الثلاثاء 4 أغسطس 2026

جمهورية البث المباشر

في جمهورية البث المباشر

لا يرفع العلم.. بل ترتفع الإشارة

وللنشيد الوطني إشعار يصل متأخرًا

إلى هاتف مواطن نسي كلمة وطن

وحفظ كلمة متابعة

الرئيس يخطب بعدسة أمامية

والشعب يهتف بقلب إلكتروني

ثم ينام وقد أدى واجبه الوطني بالإعجاب

الوزراء لا يكتبون القوانين

بل يحدثون الحالة

والبرلمان جلسة بث مفتوح

كل نائب يحمل ميكرفونه

ويصوت بحسب عدد المشاهدات

أما الحقيقة فتقف خارج الكادر

ترفع يدها كلما أرادت أن تتكلم

فيأتيها صوت المخرج

أنت تفسدين نسبة المشاهدة

ليس للوطن حدود

بل كلمة مرور

وليس له نهر يسيل من الجبال

بل سيل من التعليقات

يجرف كل مساء على آخر شاهد على الحقيقة

في جمهورية البث المباشر

يولد الطفل فتلتقطه الكاميرا قبل أن تلتقطه أمه

ويكبر بين عدسة تقول له ابتسم

فالخراب أكثر أناقة حين يصور بدقة عالية

في الساحة الكبرى لا يجتمع الناس.. بل صورهم

ولا يتصافحون.. بل تتصافح إشعارات هواتفهم

أما الوجوه.. فقد أحيلت إلى أرشيف الفلاتر

في هذه الجمهورية كل شيء مباشر إلا العدالة

وكل شيء حي إلا الضمير

وكل شيء يملك صوتًا إلا الإنسان

الرئيس لا يحتاج إلى خطاب

تكفيه زاوية مناسبة.. وضوء ناعم.. وفريق مونتاج

يحذف من التاريخ كل لحظة قالت فيها البلاد لا

والوزير يقيس نجاحه بعدد المشاركات

لا بعدد المدارس

ويعلن انتصاره إذا تصدر وسمه ليلة واحدة

ولو نامت مدينة كاملة على الظلام

أما المعارضة.. فتتشاجر حول ترتيب المقاعد

في نافذة البث.. ثم تغادر بعد أن تشكر الجمهور

على حسن المتابعة

وفي آخر الليل تدخل الحقيقة مرهقة

حافية القدمين.. تطرق باب الشاشة

لكن الحارس الإلكتروني يسألها:

من أنت؟

تقول: أنا الحقيقة

يفتش اسمها في قاعدة البيانات

ثم يعتذر بأدب:

عذرًا

هذا الحساب ليس موثقًا

أغلقت وزارة الثقافة

وقيل لا ضرورة لكتاب في زمن تكتب فيه

الخوارزمية سيرة الأمم

وأنشئت وزارة الحقيقة المعدلة

شعارها:

لا نكذب.. نحن فقط نحذف الزوائد

كل صباح تدخل الوقائع كما دخلت من أبوابها

وتخرج مساء وقد خسرت أسماءها

وألوانها.. وشهودها.. وأحيانًا.. تاريخ ميلادها

هناك موظفون يحملون ممحاة أكبر من البلاد

إذا تعثر الحاكم

قالوا: لقد كان يختبر صلابة الطريق

وإذا جاع الشعب قالوا: إنها حمية وطنية

وإذا صرخ طفل من تحت الركام

قالوا: لقد شوه جودة الصوت

وفي الطابق الأعلى قسم كامل لتلميع الكوارث

يعيدون طلاء الدخان.. ويعطرون المقابر

ويكتبون على الخراب

نسخة تجريبية من المستقبل

أما التاريخ

فقد جلس في آخر الممر

شيخًا يحمل صندوقًا ممتلئًا بالوثائق

كلما اقترب من الباب قالوا له:

آسفون

الذاكرة لا تتوافق مع آخر تحديث

وفي المساء.. تنعقد جلسة عاجلة

يناقشون أزمة كبرى

لماذا مازال بعض الناس يتذكرون؟

فيصدر القرار

زيادة سرعة الأخبار.. حتى لا تجد الحقيقة وقتًا لتلحق بها

وفي نهاية النشرة.. يقف المذيع بابتسامة مصنوعة بعناية

ويقول:

كان هذا كل شيء

بينما كان كل شيء قد بدأ للتو

في العاصمة يقف البرلمان

على قاعدة من زجاج

لا خوفًا من السقوط

بل ليصور من جميع الزوايا

لكل نائب مقعد دوار.. يدور مع الريح

ومع الكاميرا.. ومع استطلاع الرأي

حتى نسي أين يجلس ضميره

حين يبدأ النقاش.. لا يرفعون أيديهم

يرفعون هواتفهم

كل خطبة تقاس بعدد المقاطع

التي تصلح للاقتباس

وكل فكرة تموت إذا تجاوزت دقيقة واحدة

في هذا البرلمان.. لا أحد يعارض أحدًا

إنهم جميعًا يعارضون النسيان

يخافون أن تنساهم الشاشات

فيصبحوا بشرًا عاديين

ذات مساء.. دخل رجل عجوز يحمل دستورًا

اصفرت أوراقه

قال:

وجدت هذا في أرشيف البلاد

نظروا إليه كما ينظر إلى آلة كاتبة

في معرض الهواتف

قال الرئيس:

وهل له نسخة رقمية؟

قال العجوز:

له شعب كان يحفظه عن ظهر قلب

ضحكوا

وقال أحد النواب:

وكم عدد متابعيه؟

أجاب العجوز:

كان يتابعه الجائعون والعمال والفلاحون

والأمهات اللواتي يخبزن الخبز

ولا يعرفن كيف يخبزن الأكاذيب

ساد الصمت

ليس احترامًا

بل لأن المخرج أشار إليهم أن البث

دخل في فقرة الإعلانات

خرج العجوز حاملًا دستوره

كما يحمل الأب ابنًا نجا

وحده من سفينة غرقت

وفي الداخل عادوا إلى الجلسة

وكان أهم بند على جدول الأعمال

كيف نجعل التصفيق يبدو أكثر عفوية؟

لم يعد للعاصمة جيش يحرس الحدود

فالحدود انتقلت إلى داخل الرؤوس

هناك

في الخوادم البعيدة.. تستيقظ كتائب لا تنام

لا تحمل بنادق

بل تحمل لوحات مفاتيح

تطلق الرصاص على هيئة تعليق

وتزرع الألغام داخل الجملة

وتغتال السمعة بقناع لا يملك وجهًا

كل جندي اسمه مستعار

وكل رتبة تمنح بحسب عدد الشتائم في الدقيقة

لا يعرفون لون الدم

لكنهم خبراء في تغيير لون الحقيقة

إذا قال شاعر:

للحرية نافذة

كتبوا:

بل للحرية أجندة

وإذا قالت أم:

أريد خبزًا

أجابوا:

لماذا تكرهين الوطن؟

وإذا بكى يتيم من زاوية الصورة قالوا:

تمثيل رديء

أما القاتل

فيخرج من خلف الشاشة نظيف القميص

وقد نال وسام الوطنية

وفي غرفة العمليات.. يجلس الجنرال

أمام خريطة لا تظهر المدن

بل تظهر الوسوم

يشير إلى وسم فيشتعل ألف رأس

ويشير إلى آخر.. فتنطفئ قضية كاملة

هكذا

صار التاريخ يكتب بأصابع لا تعرف الحبر

وصار الضجيج أعلى منصبًا من الحقيقة

غير أن طفلًا في آخر البلاد

أغلق هاتفه وخرج ليزرع شجرة

ارتبكت الخوارزميات

بحثت عن زر يسقط أوراقها

ولم تجد

لأن الشجرة لا تقرأ التعليمات

ولا تهتم بمن تصدر الترند

إنها فقط

تعرف أن الجذور أعمق من الإشارة

في قلب العاصمة ارتفع قصر لا نوافذ له

قيل إنه قصر العدالة

ثم صحح المذيع الخبر

بل محكمة الخوارزمية

على الباب وقف حارس لا يعرف القراءة

لكنه يعرف كيف يمنع القصائد من الدخول

سألني:

هل تحمل سلاحًا؟

قلت:

أحمل استعارة

ارتبك قليلًا

ثم ضغط زرًا فامتلأت القاعة بصفارات الإنذار

دخل القاضي

لم يكن شيخًا ولا رجل قانون

كان شاشة عملاقة تبدل وجهها كل ثانية

قال:

اسم المتهم

قالوا:

شاعر

قال: التهمة

قالوا:

استعمل كلمة الحرية خارج سياق الإعلان

قال:

وهل كرر الجريمة؟

قالوا: نعم

كتب أيضًا الكرامة دون إذن مسبق

هز القاضي بكسلاته الإلكترونية

وقال:

هذه حالة خطيرة

فاللغة إذا تركت تمشي وحدها

قد تصل إلى الناس

أحضرت الكلمات مكبلة

كانت الخبز

والأم

والمنفى

والنهر

والبيت

وقف الادعاء وقال:

هذه الكلمات تثير الشبهات

فكلما ظهرت اجتمع حولها الفقراء والحالمون

قالت كلمة البيت:

أنا مجرد سقف يحتمي به المطر

قالوا:

اعتراض

أنت تحرضين على الانتماء

وقالت كلمة النهر:

أنا ماء يمشي

قالوا:

بل حدود تتجاوز الخرائط

وقالت كلمة الأم:

أنا آخر وطن لا تسقط رايته

ساد الصمت

ارتبكت الشاشات

وتوقفت الإعلانات لثوانٍ

ففي لغة الأمهات خلل لا تصلحه التحديثات

رفع القاضي مطرقة مصنوعة من زر الحذف

وقال: حكمت المحكمة

بحذف القصيدة

لكن القصيدة كانت قد خرجت من النافذة الوحيدة

التي نسي البناؤون أن يغلقوها

كانت قد استقرت في ذاكرة طفل

وكان الطفل يحفظها عن ظهر قلب

ولأول مرة منذ إعلان جمهورية البث المباشر

عجزت الخوارزمية عن محاكمة الذاكرة

وراء المدينة

حيث لا تصل سيارات البث المباشر

ولا تنصب منصات التصوير

ولا يقف المراسلون بخوذاتهم اللامعة

كانت هناك مقبرة لا شواهد فيها إلا الكلمات

على القبر الأول:

هنا دفن وسم ظل يتصدر العالم

ثماني عشرة ساعة

ثم مات حين استيقظ وسم جديد

وعلى الثاني:

هنا ترقد دمعة أم

شاهدها ثلاثون مليونًا

لكن أحدًا لم يمسحها

وعلى الثالث:

هنا ينام طفل

لم يمت بالقصف وحده

مات أيضًا حين تحول إلى خبر قديم

كل قبر يحمل تاريخ الصعود

إلى قائمة الأكثر تداولًا

ولا يحمل تاريخ العدالة

يمر الزائرون يلتقطون الصور

ويكتبون:

لن ننسى

ثم ينسون قبل أن تصل الإشارة إلى آخر البرج

رأيت امرأة تحفر بيديها

سألتها:

من تنتظرين؟

قالت:

أبحث عن اسم ابني

قلت:

في أي قبر؟

قالت:

لا أدري

لقد دفنوه تحت ألف وسم.. وألف خطاب

وألف تحليل سياسي

لكن أحدًا لم يدفنه في قلب الوطن

وكان هناك حفار قبور يرتدي بدلة مذيع

كلما انتهى من دفن قضية

نظر إلى ساعته

وقال:

هيا

لقد حان موعد القضية التالية

في تلك اللحظة

هبت ريح بعثرت اللافتات

واختلطت أسماء الضحايا بأسماء المنتصرين

واختلطت الخطب بالمراثي

ولم يبق واقفًا إلا شاهد قبر كتب عليه بخط مرتجف:

لا تصدقوا أن الذاكرة تعيش في الشاشات

فالذاكرة تسكن في الذين يدفعون ثمنها

وعندما غربت الشمس

خرجت المقبرة من حدودها

وصارت بحجم البلاد

حتى خيل إليَّ

أن الوطن كله

صار شاهد قبر ينتظر من يقرأ اسمه بصوت حي

لم يكن نبيًا

ولا زعيمًا

ولا صاحب حساب يتبعه الملايين

كان رجلًا نسيته الكاميرات

لأن ثيابه لا تصلح للعناوين

وقف في ساحة كانت يومًا ساحة شعب

ثم صارت استيديو

نظر حوله

لم يجد أحدًا

فالجميع كانوا هناك

داخل الشاشات

قال:

أيها الغائبون في حضوركم

أأكلتم الخبز حتى نسيتم طعمه؟

أشبعكم التصفيق حتى جاع أولادكم؟

أدفأتكم حرارة التعليقات

حتى بردت أيدي العمال؟

أيها الواقفون في صف الإشارة

متى تلفون في صف الحقيقة؟

صمت قليلًا

وكان الصمت أبلغ من كل الخطب

ثم رفع حفنة من التراب

وقال:

هذا لا يحتاج إلى شبكة

ولا إلى كلمة مرور

ولا إلى تحديث

يكفي أن تعرفوا أنه ترابكم

وفي آخر الصفوف ضحك رجل

يرتدي بدلة باهظة الثمن

وقال: كم عدد متابعيك

ابتسم آخر مواطن

وقال:

لا أعرف

لكنتي إذا عطشت

تعرفني البئر

وإذا جعت

يعرفني القمح

وإذا مت

تعرفني هذه الأرض

أما أنتم

فإذا انقطع التيار ساعة واحدة

من منكم سيعرف وجهه؟

عندها ارتبكت الكاميرات

لأنها لم تعثر على زاوية تخفي هذا السؤال

وتراجع المصورون

وأسرع المذيع إلى الفاصل الإعلاني

لكن الصوت لم ينقطع

ظل يمشي بين الأزقة

يدخل البيوت من نوافذها

ويجلس إلى موائد الفقراء

ويوقظ في صدور العجائز أغنية

كانوا يظنون أنها ماتت

وفي الصباح

لم تتحدث الصحف عن الخطبة

ولم يظهر اسم الرجل في الأخبار

لكن الأطفال كانوا يرسمون على جدران المدرسة

ليس الوطن ما يعرض على الشاشة

الوطن ما يبقى حين تنطفئ الشاشة

في مساء بلا مساء

ظهر المذيع

ربطة عنق بلون العلم

وابتسامة لا تعرف الحداد

قال:

مساؤكم انتصار

ثم بدأ يقرأ من ورقة لم يكتبها

الخبر الأول:

ارتفع مؤشر السعادة ثلاث درجات

وفي الهامش:

سقطت ثلاث قرى من الخريطة

الخبر الثاني:

افتتح الوزير جسرًا جديدًا

لكن النهر كان قد هاجر منذ سنوات

الخبر الثالث:

أكدت الجهات المختصة أن كل شيء تحت السيطرة

إلا الهواء

وإلا الخبز

وإلا البحر

وإلا الناس

ثم انتقل إلى النشرة الاقتصادية

قال:

ارتفع سعر الأرامل

حتى صار أغلى من الرغيف

وانخفض سعر الإنسان

حتى صار أرخص من إعلان يمر خمس ثوانٍ

وفي فقرة الطقس قال الخبير:

غدًا

احتمال أمطار مع الوعود

وريح قادمة من جهة الانتخابات

وغبار كثيف يحجب رؤية المستقبل

ثم ابتسم

وقال: أما الآن

فنترككم مع التقرير الخاص

فانفتحت الشاشة على طفل ينبش في حاوية قمامة

لكن الصورة انقطعت

وعاد المذيع مسرعًا

وقال: نعتذر

لقد حدث خلل تقني

غير مناسب للمشاهدة

في آخر النشرة وقف الجميع احترامًا

لا للوطن

ولا للشهداء

ولا للجائعين

بل احترامًا للممول

ثم انطفأت الكاميرا

وبقيت البلاد مضيئة بالحرائق

وبقي طفل الحاوية يبحث عن بقايا الخبز

عن خبر واحد

يقول إنه ليس خبرًا

قالوا:

هناك

في أعلى التل

يقيم الحاكم في قصر بني من المرايا

كل جدار يعكس وجهًا

لكن الوجوه كلها وجهه

إذا ابتسم

ابتسمت المملكة

وإذا عبس

أعلنت الصحف حالة الطوارئ في ملامح الناس

كل صباح يمشي بين ألف مرآة

يسأل الأولى:

كيف تبدو البلاد؟

فتجيب:

بهيئة ابتسامتك

ويسأل الثانية:

كيف يعيش الشعب؟

فتقول:

كما يليق بصورتك الرسمية

ويسأل الثالثة:

هل من جائع؟

فتنحني وتقول:

ليس في المرايا بطون

وليس فيها عظام بارزة

وليس فيها أطفال ينامون على أرصفة الانتظار

في آخر الرواق

كانت مرآة قديمة

لم تبدل منذ سنوات

اقترب منها

فرأى

شارعًا لا يشبه القصر

امرأة تخبز النهار بالحطب

رجلًا يبيع ساعات عمره ليشتري ساعة كهرباء

طفلًا يحمل حقيبة أكبر من كتفيه

وشيخًا يجلس على حجر ينتظر راتب تقاعده قبله

ارتبك

صرخ:

من أدخل هذا المرآة؟

ركض الحرس

غطوها بستارة من المخمل

وقالوا:

مولاي

إنها مرآة قديمة

ترى الواقع

ولذلك لم تعد صالحة للاستعمال

تنفس الصعداء

ثم أمر بصناعة ألف مرآة جديدة

كل واحدة تعكس النصر من زاوية مختلفة

وفي المساء

ألقى خطابًا

قال:

لقد نظرت في عيون شعبي

ورأيت الرضا

وكان صادقًا

فهو لم يرَ إلا وجهه

وفي تلك الليلة

هبت ريح لا تعرف بروتوكول القصور

تحطمت إحدى المرايا

ولأول مرة

دخل صوت السوق

ورائحة الخبز

وسعال العجائز

وبكاء الرضيع

إلى القاعة الكبرى

أغلقوا النوافذ

لكن الصوت كان قد تعلم كيف يعبر من الشقوق

فليس كل وطن يهزم بالمدافع

بعض الأوطان ينهض حين تتكسر أول مرآة

في الساعة الصفر

حين كانت البلاد تستعد لخطاب جديد

حين كانت الكاميرات مصفوفة كجنود من زجاج

وحين كان المذيع يرتب ابتسامته

قبل أن يرتب كلماته

حدث شيء لم يكن في الخطة

انطفأت الشاشة

لا إعلان

نشيد

لا صورة قائد تلوح من بعيد

فقط سواد كبير

في البداية ظن الناس أنها عاصفة تقنية

انتظروا دقيقة

ثم عشرًا ثم ساعة

ولم يأتِ شيء

بحث الوزراء عن زر الطوارئ

كان موجودًا

لكن أحدًا لم يعرف ماذا يفعل

حين لا توجد كاميرا

خرج المذيع إلى الشارع

لأول مرة منذ عشرين عامًا

يمشي بلا سماعة في أذنه

اقترب من الناس

لم يعرف ماذا يسألهم

فهو تعود أن يسأل الشاشة

قال لرجل عجوز:

كيف حال البلاد؟

نظر العجوز إلى وجهه

وقال:

هذه أول مرة تسألني

دون أن تنتظر إجابة مكتوبة

في اليوم الأول من انقطاع البث

اكتشف الناس أن الجيران يسكنون قريبًا

وأن الباب ليس زر دخول

وأن اليد ليست رمزًا تعبيريًا

في اليوم الثاني

نزل الأطفال إلى الساحات

لعبوا دون تصوير

ضحكوا دون جمهور

ركضوا دون أن يبحثوا عن زاوية أجمل للقطة

في اليوم الثالث

اجتمع الشيوخ والشباب في مقهى قديم

قال أحدهم:

ماذا سنفعل الآن؟

لا يوجد خبر

لا يوجد تعليق

لا يوجد ترند

أجاب خباز كان صامتًا طوال الوقت:

ربما سنبدأ بالعيش

وكانت كلمة العيش

أثقل من كل البيانات

أما القصر

فقد بقي مضاء

كل الشاشات تعمل

لكنها كانت تعرف وجهًا واحدًا

وجهًا ينتظر جمهورًا لم يعد هناك

صرخ الحاكم:

أعيدوا البث

قالوا: حاولنا

لكن المشكلة ليست في الكهرباء

ولا في الأقمار الصناعية

المشكلة أن الناس لم يعودوا يشاهدون

لأول مرة

اكتشفت الجمهورية سرًا مخيفًا

أن السلطة التي تعيش على الصورة

تموت حين يعود الإنسان إلى عينيه

وفي آخر الليل

اشتعلت شمعة صغيرة في نافذة بيت فقير

لم تكن بثًا

ولا إعلانًا

ولا خطابًا

كانت فقط

نورًا

ولذلك رآها الجميع

بعد انقطاع البث

لم يحدث ما توقعه الجميع

لم تسقط السماء

لم تنشق الأرض

لم تخرج الوحوش من خلف الأبواب

فقط

اكتشف الناس أن الصمت كان يسكن تحت الضجيج

في اليوم الأول كانوا يبحثون عن الميكروفون

في اليوم الثاني بحثوا عن الكلمات

وفي اليوم الثالث

جلس رجل في ساحة المدينة وقال:

أريد أن أتكلم

نظروا إليه بدهشة

فالكلام كان قد أصبح مهنة رسمية

هناك مذيعون يتكلمون بالنيابة عنهم

هناك خبراء يفسرون لهم ما يشعرون

هناك شاشات تعرف حتى متى يغضبون

قال الرجل:

أنا لا أملك منصة

ولا جمهورًا

ولا شعارًا

لكنني أملك حنجرة

وهذا يكفيني

ثم بدأ يحكي

عن أب عاد من العمل ولم يجد وقتًا لابنه

عن أم خبأت دمعتها كي لا تفسد صورة العائلة

عن عامل بنى برجًا عاليًا ولم يستطع استئجار غرفة

تطل عليه

عن وطن كان كثير الظهور قليل الحضور

وكان الناس يصغون

لا لأن الرجل كان عظيمًا

بل لأنهم لأول مرة يسمعون بعضهم

في القصر وصل الخبر

وقال المستشارون:

مولاي

هناك أصوات في الشوارع

سأل الحاكم:

هل هي بث جديد؟

قالوا: لا... أسوأ

إنها أصوات حقيقية

تغير وجهه

فالسلطة تعرف كيف تحارب الشعارات

لكنها ترتبك أمام إنسان يحكي وجعه باسمه

أمر بإعادة تشغيل كل الشاشات

اشتغلت

لكن الناس لم ينتظروا

فقد اكتشفوا سرًا بسيطًا

أن العين حين ترى وجه أخيها

لا تحتاج إلى شاشة

وفي المساء

كتب طفل على جدار المدرسة:

عاد الصوت

سألوه:

أي صوت؟

الصوت الذي كان همًا قبل أن تتكلم كل الشاشات

وفي تلك الليلة

لم تعلن الجمهورية انتصارًا

ولم تصدر بيانًا

لأن البيان يحتاج إلى منصة

أما الحقيقة

فقد خرجت تمشي بين الناس

لم تنصب منصة

لم ترفع رايات

لم تدع قنوات

فقد انتهى زمن المحاكمات المصورة

في الساحة القديمة حيث كان الناس يمرون

أمام الكاميرات ولا يلتفتون إلى بعضهم

اجتمعوا

لم يحملوا أوراق اتهام

حملوا وجوههم

قال القاضي:

من المتهم؟

ساد الصمت

فجاء صوت من بين الناس:

نحن

الذين صدقنا أن الصورة تكفي عن الحقيقة

نحن الذين استبدلنا السؤال بالتصفيق

نحن الذين تركنا المرآة تتكلم بدلًا عنا

ثم تقدم شيخ كان يحمل دستوره القديم

قال:

لا تحاكموا الرجل وحده

فقد كان ابن عصره

حاكموا الجوع الذي صمتنا عنه

والخوف الذي زيناه

والكسل الذي جعلنا ننتظر مخلصًا يظهر في الشاشة

ثم جاءت طفلة

لم تحمل كتابًا

ولا شعارًا

حملت زهرة

قالت:

أنا لا أعرف من ربح ومن خسر

لكنني أعرف أن الحديقة التي لا يسقيها أحد

لا تنقذها أجمل الخطب

نظر الجميع إلى القصر

كان مازال قائمًا

لكن شيئًا كان قد سقط

ليس الجدار

بل الصورة

خرج الحاكم إلى الشرفة

انتظر الهتاف

انتظر التصفيق

انتظر ذلك الصوت الذي كان يأتيه من ملايين لا يعرفهم

لكن الساحة كانت صامتة

ليس صمت الخوف

بل صمت من استعاد حقه في الاختيار

خفض رأسه

فهم أخيرًا

أن الكرسي لا يصنع الهيبة

وأن العدسة لا تصنع التاريخ

وأن شعبًا لا ينظر إلى الشاشة قد ينظر أخيرًا إلى السماء

وفي اليوم التالي

أزيلت لافتة الجمهورية القديمة

لم يكتبوا مكانها شعارًا جديدًا

تركوا الجدار أبيض

قال: دعوا الناس يكتبون

فقد كتبت البلاد طويلًا بأقلام غير أهلها

لم تنتهِ الحكاية

حين انطفأت الشاشة

بل بدأت

عاد الخباز إلى فرنه

وعاد الفلاح إلى أرضه

وعاد الشاعر إلى طاولته الصغيرة

لم يعد يسأل:

كم سيشاهدونني؟

بل

هل سيبقى ما أكتبه حين لا يشاهدني أحد؟

في الساحة التي كانت مسرحًا للخطب

زرع الأطفال شجرة

قال رجل:

لكنها لن تظهر في الأخبار

ضحك طفل وقال:

الأشجار لا تحتاج إلى جمهور

يكفيها أن تكبر

ومرت السنوات

كبرت الشجرة

وصار ظلها أوسع من القصر

وعندما سأل القادمون:

أين كانت جمهورية البث المباشر؟

أشار الناس إلى بقايا شاشة مكسورة

وقالوا:

كانت هنا

كانت تظن أنها تملك العالم

ثم اكتشفت أن العالم كان يمشي خارج الكادر

يا من تبحثون عن وطن في صورة

تذكروا

الوطن ليس بثًا

ولا شعارًا

ولا وجهًا يكرر نفسه في ألف شاشة

الوطن يد تمتد حين يسقط الآخر

وصوت يقول أنا معك

وخبز يقسم قبل أن يبرد

وذاكرة لا تبيع أسماءها لأسرع إعلان

فإذا انطفأت الشاشات يومًا

لا تخافوا ربما للمرة الأولى

سترون بعضكم

وربما للمرة الأولى

سيبدأ البث الحقيقي

من قلب إلى قلب

من إنسان إلى إنسان

دون وسيط

دون ضوء زائف

دون جمهور

فقط

حياة تقول للحياة:

أنا هنا