.
وهنا سؤال: إذا كان الأمر كما زعم؛ فَإلامَ تعود هاء الضمير في قوله: ومَا حِدتَ يومًا عن (طريقته المثلى)؟
إنَّ «تَقَيَّلَ» بمعنى احتذى، واقتفى نهج مَن سبقه من آبائه. والشَّاعر هنا يقصد أنَّ سيف الدولة؛ واسمه علي، سَارَ على نهج أبيه عبد الله بن حمدان، ولم يَحِدْ عن طريقته المثلى في الشَّجاعة والكرم.
هذه ملاحظة عابرة على قصيدة واحدة في الديوان. والله وحده يعلم، كم تحفل هذه الطَّبعة بأمثال هذا الهراء.
وهذا ولا شك يسيئ لسمعة هذه الدار التي طبعت معظم الدَّواوين العربية؛ فضلاً عن غيرها من كتب التُّراث العربي المُهِمَّة التي تستحق كلها العناية التامة ومزيد من الدِّقة والَّتحري.
لكن الأعجب مِن كل ذلك أن يقوم هذا المحقق في مقدمته (ص 6)، بالحكم على السَّري الرفاء، بِأنَّ صوره وتشابيهه الدَّقيقة يعوزها-على جمالها- شيء من العمق والعاطفة!!
إنَّ الدعوة التي كان دعاها الأستاذ والأديب طه حسين أثناء حضوره لأحد مؤتمرات المستشرقين في أوروبا، بضرورة إجادة لغة أو لغتين أجنبيتين إلى جانب اللغة العربية؛ حتى يلتحق أبناء العربية بركب الحضارة التي تستدعي الانفتاح على الثَّقافات الإنسانية الأخرى، والانتظام في تيارها العريض؛ بوعي ممتد، وعلى نطاق أوسع؛ كونهم أحد أفراد هذا النوع الإنساني الكبير= تصبح دَعوة طه حسين طَموحةً في ظِلِّ تدهور التَّعليم، وتأخر العربية في مدارسنا وجامعاتنا، وقصور أبنائها عن الإلمام بالحدِّ الأدنى منها؛ بسبب الحروب، وإغراق المناهج المدرسية بالمواد الدِّينية والأيديولوجية، والتَّركيز على التَّلقين، والحشو، دون الفهم، وتنمية ملكتي الإبداع، والَّنقد.