الإثنين 10 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • قراءة في مذكرات اللواء علي محمد صلاح .. ملاحظات سياسية تاريخية (٣-٥)

اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، وقتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية:

قراءة في مذكرات اللواء علي محمد صلاح .. ملاحظات سياسية تاريخية (٣-٥)

الإهداء:
إلى عبدالله عبدالعالم، الفارس الجمهوري النبيل، أحد رموز الدفاع عن ثورة ٢٦ سبتمبر،١٩٦٢م، وفك الحصار عن صنعاء في السبعين يوماً.
إليه.. رمزاً حياً للوفاء الصادق لرفيقه وقائده، الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي.
عاش، عبدالله عبدالعالم، قامةً من الوفاء، ومضى إلى ربه منفيّاً عن تراب وطنه؛ جَرّاء حقدِ العصور المتراكم في نفوس القتلة الذين أبوا إلا أن يحرِموه من دفء الوطن حيّاً وميّتاً، حتى امتدّ ذلك الضغينُ الدفين ليشمل أبناءه وأحفاده الذين يتجرّعون مرارة المنفى ذاته، قِصاصاً لوفائه ونقاء محبته لليمن الحر المستقل ولديمقراطيته المنشودة.
تحيةَ إجلالٍ ووفاء أبعثها إليه، وهو اليوم في دار الخلود، جوار الصدّيقين والصالحين والشهداء، وحَسُنَ أولئك رفيقا.

الشهيد إبراهيم الحمدي وعبدالله عبدالعالم
الشهيد إبراهيم الحمدي والرئد عبدالله عبدالعالم

- قبل البدء

هذه الملاحظات الناقدة تقتصر حصراً على الوقائع الواردة في الجزء الثاني من مذكرات اللواء علي محمد صلاح، وتحديداً القسم المحصور بين الصفحات (371 إلى 481)، والذي يتناول حادثة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي ومقتلة مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية. وهي ملاحظات سياسية وتاريخية محددة بهذا النطاق دون التعرض لبقية أجزاء المذكرات.

- تناقضات حكايات وأفكار علي محمد صلاح حول وساطة المشايخ:

حيث نرى ونقرأ اللواء علي محمد صلاح يكتب في مذكراته ص388، التالي:

"بصراحة أقول إن الرئيس الغشمي عندما طلب تدخل مشايخ وأعيان المنطقة لم يطرح عليهم ضمن المهمة التي كُلِّفوا بها معرفة وجهة نظر عبدالله عبدالعالم ومقترحاته للحل لإعطاء الوسطاء مرونة كاملة للتوفيق بين طرحي الطرفين للخروج بحل وسط يرضي الجميع، وتجنب المواجهة، لأن مقترحات الغشمي كانت تعني إما الموافقة على مقترحاته أو المواجهة في حالة الرفض (...) وأن الغشمي كان يدرك أن عبدالله عبدالعالم لن يتجاوب مع تلك المساعي".

وفي موضع آخر من الصفحة نفسها من الكتاب يكتب في ص 388، التالي:

لأن الغشمي وعلي عبدالله صالح كانا يعرفان مسبقاً ما هو رد عبدالله عبد العالم على المقترح الذي حَمَلَه للوسطاء!!.

احمد الغشمي وعلي صالح
احمد الغشمي وعلي صالح

وفي هذا السياق وحول هذا الموضوع يكتب –كذلك- اللواء علي صلاح التالي: "لم ييأس المشايخ وذهبوا إلى التربة والتقوا به – أي بعبدالله عبدالعالم - في قيادة المنطقة وطرحوا عليه ما جاء من الغشمي من مقترحات لمعالجة الإشكال بينهما، وطلبوا منه معرفة وجهة نظره حول ما طُرِح وما هي مقترحاته لتقريب وجهات النظر بينهما. إلا أن – كما يقول علي صلاح- كل تلك المحاولات لم تجد آذاناً صاغية، وكلما توصلوا إلى تفاهم في بعض النقاط غَيَّر رأيه – يقصد عبدالله عبدالعالم- في آخر لحظة، لأنه كان غير واثق بهم"، نفس المرجع، ص388.

أي غير واثق بالمشايخ، مع أن الصحيح والواقع هو أنه لم يكن يثق بالغشمي ولا بعلي عبدالله صالح.

مع أنه في الفقرة السابقة التي أوردناها، كتب أن "مقترحات الغشمي كانت تعني إما الموافقة على مقترحاته أو المواجهة في حالة الرفض"، وفي الفقرة التي بعدها مباشرة يتحول عبدالله عبدالعالم إلى الرافض للحوار والتسوية، والذي لا يثق بالمشايخ ولذلك زج بهم في السجن. ومع مثل هذا الخطاب المرتبك والمراوغ والمتناقض نجد أنفسنا وكأننا أمام حديث سياسي إعلامي سلطوي/ رسمي باسم الغشمي وصالح، وليس مذكرات شبه مستقلة، أو قراءة محايدة.

حتى يكتب اللواء علي صلاح في الصفحة التالية مباشرة، ص389، بهدف تبرير وشرعنة عملية الحرب والقتل التالي: "حينها اعتبر الغشمي أن كل المحاولات التي قام بها مشايخ وأعيان ووجهاء المنطقة والمحافظة قد اسْتُنْفِدَتْ.. وأن تلك التصرفات غير المسؤولة التي قامت بها تلك المجاميع لم تراعِ أبسط الأعراف القبلية والأخلاقية التي تمنع سجن الوسيط أو إهانته أو قتله أو تعذيبه أو التعزير بجثته وعدم مراعاتهم لمكانة أبناء المنطقة من الشيوخ والأعيان والوجاهات الاجتماعية (...) يعني إغلاق الباب تماماً أمام أية محاولات أخرى وإعلاناً مباشراً من قبل عبدالله عبدالعالم للمواجهة –مع أن علي صلاح كتب أن مقترحات الغشمي للوسطاء تعني إما القبول بها أو المواجهة– حينها أرسل - أي الغشمي- المقدم علي الشيبة رئيس الأركان إلى تعز للإشراف على تجهيز حملة عسكرية كبيرة من المشاة والمدرعات والمدفعية للتحرك والتوجه إلى التربة للقبض على عبدالله عبدالعالم وجماعته وإطلاق المشايخ المسجونين قبل أن يمسهم سوء –وكأنه يعلم مسبقاً أنه سيمسهم سوء- وكَلَّف علي عبدالله صالح قائد لواء تعز بقيادة الحملة لإنهاء ذلك التمرد بالتنسيق مع وجهاء ومشايخ وأعيان المنطقة"، ص389.

ما سمعته من عبدالله عبدالعالم في دمشق، ومن العقيد محمد طربوش سلام الشرجبي، ومن الصديق اللواء، حاتم أبو حاتم، ومن غيرهم، أن لقاء عبدالله عبدالعالم وآخرين بالشيخ أحمد سيف الشرجبي، والشيخ والتاجر عبدالسلام شمسان، كان لقاءً طيباً ومثمراً وودياً، وأنهما تفهما موقفه، وأدركا بوعيهما السياسي وخبرتهما في العمل الوطني وفي إدارة السياسة أن البلاد أمام مسلسل للقتل لن يتوقف، والمطلوب تصفية أي معارضة لنظام حكم الغشمي وصالح، ولذلك انسحبا بهدوء من الموقف، ولذلك –كذلك- تم تصفية الشيخ أحمد سيف الشرجبي –لاحقاً- بتلك الصورة انتقاماً من موقفه الرافض للحملة العسكرية في ذلك الحين حيث تم اغتياله في العام 1986م.

حاتم ابو حاتم .jpg
حاتم أبو حاتم

هناك العديد من الوقائع وحتى التحليلات الدقيقة والصحيحة في مذكرات اللواء علي محمد صلاح، وتبقى نقطة الضعف الأساسية في المذكرات هي ما يتصل بمن قتل الحمدي ومشايخ وأعيان تعز، حيث نرى الانحياز السياسي الواضح لتبرئة ساحة علي عبدالله صالح تحديداً من عملية القتل في الواقعتين.

ومن هنا المطالبة بجعل هذا الملف السياسي والجنائي مفتوحاً نحو تجميع أكبر قدر من الشهادات والوثائق والحقائق، ولتترك الكتابات السياسية التحليلية والنقدية حول ما جرى مستمرة وقائمة سواء مع أو ضد، اتفقنا معها أو اختلفنا.

هذا أفضل مسار للوصول للحقيقة لأن ما نكتبه هي رؤانا الخاصة وتقديراتنا التحليلية والنقدية كما نراها نحن، وليست هي الحقيقة المطلقة، كما أنها ليست أحكاماً قضائية؛ هذه متروكة للقضاء فيما سيأتي من الأيام، فمثل هذه القضايا/ الجرائم لا تسقط بالتقادم.

وعلى هذا الطريق تأتي هذه القراءة والكتابة، حول ما جاء في مذكرات اللواء، علي محمد صلاح، لتحفيز من لديه وقائع وشهادات ووثائق فعلية من أي نوع ليقدمها على الأقل للنشر لتبقى في أيدي ومتناول المعنيين والمهتمين والمختصين.

إن ما أحب قوله أن نظام الرئيس علي عبدالله صالح تحديداً، الذي كان –قبلها- قائداً للحملة العسكرية على تعز/ الحجرية/ التربة، كان يسعى في اتجاهين: تحميل عبدالله عبدالعالم المسؤولية عن كل ما جرى من قتل، ولذلك اشتغل طيلة فترة وجوده في قمة السلطة في اتجاه توجيه الإعلام السياسي والخبري والإعلامي بهذا الاتجاه، أي في تحميل عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات المسؤولية، بقدر ما سعى إلى محو وقتل وجود أي شاهد على ما جرى، آخرها ما حدث مع عبد الرقيب القرشي، الذي تم استدعاؤه للعودة من الخارج بأمان منه، ومن ثم قتله في وسط العاصمة صنعاء، كما تم محو واحد من أبرز وأهم الأدلة –لاحقاً- وهو الشيخ أحمد سيف الشرجبي، لأنه كان من المعارضين الأشداء للحملة العسكرية. وفي هذا السياق كتب اللواء علي صلاح التالي:

"فقد وصل إلى قيادة لواء تعز –يقصد أحمد سيف الشرجبي- والتقى الأخ علي عبدالله صالح قائد اللواء واعترض على توجيه الحملة العسكرية وطلب تأجيلها لإتاحة المجال للقيام بمحاولات أخرى وعدم التسرع بإرسالها قبل تدارس الأمر مع المشايخ والأعيان حرصاً على عدم تعرض المشايخ الذين زُج بهم في سجن التربة للخطر والانتقام وتعرض المنطقة للمخاطر، ومع إصرار قائد اللواء بالتحرك –يقصد علي عبدالله صالح- واعتراض الشيخ أحمد سيف الشرجبي وتوعده بالتصدي لها –أي للحملة- إذا تحركت دون موافقة المشايخ والأعيان، حصلت ملاسنة كلامية وتحدٍّ بينهما غادر بعدها الشيخ أحمد سيف مبنى قيادة اللواء غاضباً متجهاً إلى التربة، وبعد مغادرته حاولنا التواصل معه إلى منزله في تعز وإلى التربة لتهدئة الأمور في اليوم الأول وصباح اليوم التالي، إلا أننا لم نتمكن من التواصل معه، كونه غادر غاضباً ومتوعداً بالتصدي للحملة، وكنا نخشى عودته إلى التربة لحشد أبناء المنطقة لمواجهة الحملة وتتعقد الأمور أكثر مما هي معقدة"، انظر المذكرات، نفس المرجع، ص389-390.

احمد سيف الشرجبي
احمد سيف الشرجبي

هكذا كتب اللواء علي صلاح عن المواجهة السياسية القوية بين الشيخ أحمد سيف الشرجبي وعلي عبدالله صالح قائد الحملة على تعز.

وستلاحظون أنني لم آتي أو اطرح أو افترض أي وقائع وحقائق من عندي، فقط، اقدم قراءة أو ملاحظات على ما هو مدون في المذكرات.

وهذه الخلفية السياسية والمواقفية الوطنية –وغيرها/ التي أشرنا لها من وقائع المذكرات - للشيخ أحمد سيف الشرجبي هي التي –في تقديري- كانت السبب الحقيقي في اغتياله لاحقاً وبأثر رجعي لإغلاق ملف قتل المشايخ والأعيان من أبناء تعز/ الحجرية.

وجميع تفاصيل الحكاية اللاحقة حول لقاء الشيخ أحمد سيف الشرجبي مع عبدالله عبدالعالم في تفاصيلها المثيرة والغريبة العجيبة إنما تم إيرادها مفبركة أو منحازة لاستكمال حلقة إدانة وتجريم عبدالله عبدالعالم، ليس أكثر، وهو في تقديري، حديث معد مسبقاً وبدون شهود لم نسمع به إلا من حكاية اللواء علي محمد صلاح، ولم يرد شيء مما أشار إليه على لسان عبدالله عبدالعالم، أو غيره من شهود العيان، بل ولا حتى على لسان الشيخ أحمد سيف الشرجبي، سوى الإشادة من قبل عبدالله عبدالعالم، بمواقف الشيخ أحمد سيف الشرجبي لإدراكه خيوط اللعبة السياسية مبكراً.

ولذلك اصطدم بقوة مع علي عبدالله صالح موجهاً له خطاباً سياسياً وشخصياً قوياً وحاداً من مغامرة الحملة العسكرية على الحجرية التي كان علي عبدالله صالح، مصراً عليها، وأُرِيدَ بها تحقيق أكثر من هدف سياسي في وقت واحد، وحتى يظهر علي عبدالله صالح بمظهر قائد الحملة، البطل والمنتصر!!.

كان عبدالله عبدالعالم، حين يأتي سياق حديث مرتبط باغتيال الرئيس الحمدي وقتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية، لا يتوقف عن الإشادة بالشيخ أحمد سيف الشرجبي، والحاج سعيد علي الأصبحي، والشيخ عبد السلام شمسان، والشيخ علي شكري، على الأقل هذا ما كان يقوله ويردده.

إن اللواء علي صلاح يرى أن احتجاج وخروج عبدالله عبدالعالم من صنعاء إنما كان تمرداً!! على السلطة الشرعية!! التي قتلت الرئيس الشرعي الحقيقي والفعلي بالتعاون مع دولة أجنبية/ السعودية.

هكذا فهم وقرأ سياسياً علي صلاح موقف عبدالله عبدالعالم.

وفي العديد من صفحات مذكراته يردد هذا الحديث والخطاب في تبني وجهة نظر قتلة الرئيس الحمدي.

أتفهم الانحياز السياسي والشخصي لصاحب المذكرات لعلي عبدالله صالح، ومحاولته تبرئة ساحته بصورة علنية وفاضحة من قتله للرئيس إبراهيم الحمدي، وكذا تبرئة ساحته -في ظل رئاسة الغشمي- عمن كان يقف بالفعل وراء قتل مشايخ وأعيان تعز/ الحجرية، ومن له مصلحة واقعية وسياسية وفعلية للتخلص منهم –على الأقل من بعضهم ممن كانوا مستقلين وغير مرتبطين بالنظام– ذلك أن هناك مشايخ كانوا يد السلطة وقوة بطشها في قمع واضطهاد المواطنين والتنكيل بهم في مناطقهم، بما لا يعني تحت أي مبرر أو حجة تبرير قتلهم، وهو ما يشير إليه ضمناً اللواء علي صلاح في مواضع مختلفة من مذكراته وهو يتحدث عن بنية النظام السياسي ودور المشايخ في قهر واضطهاد الفلاحين والرعية.

الحمدي وعلي صالح والغشمي
الحمدي وعلي صالح والغشمي

كما أنني أتفهم تبريره وشرعنته للحملة العسكرية على تعز/ التربة، فقد كان أحد قادتها البارزين كما أشار هو إلى ذلك، ومحاولته تصوير أن العمود الفقري للحملة العسكرية كانوا هم أنفسهم أبناء تعز الذين تحركوا لقمع تمرد عبدالله عبدالعالم!.

وهي حكاية ورأي عارٍ من الصحة، هو ذات ما كان يقوله خطاب السلطة.

حيث يكتب اللواء علي صلاح التالي: "أبناء تعز الذين لولا وقوفهم المشرف لكانت تلك الأحداث خرجت عن نطاقها ومسارها ودخلت اليمن في نفق مظلم لن نستطيع الخروج منه بسهولة (...) حيث شهدت حملة عسكرية لمواجهة ذلك التمرد وكنت أحد قادة الحملة التي توجهت إلى التربة خلال تلك الفترة التي تعتبر جزءاً أساسياً من ذكرياتنا في محافظة تعز" ص397، وكأن اللواء علي صلاح يفتخر بمثل هكذا ذكريات دموية ومأساوية، هي بمثابة محاولة لإعادة إنتاج ما يشبه أحداث أغسطس 1968م ثانية.

وهو ما ألمح إليه اللواء علي صلاح ناقداً أحداث 23/24 أغسطس 1968م، وأن عبدالله عبدالعالم كان من خلال تمرده يحاول نبش ذلك التاريخ السياسي والعسكري المأساوي.

نفس المرجع، ص385.

تقديري –أقول تقديري– وقد لا أكون دقيقاً ومصيباً أن الإصرار على الحملة العسكرية على تعز/ التربة من قبل علي صالح لم يكن هدفها القبض على عبدالله عبدالعالم والقوات التي معه، بل الانتقام من المنطقة وعقابها لدوافع سياسية ونفسية متخلفة مكبوتة في عقل وفكر علي عبدالله صالح والغشمي، علي عبدالله صالح الذي كان يرى في أحداث 23/24 أغسطس 1968م نموذجه السياسي والعسكري (المثالي) المطلوب إعادة إنتاجه في كل وقت يجد في ذلك ضرورة، وهو ما كان يهدد به الناس في مراحل مختلفة في انتفاضة ديسمبر 1992م بعد الوحدة، في تعز، وفي سياق ثورة الشباب فبراير 2011م، وخلال حرب 1994م حين تحدث قائلاً للبعض من أعوانه وهو يحفز ويجيش الناس للقتال: "أنا آخر حاكم زيدي، إذا لم تنتبهوا لما يُعَدُّ لكم من الجنوبيين ومن الشوافع"، وهو خطاب طائفي رخيص، وكأنه الوريث الشرعي لتاريخ الاستبداد والطائفية والظلم في تاريخ اليمن المعاصر.

ومن هنا قلق وحذر وخوف الشيخ أحمد سيف الشرجبي وغيره من الوسطاء من الحملة العسكرية ومعارضته القوية لها، حتى دخوله في مشادة كلامية عالية النبرة والصوت -كما سبقت الإشارة- استخدم فيها الشيخ أحمد سيف الشرجبي ألفاظاً وتعبيرات سياسية قوية في مواجهة مباشرة مع علي عبدالله صالح قائد اللواء وقائد الحملة، وصولاً لقوله له أكثر من مرة: "نحن المشايخ وأبناء تعز والحجرية من سيتصدى للحملة"، وهو خطاب من قائد سياسي ووطني محنك مدرك لدهاليز لعبة السياسة والسلطة القذرة، ومدرك لمعنى وحقيقة الحملة العسكرية التي رغم التحذيرات منها، فقد ارتُكِبَت فيها الفظائع المحدودة في بعض المناطق، والقصف والتدمير العدواني المتعمد.

لم ينسَ علي عبدالله صالح للشيخ أحمد سيف الشرجبي تلك المواجهة والملاسنة السياسية القوية ضده وفي مواجهته، وأَجَّلَ رد فعله الانتقامي من تلك الجرأة والشجاعة والمواجهة إلى تلك الحادثة المشؤومة بقتله وهو على سفر في الطريق (أعتقد في منطقة النشمة) في عملية أمنية إجرامية منظمة لا تقوم بها إلا سلطة وأجهزة أمنية، جريمة جنائية وسياسية المستفيد الأعظم والوحيد منها هو علي عبدالله صالح، باعتبار الشيخ أحمد سيف الشرجبي أحد شهود العيان الكبار على ما جرى.

حملة بقيادة علي عبدالله صالح، ومعه قائد المدرعات أحمد فرج، وعبدالله القاضي قائد المدفعية، إلى جانب علي محمد صلاح، ضمن حملة هي أقرب إلى مكون الجيش الصغير ، طبعاً إلى جانب دور قوات الطيران الذي كان يقصف من الجو بطريقة عشوائية وكأنه ينتقم من المنطقة بعد أن تم استباحة بعض القرى والمناطق.

حملة عسكرية كانت معارضة ورفض أبناء المنطقة لها قوية وواضحة، علماً أن الحملة لم تُواجَه بأي مقاومة حقيقية من الناحية العسكرية، وهو ما يؤكده حديث اللواء علي محمد صلاح حيث كتب قائلاً:

"كنا نتوقع مقاومة كبيرة في (وادي الضباب)، كون المنطقة ضيقة وزراعية ويمر خط السير فيها، وتطل عليها سلسلة جبلية من الاتجاهين وصالحة لنصب الكمائن خاصة في المضائق وداخل الجرب الزراعية التي قد تعيق التقدم بعض الوقت، وقد نتعرض خلالها لبعض الخسائر، ووضعنا في الاعتبار أن المواجهة مع المظلات في هذه الأماكن بالذات ستكون شرسة نوعاً ما، لما يمتلكونه من القوة التي كنا نتفوق بها عليهم، بل لأن طبيعة المنطقة تساعدهم دفاعياً، إضافة إلى أن أفراد المظلات كانوا يتمتعون بمستوى تدريبي عالٍ ويمتلكون تجربة قتالية جيدة، ومنهم مقاتلون سبق أن شاركوا في مهام قتالية من بعد قيام الثورة، وأثناء حصار صنعاء وأحداث المناطق الوسطى، ومن أشجع رجال المظلات الذين تم اختيارهم من قبل عبدالله عبدالعالم بنفسه قبل انتقاله إلى التربة".

هذا الحديث الوصفي والتقييمي والعسكري لقوات المظلات هو ما كتبه اللواء علي محمد صلاح، أي أننا أمام قوات جيش عسكرية وطنية، لهم مساهماتهم القتالية الوطنية في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر 1962م وفي الدفاع عن صنعاء في حصار السبعين يوماً؛ هذا ما ورد في حديث اللواء علي صلاح، أي أننا لسنا أمام متمردين ولا جماعات مسلحة من الجبهة الوطنية الديمقراطية الذين كانوا يتحكمون بقرار عبدالله عبدالعالم، كما حاول أن يشير إلى هذا المعنى اللواء علي صلاح في بعض المواضع من صفحات مذكراته.

نحن هنا أمام رجال شجعان من قوات المظلات، تم اختيارهم بدقة من قبل عبدالله عبدالعالم، هكذا كتب اللواء علي صلاح.

وهو ما يعني أن قوات المظلات التي كانت مع عبدالله عبدالعالم لم تكن عصابات، ولا عناصر متطرفة، كما أنها لم تكن في وارد المواجهة القتالية العسكرية، كما نؤكد أنه ليس هناك من صلة مباشرة لنظام الجنوب في ذلك التحرك السياسي والعسكري الاحتجاجي لعبدالله عبدالعالم. والأهم أن القائد عبدالله عبدالعالم لم يسعَ للتحشيد والتجييش من بين أبناء المنطقة في هذا الاتجاه، مع أن الأجواء السياسية والاجتماعية والوطنية وحتى السيكولوجية كانت مهيأة لذلك كرد فعل لقتل الرئيس الحمدي، حيث كانت تعز هي من أولى المحافظات التي خرجت عن بكرة أبيها لمدة ثلاثة أيام متوالية صباحاً ومساءً احتجاجاً لمقتل الحمدي، ومطالبة بالثأر والانتقام له، وضرورة تسليم القتلة الذين يقف على رأسهم البعض من قيادة الحملة.

أتفق كلياً مع اللواء علي محمد صلاح في قوله:

"كان الأجدر به -أي بعبدالله عبدالعالم- مواجهة الغشمي في صنعاء مكان تواجد قواته وأنصار الحمدي، وقد تشاركه وحدات أخرى معارضة للغشمي الذي كان يفتقد إلى الشعبية بعد مقتل الرئيس الحمدي".

علي محمد صلاح، نفس المرجع، ص408-408.

وهنا في تقديري يقع الخطأ السياسي والعسكري الذي وقع فيه عبدالله عبدالعالم لحسابات سياسية معينة لم تكن دقيقة وعملية، ومن هنا ضياع الفرصة التاريخية كما سبق أن أشرت في بداية هذه الكتابة.

لم يكن الوقت في صالح عبدالله عبدالعالم سياسياً وعسكرياً، بل في صالح خصومه الغشمي وعلي عبدالله صالح، فضاعت الفرصة التاريخية من يده وانتقلت ليد خصومه بعد أن صارت كل أجهزة السلطة السياسية والعسكرية والإعلامية في أيديهم، ووظفوا كل ذلك ضده وفي مواجهته، وهو أعزل ومجرد من أهم قوة ناعمة ومؤثرة وهي الإعلام الذي اشتغل عليه سلبياً علي عبدالله صالح في تقديم صورة مشوهة وزائفة عن عضو مجلس القيادة وقائد قوات المظلات كمتمرد، ومرتبط بالجبهة الوطنية والنظام في جنوب البلاد، وهي الدعاية التي –مع الأسف– ما يزال البعض يرددها حتى اليوم.

حكايات ووقائع اختلط فيها الحابل بالنابل مما خلق إرباكاً وارتباكاً في صورة المشهد السياسي والعسكري والوطني كله.

تحول معها القتلة إلى رجال دولة وإلى أبطال، وتحول أبطال ثورة 26 سبتمبر 1962م وأبطال حصار صنعاء –حسب وصفهم من قبل اللواء علي محمد صلاح والإعلام الرسمي– إلى مجرد متمردين وقتلة للمشايخ وأعيان مناطقهم، وهي الرواية التي ما يزال البعض يتبناها، بل ويروج لها بصور وأشكال مختلفة، وكأنها الحقيقة المطلقة.

إلى الحلقة الرابعة من الملاحظات السياسية على مذكرات اللواء علي محمد صلاح..