شروط الاستعادة وعجز السلطة
يتصاعد الخطاب السياسي والعسكري حول النصر والتحرير، وتتبادل وسائل الإعلام رسائل الاقتراب من استعادة صنعاء. وتبدو هنا الحاجة إلى التوقف قليلًا عند ما يفترضه مشروع كهذا من شروط سياسية، قبل الانشغال بإمكانات تحقيقه العسكرية وحسب. ذلك أن النصر ليس خطابًا يُنتج بمجرد تصاعد وتيرته، كما أن التحرير ليس لحظة عسكرية منفصلة عن البنية السياسية التي تقوده، وإنما هو مشروع تتداخل فيه القدرة على اتخاذ القرار، ووحدة القيادة، وإدارة موارد الدولة وتحقيق استقرارها، وبمعنى القدرة على تحويل القوة المتاحة إلى مشروع لاستعادة الدولة.
فالسؤال الذي يقوم عليه هذا المقال ليس عن الرغبة في استعادة صنعاء، ولا عن مشروعية استعادتها، بل عن الشروط السياسية والعسكرية القادرة على جعل استعادتها ممكنة ومستدامة.
صنعاء التي سقطت بفعل حالة سياسية لنظام كان أكثر تماسكًا من القائم بمراحل، هل يمكن أن تُستعاد بهذا العجز؟
والمقصود بالعجز هنا ليس بالضرورة العجز العسكري، وإنما نموذج القيادة السياسية القائم نفسه: بنيته، وتماسكه، وقدرته على إنتاج القرار، وإدارة الدولة، وتحمل المسؤولية، وتحويل الموارد والنفوذ المتاحين إلى مشروع وطني متكامل.
إن استعادة الدولة لا تبدأ من القوة العسكرية، وإنما من وجود قيادة سياسية قادرة على إنتاج مشروع الاستعادة.
ذلك أن استعادة الدولة والجغرافيا لا بد أن تكون انعكاسًا لجودة قيادة سياسية تتحمل قدرًا من المسؤولية، وتمتلك القدرة على اتخاذ القرار، وسرعة الاستجابة، ووحدة المركز السياسي القادر على إنتاج قرار سياسي واضح، وتوجيه أدوات الدولة، وقيادة أي عمل عسكري لتحقيق ذلك لا تأتي نتاج حالة سياسية فارغة ومرتبكة؛ فاستعادة الدولة وقيادة المعركة انعكاس لجودة القيادة السياسية قبل أن تكون انعكاسًا لحجم القوة العسكرية.
إن تركيبة السلطة السياسية وتعدد أقطابها داخل مجلس القيادة الرئاسي لا تعكس في حقيقتها، كما يُفترض، تعددًا في مراكز القدرة والتأثير داخل المعركة الوطنية الشاملة، بقدر ما عكست مسبقًا، ولا تزال تعكس بوضوح، عمق حالة التشظي داخل منظومة القيادة السياسية. ذلك أن الكل أضحى يعيش داخل فقاعة السلطة والنفوذ الذاتي، ويستمد قوته إما من سند إقليمي موهوم أحيانًا، كما كان المجلس الانتقالي نموذجًا لذلك، أو من السيطرة على جزء من سلطة الدولة ومناطقها المحررة، لا من القدرة الفعلية لأي منها على دفع مسارات استعادة الجغرافيا اليمنية كاملة، عسكريًا أو سياسيًا.
فالقوة التي لا تنتظم داخل مركز سياسي قادر على توجيهها نحو مشروع وطني جامع تظل قوة مجزأة مهما بلغ حجمها وقدرتها، كما أن تعدد مراكز النفوذ السياسي لا يعني تعدد أدوات مشروع وطني واحد في الحالة القائمة.
فامتلاك مساحة جغرافية، أو قوة عسكرية، أو نفوذ سياسي جزئي، لا يعني بالنتيجة امتلاك مشروع دولة، وهذا هو المدرك الغائب لدى كثيرين.
إن المشكلة لا تكمن في تعدد القوى بحد ذاته، وإنما في تحول هذا التعدد إلى مراكز نفوذ وقرار منفصلة، تحمل مشاريعها الخاصة، وتتنافس على تعظيم مواقعها وقدرتها داخل السلطة، بدل أن تنتظم جميعها في مركز سياسي قادر على إنتاج القرار وتوجيه أدوات الدولة نحو استعادة الجغرافيا كاملة.
لعل ما سبق يفرض علينا الانتقال، لزامًا، إلى الإجابة عن سؤال آخر في مقال آخر..
صنعاء التي سقطت بفعل فشل سلطة 2014، هل تعود بعجز سلطة 2026؟



