كيف نبني يمنًا قائمًا على العدالة والمساواة والديمقراطية؟
شهد النظامان في شمال وجنوب اليمن، حالة عدم استقرار بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م المجيدة، وجلاء الاستعمار البريطاني من عدن في 30 نوفمبر 1967م، إذ تصاعدت ظاهرة الاغتيالات والصراعات الداخلية شمالًا وجنوبًا، ونشبت الحروب بينهما، كما قامت وساطات واتفاقات وحدوية، على النحو الآتي:
- البيان الوحدوي (إعلان طرابلس) بتاريخ 28 نوفمبر 1972م بين الرئيسين: القاضي عبدالرحمن يحيى الإرياني وسالم ربيع علي، برعاية الرئيس الليبي معمر القذافي.
- اتفاق قيام الوحدة اليمنية بين الرئيسين: إبراهيم محمد الحمدي وسالم ربيع علي، وانتهى الأمر باستشهادهما غيلة، الأول في 11 أكتوبر 1977م قبل نزوله إلى الجنوب لإعلان قيام الوحدة، والثاني بعد عشرة أشهر..
- اتفاقية الوحدة في الكويت 29 _ 30 مارس 1979م بين الرئيسين: علي عبدالله صالح وعبدالفتاح إسماعيل علي، برعاية الشيخ جابر أحمد الصباح، ودعم الجامعة العربية، وذلك بعد حرب نشبت بين الجانبين في نفس العام 1979م.
- قيام الوحدة اليمنية بين الرئيسين: علي عبدالله صالح وعلي سالم البيض في 22 مايو 1990م.
وقد ظهرت خلافات حزبية حادة بين قيادتي الشطرين حول تقاسم السلطة، والاتهامات المتبادلة بالإقصاء السياسي، والاغتيالات والتصفيات، والفشل في دمج القوات المسلحة والأمن، وقد تفضل جلالة الملك حسين بن طلال بالوساطة لرأب الصدع بين الجانبين، انتهت بتوقيع وثيقة (العهد والاتفاق)..
لسوء الطالع، شنت الحرب بين الجانبين خلال الفترة 27 أبريل حتى 7 يوليو 1994م، وأعلن نائب رئيس الجمهورية في 21 مايو 1994م الانفصال، وفك الارتباط مع الشمال، وغادر ومن معه من قادة الحزب إلى سلطنة عمان.
وتمر الأيام حبلى بالحروب الداخلية والمشاكل الخارجية وعدم الاستقرار، فضلًا عن التدهور الاقتصادي، وسوء الأحوال المعيشية، حتى قيام الثورة الشبابية في 11 فبراير 2011م، والاعتصام بالساحات مطالبين بإسقاط النظام، والقضاء على الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والحرية والديمقراطية.. وبعد وأد الثورة الشبابية في مارس 2011م، اخترقت الأحزاب الساحات، وتطورت الأوضاع إلى الأسوأ.
بعد ذلك، تدخل مجلس التعاون الخليجي لتهدئة الموقف، وسارع بتقديم مبادرة مزمنة لفترة انتقالية، قبلها جميع الأفرقاء، وأهم ما فيها، تنازل رئيس الجمهورية علي عبدالله صالح عن السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي مقابل منحه الحصانة من الملاحقة القضائية، وباستفتاء شعبي عام اعتمد نائب الرئيس عبد ربه منصور هادي رئيسًا للجمهورية في 27 فبراير 2012م.
وتشكلت السلطة الجديدة القديمة، من المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني للإصلاح وأحزاب اللقاء المشترك، "وكأنك يا بو زيد ما غزيت."
وبناء عليه، ترك شباب الثورة الساحات، لعل وعسى أن يكون الوضع أفضل حالًا برعاية مجلس التعاون الخليجي.
حقيقة الأمر، استمرت الأوضاع في اضطرابات يومية عمت العاصمة صنعاء، وتدهور الوضع الاقتصادي، وانخفضت سعر صرف العملة، وساءت الأحوال المعيشية.
وتخلل تلك الفترة اجتماعات مؤتمر الحوار الوطني بإشراف الرئيس عبد ربه منصور هادي خلال الفترة مارس 2013م _ يناير 2014م، بمشاركة 565 عضوًا، يمثلون جميع الأطراف الحزبية، والأكاديمية، والإعلامية، والمرأة، وأفضى المؤتمر إلى مخرجات تضمنت: إقامة جمهورية يمنية اتحادية ودستور الجمهورية الاتحادية، بموافقة الجميع على المسودة، وعند التوقيع المراسيمي النهائي لم يوافق البعض على الحكم الاتحادي، واعتبروه تجاوزًا على التقاليد المتوارثة للحكم في اليمن.
وفي معمعان الأحداث، تمكن (أنصارالله) من اقتحام مدينة عمران ثم العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م، وانضمت معسكرات النظام السابق إلى (أنصارالله) بموجب توجيهات صريحة، مما مكنهم من إسقاط المدن حتى وصلوا إلى مدينة عدن.
وعلى صعيد آخر، دخل اليمن من جديد في دوامة صراعات، انتهى الأمر إلى مغادرة الرئيس عبد ربه منصور هادي من صنعاء إلى عدن، ثم توجه إلى الرياض يوم 26 مارس 2216م، تزامنًا مع بدء عملية عاصفة الحزم للتحالف العربي لإعادة الشرعية بقيادة السعودية، كما أصدر مجلس الأمن في 14 أبريل 2015م القرار 2216 بشأن اليمن، الذي نص في ديباجته: الحفاظ على سيادة اليمن وسلامة أراضيه ووحدته الوطنية واستقراره،. وانتهى الوضع في اليمن إلى سلطتين، سلطة (أمر واقع) في صنعاء تابعة لـ(أنصار الله) بقيادة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وسلطة شرعية معترف بها دوليًا مقرها (عدن).
وظل الوضع يراوح مكانه حتى اجتماع مؤتمر الرياض في الفترة 29 مارس _ 7 أبريل 2022م باستضافة مجلس التعاون الخليجي لجميع المكونات الحزبية والعسكرية والأكاديمية وشخصيات بارزة ومنظمات المجتمع المدني والإعلاميين والمرأة، وبمشاركة بين 500 و800 عضو.. وفي يوم 7 أبريل تنازل الرئيس عبد ربه منصور هادي عن السلطة بصورة غير بروتوكولية وقانونية إلى مجلس رئاسي انتقالي برئاسة د. رشاد محمد العليمي وسبعة أعضاء.
في واقع الأمر، لم يطرأ أي تحسن في الأوضاع، إذ ازدادت الأمور من سيء إلى أسوأ في جميع المناحي الحياتية.. ولم يتحقق خلال عشرة أعوام سوى عقد الهدن بإشراف مندوبي الأمم المتحدة إلى اليمن.
اليمن لا تشترى ولا تباع ولا تؤجر
إن الأوطان لا تباع، ولا تشترى، ولا تؤجر، وستظل اليمن دائمًا وأبدًا ملكًا للشعب اليمني من صعدة إلى المهرة، ومن أرخبيل سقطرى إلى أرخبيل ميدي، وتشكل اليمن حاليًا امتدادًا جغرافيًا وتاريخيًا للممالك اليمنية العظيمة منذ آلاف السنين: سبأ، ومعين، وحمير، وذو ريدان، وحضرموت، وقتبان، ويمنات، وأوسان.. ويتوارثها الخلف، على سبيل المثال تنتسب المعافر إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، كما تنتسب همدان إلى كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.. وهلم جرا.. وبكل فخر واعتزاز أن يكون ولاء وانتماء اليمانيين خلفًا عن سلف، إلى تاريخ اليمن المجيد، مهما قست الظروف، ولابد للعنقاء (الفينيق) من أن تنهض من رماد جسدها المحترق، فلا شمال ولا جنوب، ولا صنعاء ولا عدن، ولا يريم ولا تريم، كله يمن.
حقًا، إن جل الشعب اليمني، مع اليمن الاتحادي ودستورها الجديد كمخرج وحيد لشعب اليمن، وازدهاره، ورفاهيته.
كما تعتبر الحوكمة المؤسساتية، الأنموذج لبناء دولة اتحادية شامخة الأركان، تقوم على المرتكزات الآتية: الانتخابات الرئاسية، وتحديد فترة الرئيس لمدة أقصاها ستة سنوات، النزاهة في الانتخابات النيابية، وحرية الإعلام، والمساواة، والعدالة، ومبدأ تطبيق القانون على الجميع، والقضاء على الفساد بشتى أشكاله، وجيش يذود عن الحدود، وأمن وشرطة في المدن والقرى، والاهتمام بالتعليم، والتصنيع، والتقان، ومواكبة القرية الكونية، وهذا ليس بمستحيل على أبناء اليمن متى نعموا بحياة آمنة ومستقرة، ومن هذا المنطلق نصل إلى غايتنا في بناء اليمن.. والله ولي التوفيق..



