الثلاثاء 11 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • اصطفافات الضرورة واصطفافات القناعة: شهادة من قلب الواقع

اصطفافات الضرورة واصطفافات القناعة: شهادة من قلب الواقع

منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2015، وحتى ما يقارب عامين من عمرها، كنت أطرح في لقاءاتي مع قيادات في أنصار الله سؤالًا واضحًا حول خطابهم الإعلامي، خصوصًا إصرارهم آنذاك على تسمية الحرب بـ«العدوان الصهيوأميركي»، بدلًا من تسميتها عدوانًا سعوديًا أو خليجيًا.

كان جوابهم، في الغالب، أنهم لا يحملون عداءً للسعودية، بل يرون أنفسهم والسعودية ضحايا لمؤامرة أو فتنة أميركية ـ صهيونية.

وفي أحد اللقاءات مع قيادي من الصف الأول في الحركة، ذهب الأمر أبعد من ذلك، فقال لي بوضوح إن «الجنوبيين يحملون عداءً مفرطًا للسعودية»، وإنه إذا جرى دعمهم «سيفرطون في سفك دماء السعوديين وقتالهم».

ثم حدثني عن طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين أنصار الله والسعودية، وكيف كانت المواد الغذائية تصل إليهم من الأراضي السعودية في بدايات حروب صعدة، وكيف كانوا يزورون السعودية حتى قبيل اندلاع الحرب، بل إنه برر اتفاق ظهران الجنوب باعتباره اتفاقًا بين «إخوة»، لا يهم فيه ـ بحسب منطقه آنذاك ـ من تنازل لمن.

هذا كان موقف صنعاء في تلك المرحلة.

أما في الضفة الأخرى، فمنذ اليوم الأول للحرب وحتى آخر لقاء لي، قبل أشهر، مع قيادات من الشرعية، كان الخطاب مختلفًا تمامًا: السعودية عدو تاريخي، والإقامة فيها بعد الحرب لم تغيّر هذا الانطباع، بل عززته.

واللافت أن هذا الكلام لم يكن يُقال دائمًا في جلسات مغلقة أو بعيدًا عن الناس، بل قيل في مناسبات عامة وأمام أعداد كبيرة من الحضور، بما يعكس أن الأمر لم يكن مجرد رأي فردي، وإنما قناعة راسخة لدى قطاع من تلك القيادات.

وفي إحدى تلك المناسبات سألت أحدهم أمام الحاضرين: طالما هذه قناعاتكم في السعودية، فلماذا لا تعودون إلى صنعاء ؟

كانت إجابته أن محاولات فتح نوافذ تفاهم مباشر مع صنعاء أُغلقت تباعًا، وذكر لي إحدى تلك المحاولات بالاسم والتاريخ، وقال إن اتفاقًا تم بالفعل حول عدد من النقاط، قبل أن يتلقى في اليوم التالي رسالة من قيادي بارز في أنصار الله تطلب منه أن ينسى ما تم الاتفاق عليه، وأن الخيار الوحيد هو تسهيل زيارة له إلى صعدة للقاء السيد.

وحين قبل بذلك العرض بشرط أن يكون هذا مرتبطاً بما تم الاتفاق عليه قبل الزيارة، لم يتلقَّ ردًا، وأُغلق الباب.

هذه التفاصيل ليست للتشهير بأحد، ولا لكشف أسرار سياسية، وإنما لتوضيح مفارقة أكبر بكثير من الأشخاص أنفسهم.

كثير من الاصطفافات اليمنية التي تبدو اليوم راسخة، لم تكن في الأصل اصطفافات قناعة، وإنما اصطفافات ضرورة.

لقد دفعت الحرب اليمنيين إلى مواقع لم يختاروها بالضرورة، وأجبرتهم على التحالف مع أطراف لا يثقون بها، والقتال تحت رايات لا تعبر دائمًا عن قناعاتهم الحقيقية.

وحتى داخل المعسكر الواحد، ما زالت هذه المفارقة قائمة.

هناك من هو مع الشرعية، لكنه لا يريد لها أن تصل إلى صنعاء.

وهناك من هو مع صنعاء، لكنه لا يريد لها أن تصل إلى مأرب أو تعز، وبالتأكيد ليس إلى الجنوب.

وهناك من يقيم في صنعاء لكنه لا يخفي تبرمه من سلطتها، وهناك من يعيش في معسكر الشرعية لكنه لا يخفي عداءه للجهة التي ترعاه.

فأي اصطفاف هذا؟

وأي حرب هذه التي تجعل الإنسان يقاتل أحيانًا في الجهة التي لا يؤمن بها، ضد خصم قد لا يكون هو عدوه الحقيقي؟

المشكلة أن الحرب لم تكتفِ بصناعة هذه الاصطفافات، بل صنعت حولها جدرانًا من التخوين والتصنيف والإقصاء. فأصبح كل مختلف «مرتزقًا» أو «أدوات» أو «وكلاء »، وتحولت هذه الكلمات إلى بديل عن الحوار، وإلى وسيلة لإغلاق أي نافذة يمكن أن تقود إلى تفاهم يمني ـ يمني.

وهنا تحديدًا ضاعت فرص كثيرة.

فحتى عندما كانت توجد قواسم مشتركة بين أطراف الصراع، لم يكن أحد يريد الاقتراب منها؛ لأن مجرد فتح حوار مع الخصم كان يُقدَّم باعتباره خيانة لمعسكره.

وهكذا تحولت الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى منظومة مصالح واصطفافات، أصبح استمرارها في أحيان كثيرة أسهل من البحث عن تسوية.

والأخطر أن الهدنة نفسها لم تُستغل لإعادة ترتيب هذه المعادلة.

كان يفترض أن تكون الهدنة فرصة لإعادة رسم الخريطة السياسية، وفك الاشتباك بين اليمنيين، وإعادة تعريف الخصوم والحلفاء، وفتح قنوات الحوار المباشر، وبناء تفاهمات يمنية بعيدًا عن الوصاية الخارجية.

لكن ما حدث هو العكس تقريبًا؛ فقد ازداد ارتباط المشهد الداخلي بالعامل الخارجي، وأصبح الخارج وسيطًا وطرفًا وضامنًا وصاحب تأثير في الوقت نفسه.

واليوم، ومع مؤشرات العودة إلى جولة جديدة من الصراع، يبدو السؤال الأهم ليس: من سينتصر على من في الداخل؟

بل: هل سنكرر الحرب نفسها، بنفس الأساليب والأدوات والرؤى والاصطفافات ؟

إذا كانت الإجابة نعم، فلن تكون الجولة القادمة أكثر من إعادة إنتاج للجولة السابقة، مع مزيد من الدماء والخراب، ومزيد من الارتهان للخارج.

أما إذا كان هناك من يريد فعلًا إنهاء الحرب، فعليه أن يبدأ من القاعدة البسيطة التي تجاهلناها طوال السنوات الماضية:

الخلاف اليمني لا يُحل بحرب يمنية جديدة، والتدخل الخارجي لا يُواجه بالتهدئة والقبول أو اخراجه من سلم الأولويات.

نحن بحاجة إلى إخراج العامل الخارجي من المعادلة، وتحديدًا الرياض، بالتوازي مع فتح كل نوافذ الحوار في الداخل، لا إغلاقها.

فالخصم الخارجي شيء، والخصم اليمني شيء آخر.

والتصدي للتدخل الخارجي لا يعني تحويل الخلافات الداخلية إلى حرب أهلية مفتوحة.

وإذا كان لا بد من معركة سياسية، فلتكن معركة استعادة القرار اليمني، لا معركة استنزاف اليمنيين لبعضهم.

لقد جربنا اصطفافات الضرورة أكثر من عقد، وكانت النتيجة بلدًا ممزقًا وشعبًا منهكًا.

آن الأوان للانتقال إلى اصطفافات القناعة؛ حيث يتحالف اليمنيون لأنهم مقتنعون، ويقبل بعضهم بعضاً، ويختلفون لأنهم مختلفون وهناك متسع لذلك، ويتحاورون لأنهم يمنيون، لا لأن الرياض أو أبوظبي أو أي عاصمة أخرى سمحت لهم بذلك.

فالحرب قد تفرض عليك مع من تقف، لكنها لا تستطيع أن تفرض عليك أن تغير قناعتك في من تحب ومن تكره ومن تعتبره عدوك. وهذه بالضبط هي المساحة التي يجب أن نستعيدها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب.