عمال النظافة في صنعاء تترصدهم الأوبئة وتخذلهم الجهات المسؤولة

يجوبون الشوارع ليلاً ونهاراً، يتعلقون بأطراف حاويات النظافة ويقفزون واحداً تلو الآخر لالتقاط أكياس وبراميل النفايات التي يضعها أصحاب المحال التجارية والمطاعم والبقالات والمنازل. تطاردهم هواجس تأمين لقمة العيش، فيخوضون عملاً محفوفاً بالمخاطر، ويعيدون للمكان والشارع والحي نظافتها التي تستحقها. وفي المقابل، يتعرضون لأمراض مزمنة وإصابات وجروح متكررة نتيجة الإهمال والسلوك الخاطئ من المواطنين حيناً، والاستهتار واللامبالاة أحياناً كثيرة.
جنود النظافة وأبر السكري
بعد أن أنهى خالد (25 عاماً) تنظيف أحد شوارع العاصمة صنعاء، اقترب من كيس أسود وبدأ يتفقد ما إذا كان يحتوي على علب بلاستيكية ليخرجها، حتى يتسنى له جمعها ووضعها في كيس، وهو عمل يومي يقوم به كل صباح. وأثناء تفتيش الكيس، جُرحت يده اليسرى بمشرط حاد مكسور تسبب في نزيف شديد وجرح عميق في راحة اليد، وعلى إثر الإصابة تم إسعافه إلى العيادة، حيث خضع لخياطة الجرح.
قصة خالد مشهد مؤلم يتكرر مع عمال النظافة، الذين تغوص أيديهم الخشنة في قاع براميل القمامة، ووسط الأكياس الملقاة على أطراف الشوارع والأرصفة، بحثاً عن بقايا علب بلاستيكية قد توفر لهم عائداً متواضعاً، لكنه لا بأس به في زمن الدخل المعدوم، بحسب تمتمة عاصم، الذي زم شفتيه وهو يشرح المتاعب التي يواجهها من الوقوف المتكرر أثناء التنظيف، وعند جمع العلب على اختلاف أنواعها، خاصة في أجواء الصيف وتحت أشعة الشمس الحارقة.

وفي الوقت الذي يرى فيه عاصم أن هذا العمل قدر فرضته ظروف الحرب وتبعاتها في البلاد، يقول خالد لـ"النداء" إن مسؤولية توفير وسائل السلامة وضمان أمن العاملين تقع على عاتق الدولة.
ويقود "أبو محمد" (35 عاماً) شاحنة جمع النفايات في ثلاث نوبات يومياً، من الساعة الثالثة عصراً حتى الثانية بعد منتصف الليل. وخلال تلك الساعات، يتولى العاملان المرافقان له التقاط النفايات والأكياس البلاستيكية وبقايا الطعام ومخلفات البناء من المربع المحدد لعملهم. ويصف أبو محمد بمرارة ما يتعرض له العمال يومياً من إصابات وجروح، ولا سيما بسبب بقايا أبر مرضى السكري التي لا يكاد يخلو منها شارع أو حي، إذ يرميها بعض المواطنين دون أي إجراءات احترازية أو وقائية تجنب وخز أيدي العمال، مما يتسبب لهم بآلام شديدة وتورم يستمر لعدة أيام، فضلاً عن تعرضهم لأمراض معدية بسبب التلوث.
ويضيف أبو محمد لـ"النداء" : "نعمل في كل الظروف، وفي جميع الأوقات والمناسبات والأعياد، وحتى في مواسم الأمطار، ولا تتوقف الشاحنة التي أقودها يوماً واحداً". ورغم مشقة العمل، فإنه يعول على وعي المواطن وتقديره للجهد الذي يبذله عامل النظافة في ثلاث نوبات يومياً طوال أيام الأسبوع والشهر والعام، مؤكداً أن المطلوب من المواطن لا يتجاوز قليلاً من الوعي والالتزام بالمواعيد المحددة لإخراج المخلفات، إذ لا يمكن تخيل وضع الشوارع إذا تأخر رفع النفايات منها حتى لفترة قصيرة.
الحماية المفقودة
تتجلى مخاطر الإهمال وغياب معايير السلامة في نقص معدات الوقاية ووسائل الحماية الشخصية، مثل القفازات السميكة والكمامات والأحذية الواقية، وهو ما يضاعف تعرض العاملين للجروح الناتجة عن المسامير وبقايا القطع المعدنية الصدئة. وفي المقابل، تكتفي الإدارة العامة للنظافة بتوجيه تحذيرات شفوية خلاصتها: "انتبهوا لأنفسكم"، على حد تعبير أحد مسؤولي الإدارة العامة للنظافة بأمانة العاصمة.
ويلخص المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أبرز المخاطر التي ترافق العمال على المدى الطويل، في الإصابة بالأمراض الجلدية، وأمراض الجهاز التنفسي الناتجة عن استنشاق المواد الكيماوية والسامة والمسرطنة، إضافة إلى الحساسية المزمنة وغيرها من الأمراض، مثل آلام الظهر ومشكلات العمود الفقري بسبب الانحناء المتكرر ورفع المخلفات الثقيلة بطريقة غير صحيحة، خاصة في ظل غياب المتابعة الطبية والعلاج، وهو نادراً ما يتوفر للعاملين.

وأضاف أن أربعة آلاف عامل نظافة يخدمون أكثر من ثلاثة ملايين نسمة في أمانة العاصمة، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الإدارة والعاملين، مؤكداً أن الرهان يبقى على وعي المواطن في تغليف النفايات بطريقة آمنة، ولا سيما المخلفات الطبية، مثل الإبر والمراهم والأدوية المنتهية الصلاحية، إلى جانب الأدوات الحادة والمواد الكيماوية ومخلفات الإلكترونيات كالبطاريات.
وأكد أن محدودية الإمكانات، سواء لدى الإدارة أو المواطن، تزيد من اتساع الفجوة مع البلدان المتقدمة، التي تعتمد فرز النفايات، كل على حدة، حيث تخصص حاويات منفصلة للمخلفات الطبية، والبلاستيكية، والورقية، والمعدنية، وبقايا الطعام.
أخطار يومية
يتكئ عامل النظافة اليمني على عصا الصبر في مواجهة الظروف المادية الصعبة التي أثقلت كاهل المواطنين من محدودي الدخل. هذا ما لخصه العامل حسن، وهو يؤدي عمله بتفانٍ، مجيباً عن تساؤلاتنا حول الرعاية الصحية التي تقدمها الإدارة العامة للنظافة بأمانة العاصمة.
يقول حسن بنبرة يأس: "التأمين الصحي أصبح سقفه بسيطاً ومحدوداً مقارنة بما كان عليه في السابق، والكل يعاني من تدهور الوضع الصحي لعمال النظافة". ويشير إلى زميله الذي يعمل بجواره، موضحاً أنه عاجز عن علاج والدته التي تحتاج إلى عملية جراحية، وليس أمام عامل النظافة سوى مستشفى الكويت للمراجعات الطبية وصيدلية واحدة لا يتوفر فيها كثير من الأدوية، ما يضطره إلى البحث عن دوائه في مكان آخر.
كما ودع عامل النظافة "سليم" (30 عاماً) الحياة أثناء تأديته لعمله في شارع الستين، بعد أن حاول التقاط مجموعة من الأكياس البلاستيكية الفارغة، لكن سيارة كانت تسير بسرعة جنونية دهسته قبل أن يكمل مهمته، إلى جانب معداته المتمثلة في عصا الكنس وكيس جمع النفايات.
ويقول علي، صديق سليم، إنه تم إسعافه، لكنه لم يصل إلى المستشفى إلا وقد فارق الحياة. وبكلمات مؤلمة يستعيد ذكريات رحيله، مؤكداً أن وفاته كانت كارثة على أسرته التي فقدت معيلها الوحيد.
وهكذا تظل رحلة عامل النظافة محفوفة بالمخاطر، سواء كان متعلقاً بطرف شاحنة جمع النفايات أو يؤدي عمله في الشارع، في وقت لا تزال فيه هذه الفئة تواجه أخطاراً يومية تتطلب وعياً مجتمعياً أكبر، وإجراءات أكثر جدية لحماية من يحملون على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على نظافة المدينة.
