الجمعة 14 أغسطس 2026

نتعايش أم نتقاتل؟

التعايش طريق المستقبل وبوابة السلام والاستقرار والبناء بين هذين الخيارين تقف اليمن أمام استحقاق تاريخي وسياسي لا يمكن تأجيله: إما الانتقال من منطق الغلبة والصراع إلى منطق التعايش والشراكة، وإما الاستمرار في دائرة الاقتتال والإقصاء. وفي تحديد هذا الطريق، يبقى الشعب هو صاحب السلطة ومصدر شرعيتها، ومن حقه أن يختار طريقه ومستقبله، وأن يحمي حقوقه ومصالحه بعيدًا عن منطق القوة والإقصاء وفرض الأمر الواقع.

لقد أثبتت التجارب أن أي قوة، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع بمفردها احتكار السلطة وإقصاء الآخرين والاستئثار بحكم اليمن. فاليمن، في حاضرها ومستقبلها، لا يمكن أن تُدار بمنطق الغلبة، ولا أن تستقر تحت هيمنة طرف واحد، وإنما تحتاج إلى صيغة سياسية تقوم على الشراكة، واحترام التعدد، وقبول الاختلاف، والاحتكام إلى إرادة الشعب.
إن التعايش ليس شعارًا سياسيًا عابرًا، ولا خيارًا مؤقتًا تفرضه ظروف المرحلة، بل هو ضرورة تاريخية وسياسية لبناء مستقبل مختلف. فالمجتمع الذي تتعدد فيه القوى والمصالح والرؤى لا يمكن أن يستقر إلا على قاعدة الاعتراف المتبادل بالحقوق، وقبول الآخر، وإدارة الاختلاف بالوسائل السياسية، والبحث عن المشتركات التي تجمع أبناءه بدل تحويل التباينات إلى صراع دائم.
والتعايش لا يولد من فراغ، ولا يستقيم بمجرد الدعوة إليه، وإنما له بيئته وشروطه وأدواته. فبيئته تقوم على الحرية والكرامة واحترام الإنسان وقبول التنوع والاختلاف، وشروطه تتمثل في حماية الحقوق والحريات، والمواطنة المتساوية، والديمقراطية، والتعددية السياسية الفاعلة، والاحتكام إلى الحوار بدل العنف والإقصاء، بينما تتمثل أدواته في المؤسسات والقواعد والآليات السياسية والقانونية التي تنظم الاختلاف وتمنع تحوله إلى صراع.
والتعايش الحقيقي لا يمكن أن ينمو في بيئة تُصادر فيها الحريات أو تُنتهك فيها الحقوق أو يُقصى فيها المختلف، وإنما يحتاج إلى فضاء سياسي واجتماعي تتسع فيه المشاركة للجميع، وتُدار فيه الاختلافات بالوسائل السلمية، وتُحترم فيه قواعد العمل السياسي. ومن هنا يرتبط التعايش ببناء دولة مدنية تتسع لكل مواطنيها، تكون المواطنة المتساوية فيها أساسًا للحقوق والواجبات، لا الانتماء السياسي أو الجهوي أو المناطقي أو أي شكل من أشكال التمييز.
كما أن الديمقراطية ليست مجرد وسيلة لاختيار السلطة، والتعددية السياسية ليست مجرد تعدد للأحزاب والتنظيمات السياسية، وإنما هي اعتراف بالتنوع السياسي والفكري والاجتماعي، وإتاحة المجال أمام مختلف القوى والتيارات والتنظيمات للمشاركة والتعبير والتنظيم والتنافس السلمي في إطار النظام والقانون. فالديمقراطية والتعددية السياسية الفاعلة، إلى جانب احترام الحقوق والحريات، تمثل آليات أساسية لحماية التعايش وتنظيم الاختلاف ومنع احتكار القوة والسلطة وإقصاء الآخر.
فكلما اتسعت مساحة الحرية، وترسخت الكرامة، وحُميت الحقوق، وتعددت قنوات المشاركة السياسية، وأتيح للأحزاب والتنظيمات والحركات والتيارات والقوى السياسية والاجتماعية والمدنية أن تمارس دورها بصورة سلمية وفاعلة، وخضع الجميع للنظام والقانون، أصبحت فرص التعايش والسلام والاستقرار أكبر.
أما الحرب والاقتتال والإقصاء وإلغاء الآخر، فلا تفتح طريقًا إلى الاستقرار، وإنما تقود إلى مزيد من الانقسام والدمار واستنزاف المجتمع وموارده، وتُبقي البلاد أسيرة دائرة متواصلة من العنف والصراع على النفوذ. وما يُفرض بالقوة لا يتحول بالضرورة إلى استقرار دائم؛ لأن إقصاء طرف لا يلغي وجوده ولا يلغي مصالح جمهوره، وإنما قد يؤجل الصراع ويمهد لجولة جديدة منه.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه اليمنيين اليوم ليس: من يستطيع هزيمة الآخر؟ بل: كيف يستطيع الجميع أن يعيشوا معًا، وأن يحولوا اختلافاتهم من مصدر للصراع إلى مصدر للتنوع السياسي والاجتماعي؟
إن مستقبل اليمن لا ينبغي أن يُبنى على انتصار طرف على طرف، وإنما على انتصار مبدأ التعايش على منطق الاقتتال، والشراكة على الإقصاء، والحوار على العنف. فالوطن يتسع للجميع، والحقوق لا تكون حقوقًا إذا احتكرها طرف وحُرم منها الآخرون.
وعلى الشعب أن يحرس حقوقه ويحميها، وأن يرفض أن يتحول إلى وقود لصراعات القوى، أو أن تُستخدم معاناته ذريعة لاستمرار الحرب والانقسام. كما أن مسؤولية الأحزاب والتنظيمات والقوى السياسية والاجتماعية لا تقتصر على إدارة الصراع، بل تمتد إلى البحث الجاد عن مخارج سياسية تحفظ الحقوق، وتصون كرامة الإنسان، وتضع حدًا لدائرة العنف.
والتعايش لا يعني الاستسلام أو التنازل عن الحقوق، كما أنه لا يعني القبول بالظلم أو تجاوز المظالم. التعايش يعني إدارة الاختلاف بالوسائل السياسية، والاحتكام إلى الحوار، والقبول بالتعدد، ورفض فرض الإرادة بالقوة. وهو، بهذا المعنى، ليس ضعفًا أمام الآخر، وإنما وعيٌ بأن استمرار الصراع لا يصنع مستقبلًا، وأن حماية المجتمع تبدأ بتحويل التنافس من ميدان القوة إلى ميدان السياسة.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم أن يتحد اليمنيون حول خيار التعايش والسلام، وأن يقفوا صفًا واحدًا في مواجهة كل مشروع يعيد إنتاج الحرب والإقصاء والعنف، أيًا كان مصدره أو مبرراته. فرفض الحرب ليس موقفًا ضد طرف بعينه، وإنما موقف من أجل الإنسان اليمني، ومن أجل حقه في الحياة والأمن والكرامة والمستقبل.
إن اليمن لا تحتاج إلى مزيد من المنتصرين في ميادين القتال بقدر ما تحتاج إلى شركاء في صناعة السلام. ولا تحتاج إلى قوة تلغي القوى الأخرى، بل إلى صيغة سياسية تستوعب الجميع، وتحفظ الحقوق، وتفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا، في إطار دولة مدنية يسود فيها النظام والقانون، وتُحمى فيها الحقوق والحريات، وتتاح فيها المشاركة السياسية لجميع المواطنين.
إنها لحظة الاختيار بين طريقين: طريق التعايش، بما يحمله من حرية وكرامة وحقوق وديمقراطية وتعددية سياسية وسلام واستقرار وبناء؛ وطريق الاقتتال والإقصاء، بما يحمله من دمار واستنزاف وفقدان للمستقبل.
وفي هذا الاختيار تتحدد مسؤولية الجميع؛ فالتاريخ لا يُصنع بالقوة وحدها، والمستقبل لا يُبنى بإلغاء الآخر. وما تحتاجه اليمن اليوم هو إرادة سياسية واجتماعية تجعل من التعايش قاعدة للحياة المشتركة، ومن الحوار وسيلة لإدارة الاختلاف، ومن احترام الحقوق والحريات أساسًا لأي تسوية عادلة، ومن الديمقراطية والتعددية السياسية الفاعلة ضمانة لحماية المجتمع من العودة إلى دائرة العنف والإقصاء.
فالتعايش ليس هدنة بين متخاصمين، ولا تسوية مؤقتة بين قوى متصارعة، وإنما ثقافة سياسية ونظام للحياة المشتركة يقوم على الاعتراف بالآخر، وحماية حقوقه، وصون كرامته، وإتاحة المجال أمام الأحزاب والتنظيمات والحركات والتيارات والقوى السياسية والاجتماعية والمدنية للمشاركة والتعبير والتنظيم والتنافس السلمي، والاحتكام جميعًا إلى النظام والقانون.
إن التعايش، بهذا المعنى، ليس مجرد غياب الحرب، وإنما هو حضور الحرية والكرامة والحقوق والديمقراطية والتعددية والمواطنة المتساوية؛ وهو الطريق الذي يمكن من خلاله الانتقال من مجتمع تستنزفه الصراعات إلى مجتمع يدير اختلافاته بالحوار والسياسة والقانون، ويصنع مستقبله بمشاركة جميع أبنائه.
فإما أن نتعايش ونبني معًا، وإما أن نتقاتل ونهدم معًا؛ والتعايش هو طريق المستقبل، وبوابة السلام والاستقرار والبناء.