الإثنين 10 أغسطس 2026

يوميات (١٢) الأخيرة

غريبان في وطن

غريبان في وطن

لا أحد معي.. الجدران صارت تهمس باسمي لتزيد وحشتي.. فقررت أن أهرب من المدينة التي أكلتني.. أن أعود إلى القرية في زيارة عادية.. لا شيء هناك ينتظرني، لكن الغريب يحن حتى إلى قبره..

ركبت تكتكي الصدئ.. رفيقي الوحيد، ثروتي الوحيدة، خيبتي الوحيدة.. وانطلقت في زيارة لا أعرف معناها.. زيارة للعدم.
وفي الطريق.. في مركز المدينة الذي مررنا به من قبل، لمحتها.. كانت واقفة على حافة الرصيف، تحمل سلة اللحوح فارغة.. فارغة تماما.. يبدو أنها باعت كل لحوحها اليوم.. باعت كل تعبها مقابل ريالات معدودة..
إنها مقبولة..
حبيبة الطفولة التي لم تكتمل.. الأرملة التي سرقوا منها زوجها، والآن.. سرقوا منها أولادها.
اقتربت منها بالتكتك المتهالك.. حييتها.. طلبت منها ان تركب كي اوصلها.. ركبت.. لم تكن تتحدث، كانت صامتة حزينة.. تنظر إلي بعينين غارقتين في الحزن حتى الركبتين.. لاحظت ذلك من مرآة التكتك.. أوقفت التكتك جانب الطريق.. سالتها:
"ما بك؟"
قالت بصوت مبحوح كأنه يخرج من بئر:
"جاء أهل زوجي.. أخذوا الأولاد الثلاثة.. قالوا.. قد كبروا وصاروا ينفع نشغلهم شقاة في الأرض.. وانت اذا الله يرزقك بزوج قد احنا اخذنا العيال.. ووفرنا عليك.. ماعرفوا انهم كمن اخذوا روحي معهم."
شهقت.. ثلاثة صغار يساقون إلى العبودية لأن أمهم لا تملك إلا سلة فارغة.. نظرت إليها.. إلى وجهها الذي حفر الزمن فيه خنادق وقلت لها بمرارة ساخرة:
"كل ما جنيته.. راح!"
"لست وحدك.. تعلمين؟ كل ما جنيته انا من سنين الغربة كلها.. لم يكن سوى هذا التكتك!"
وأشرت إلى الخردة التي أجلس فوقها.. ثماني سنوات من العمر مقابل ثلاث عجلات وصدأ.. ووحدة جارفة..
": وزوجتك وولدك"
": قد صرت وحيدا.. لقد غادرت معه.. وهناك مع تلك الحياة الرغيدة نستني حتى انها لم تعد تتواصل بي الا اذا تواصلت بها.. وان تواصلت بها كان تواصلا ملغما بالعتاب والتذكير بماضيي الفقير.."
لحظات من الصمت وسألتها والكلمة تخرج مني مكسورة:
"هل صرت وحيدة الآن مثلي انا؟"
أطرقت وقالت:
"نعم.. أعيش الآن في بيت أخي.. وهو معاق وعاجز طريح الفراش.. أولاده هم من يقومون بالصرف عليه.. لم اود ان اكون عباء على عب لذلك استمررت في عملي كبائعة لحوح.."
يا الله.. ها أنا وحبيبتي السابقة.. صرنا وحيدين رسميا.. أنا بلا زوجة ولا ولد وهي بلا زوج ولا أولاد.. جمعتنا الحياة بعد أن أخذت منا كل شيء.
صمتنا لحظة.. ثم نظرت إلى الأفق البعيد وقالت بجملة مزقت قلبي:
"لو كنا تزوجنا بعض في تلك الأيام، هل كان هذا سيكون حالنا؟ هل كنا سنبيع اللحوح ونقود التكتك؟ أم كنا سنموت معا على الأقل جوعا لكن معا؟"
لم أجب.. أدرت مقود التكتك وهناك على جانب طريق جبلي موحش.. حولنا جبال صماء كقدرنا، وواد سحيق يفتح فمه كأنه ينتظرنا.. اوقفته..
قالت لي:
"لم تجب على سؤالي."
طلبت منها ان ننزل من التكتك ونصعد الى احدى الجبال وهناك سأجيبها.. وبالفعل.. نزلنا.. صعدنا بصعوبة إلى صخرة عالية تطل على الهاوية.. مددنا أرجلنا في الهواء.. تحتنا فراغ مخيف وفوقنا سماء بلا رحمة.
نظرنا لبعض طويلا.. عيناها كانت بحرا من الدمع المؤجل..
اجبتها:
"يمكن!"
همست لي:
"تعرف إيش أكثر شيء حبيته فيك زمان؟"
قلت:
"إيش؟"
": نصك الثاني.. نصك الأفريقي.. نص أمك الأفريقية.. سمارك الدافئ وطيبة قلبك التي لا تشبه قسوة هذه الجبال.."
": ونص ابي اليمني.. ما له؟"
": اهمله.. نص أمك الافريقية احبه.. سمارك.. اتركنا من نص ابوك اليمني؟"
": تركنا النص.."
ابتسمت ابتسامة باهتة:
"أنا حبيت فيك إنك مولد.. المولدين طيبين بطبيعتهم.. قلبك ليس قاسيا مثلهم."
قلت لها وأنا أستفز جرحي القديم:
"وما فيه نص أبي اليمني؟ ابن القبيلة العسر؟"
هزت رأسها وكررت وهي تنظر إلى الهاوية:
"المولدين طيبين بطبيعتهم.. عمرهم ما يصيروا هاوية!"
وفجأة دخلت في صمت.. تذكرت كل شيء دفعة واحدة.. تذكرت زوجها الذي أخذته الجبهات ولم يعد جثة حتى تبكيه.. تذكرت أولادها الثلاثة الذين انتزعوا من حضنها ليصيروا عبيدا في حقول الآخرين.. فانفجرت باكية..
بكت..
بكت كما لم تبك امرأة من قبل.. بكت سنوات العمر.. بكت الخبز.. بكت الحب.. بكت الوطن..
وضممتها.. لأول مرة منذ ثلاثين عاما ضممتها.. كان جسدها ينتفض كعصفور مذبوح..
وبكيت أنا أيضا..
بكيت عبده خواجه الذي سافر، وزوجتي التي هجرتني والتكتك الذي لا يطعمني، والعمر الذي سرقوه..
بكينا معا فوق الجبل.. وحدنا.. غريبان في وطن يعدنا غرباء..
وتحتنا الوادي السحيق يفتح فمه.. وينتظر.
انتهت...