الإمام الذي وسع دائرة الدم
جاء المتوكل أحمد بن سليمان إلى الإمامة في لحظة كان اليمن فيها يدخل فراغاً سياسياً، والقوة تتوزع بين القبائل وأصحاب النفوذ عقب أفول الدولة الصليحية بوفاة الملكة أروى بنت أحمد. خرج من حيدان الى عمران الخارد في 1138م ليعلن دعوته مستغلاً الفراغ السلطوي. وجد في تلك الفوضى فرصة للسيطرة فجمع أنصاره من السلالة ومن القبائل التي تعبت من غياب السلطة المركزية. وبدأ طريقه نحو الحكم بقوة السلاح والتحريض على القتال.
كتب شعراً أعلن فيه خطته: "لأُحكِّمنَّ صوارماً ورماحا .. ولأبدلنَّ مع السَّماح سماحا". ثم مضى: "ولأقتلنَّ قبيلةً بقبيلةٍ .. ولأسلبنَّ من العِدا أرواحا". خرجت الكلمات من القصيدة قبل أن تخرج الجيوش إلى القرى. السيف كان حاضراً في الخطاب منذ البداية.
ولأن الحرب احتاجت إلى غطاء ديني يسبقها. وصف أحمد بن سليمان اليمن بأنها "دار كفر وخراج"، وجعل هذا الوصف مدخلاً لاستباحة الدماء والأموال تحت اسم الجهاد. وورد في فتاويه قوله: "أهل اليمن لم يدخلوا في الطاعة إلا بالسيف، وهم قومٌ جفاةٌ لا يستحقون العدل إلا إذا خضعوا".
أرسل الى تهامة جيشاً من القبائل والطبريين، فسقط الأبرياء ونهبت الأسواق وأجبر السكان على البيعة. ثم دخل زبيد قهراً وصادر الأوقاف العامة، وأمر بإعدام ثلاثة من القضاة لأنهم لم يذكروا اسمه في الخطبة. ثلاثة قضاة دفعوا حياتهم ثمناً لاسم غاب عن المنبر.
وفي عدن ولحج واجه مقاومة الزريعيين، فوجه حملاته إلى قرى لحج، وأخذ 120 شيخاً من شيوخ القبائل رهائن وأرسلهم إلى صعدة. مات نصفهم في الطريق بسبب الجوع والإهمال.
كان الرهائن جزءاً من نظام حكم كامل. يأخذ الإمام أبناء المشايخ ليضمن طاعة آبائهم، ويضع الطفل بينه وبين القبيلة. قتل أحدهم أمام والده لأن الأب خالف أمره. كما ذُبح سبعة أطفال من أبناء زعماء آنس انتقاماً من رفض آبائهم الطاعة.
اتسعت دائرة الدم حتى وصلت إلى الاختلاف الديني. كفّر ابن سليمان الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة، وربط الإيمان بالتسليم المطلق لحكم السلالة. واعتبر من يخالفه كافراً حلال الدم والمال، مهما كانت مكانته في العبادة والصلاح.
ولم تتوقف دائرة التكفير عند المخالفين من خارج المذهب الزيدي. وصلت إلى المطرفية، وهي الجماعة الزيدية التي رأت أهلية الإمامة فيمن تتوافر فيه شروط العلم والعدالة من عموم المسلمين. اصطدمت هذه الفكرة مع التصور السلالي للإمامة، فأصدر ابن سليمان فتاوى بإباحة المطرفية وحرض القبائل على قتالهم.
بعد أن فرغ من قتال المطرفية توجه إلى حرب قبيلة يام الهمدانية التي اعتنقت المذهب الإسماعيلي. سبقت الحرب روايات عن «ليلة الإفاضة» نسبت إلى القبيلة ممارسات فاحشة. كانت الحكاية المختلقة تؤدي غرضاً واضحاً. الخصم يحتاج إلى صورة قبيحة قبل أن يصل إليه الجيش، وحين يصبح الناس في الرواية فاسدين ومنحرفين يصبح قتلهم أسهل على من يقود الحملة.
كرر أحمد بن سليمان هذا الخطاب في شعره، وهدد خصومه بالقتل، ثم استنهض القبائل الشمالية وأرسلها إلى غيل جالجل. قُتل الإسماعيليون ونُهبت أموالهم وأجلي من بقي منهم إلى نجران، واستمر الجنود في هدم منازلهم ثلاثة أيام.
لم يكتف بحشد القبائل اليمنية. نظم قصائد يستدعي بها الغزاة من مكة وطبرستان، وحثهم على القدوم إلى اليمن لقتال أهل البلاد وتمكينه من الحكم. كان اليمن يدفع ثمن حرب داخلية بجيوش تأتي من خارجه.
امتدت سنوات هذا الإمام بين الحروب والصراعات حتى أخذت قوته في التراجع. فقد كثيراً من أنصاره وولاته، ثم وقع أسيراً في يد خصومه من آل العياني. خرج من سجنه شيخاً ضريراً مهزوماً، وعاد إلى صعدة ليعيش آخر أيامه منعزلاً حتى وفاته.
رحل أحمد بن سليمان عن العالم. لكن القرى التي احترقت بأمره ما زالت تحمل أثر النار في حجاراتها. ومازال الأطفال الذين ذبحوا أمام آبائهم يمرون في ذاكرة المكان. والقضاة الذين أعدموا لأنهم نسوا اسمه ما زالت منابرهم تذكرهم. والطرقات التي سارت فيها القوافل المحملة بالأسرى إلى صعدة ما زالت تحمل أثر الأقدام التي لم تعد. حتى الثغور الصغيرة في أسوار القرى القديمة ما زالت تذكر الوجوه التي اختفت خلفها في ليالي الغارات. كل شيء يبقى ولا شيء يُمحى تماماً.



