السبت 8 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • الكلفة السياسية للحرب في اليمن: سيادة مُنتهَكة وحريات مُصادَرة (2-2)

الكلفة السياسية للحرب في اليمن: سيادة مُنتهَكة وحريات مُصادَرة (2-2)

الحربُ هي النقيض الحدّيّ للسياسة، خلافاً لما ذهب إليه "كلاوزفيتز" (Clausewitz) من أنّ "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى". فالسياسة تقوم على آليات الحوار، والتوافق، والتفاوض، في حين تقوم الحرب على العنف المسلح و"المواجهة الصفرية".

إنّ من أخطر تأثيرات الحرب في المجتمع هو تآكل الحياة المدنية والسياسية لمصلحة تعمُّم العنف أو "الحالة الطبيعية" بلغة "توماس هوبز" (Thomas Hobbes) وهي حالة وحشية تعمّها الفوضى، ويسود فيها قانون الغاب، حيث "الجميع ضد الجميع".

لقد أثّرت الحرب في الحياة السياسية تأثيرًا بالغًا، ويمكن إيجاز أهم تلك التأثيرات على النحو الآتي:

تعطيل العملية السياسية الانتقالية، وتجميد العمل بالدستور، وإعاقة تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وتنفيذ انقلاب مسلح على الشرعية التوافقية الوطنية، وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية – إقليمية مدمّرة، وقد تم تبيان هذا الأمر في الحلقات السابقة. 
تغيُّر بناء القوة في فترة الحرب، ومن أبرز ملامح هذا التغيّر: 

انحسار سلطة الدولة في مقابل تمدد الجماعات المسلحة وسلطات الأمر الواقع، كما تم توضيحه سابقًا.

تراجع دور الأحزاب السياسية والقوى المدنية: 

يقول أحد الباحثين: "إنّ كسر الدولة يمهّد الطريق لكسر المجتمع المدني. ففي كل الحروب والأزمات الداخلية تم تحطيم الدولة أولًا، ثم تلاها المجتمع المدني الذي أصبح، في غياب حماية الدولة له، مكسور الجناح وسريع العطب."[1] وهذا ما حصل في اليمن، فقد تسبّب الانقلاب والحرب المستمرة منذ أكثر من 11 عاماً في تقلص نشاط ودور الأحزاب السياسية والقوى المدنية؛ لصالح تغول دور الجماعات المسلحة والمكونات التقليدية الطائفية والمناطقية والقبلية والدينية[2] التي باتت تفرض وجودها وسلطتها على الجغرافيا الوطنية بالاستناد إلى عناصر قوة عديدة، أبرزها: السلاح، والدعم المالي والتسليحي العابر للحدود، والإعلام المُموّل والمُوجَّه، والأيديولوجيا السياسية المُغلَّفة بالدِّين، وبالشعارات الشَّعبويّة.
يحدث كل ذلك فيما يتم التضييق على الأحزاب السياسية المدنيّة، ومُصادرة المجال العام، وخنق الحريات العامّة. 
لقد مارست جماعة الحوثيين حظرًا غير مُعلَن على نشاط الأحزاب السياسية، بل وتمكّنت من اختراقها وتطويعها لصالحها. وتعرّض العديد من النشطاء السياسيين، وبعض قيادات الأحزاب السياسية إلى الاعتقال والتعذيب والاخفاء القسري. 
من ناحيةٍ ثانية، ألقتْ الحربُ بظلالها القاتّمة على الوحدة التنظيمية للأحزاب السياسية ووحدة قرارها الداخلي، فأمست قيادات هذه الأحزاب منقسمة بين الأطراف المتحاربة، قسمٌ في صنعاء يقف في صف جماعة الحوثيين، وقسمٌ في عدن يقف مع الحكومة الشرعية، وأشتات أخرى في الرياض والقاهرة وأبو ظبي، وكلٌ منها يَدَّعي وَصلًا بالوطن وبالشعب، والوطن والشعب لا يقرّان لأيٍّ منهم بذلك! 
بالمجمل صارت جُلّ هذه الأحزاب مُشرذَّمة، ومُشوَّشة، وغير مؤثرة في الواقع، ومنفصلة عن قواعدها الاجتماعية، وعن عموم المواطنين!
 انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان: 
إنّ ميلان بناء القوة لجهة الميليشيات المسلحة وسلطات الأمر الواقع على حساب سلطة الدولة وفاعلية الأحزاب السياسية والكيانات المدنية قد ترتّب عنه شيوع انتهاكات حقوق الإنسان بصورة صادمة، ومن أبرزها:
انتهاك "الحق في الحياة"، وذلك باستهداف حياة المدنيين والسكينة العامة، من خلال القصف بمختلف أنواع الأسلحة التي استهدفت المناطق السكنية والأعيان المدنية، وهو ما يمثّل انتهاكًا جسيمًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان.[3]  
انتهاك الحقوق والحريات السياسية والمدنية: 
يجري تقليص مساحة المجال العام، وهذا التقليص يضيق ويتسع تبعاً لاختلاف سلطات الأمر الواقع المنتشرة في أرجاء البلاد، ويمكن تبيان ذلك على النحو الآتي:
الانتهاكات التي قامت بها جماعة أنصار الله (الحوثيين):
منذ مارس 2015 تمكّنت جماعة الحوثيين وحليفها صالح من إخضاع مناطق واسعة في البلاد لسلطة قمعية شمولية بصبغة ثيوقراطية، عمدت إلى حظر الحقوق والحريات المدنية والسياسية بشكل غير مُعلن، مثل: حرية التجمُّع، وحرية التظاهر، والحق في الاحتجاج السلمي؛ إذ تُمارِس جماعة الحوثيين قمعاً شديداً لكل محاولة يقوم بها المواطنون لممارسة هذه الحقوق والحريات. ومن صنوف وإجراءات القمع والانتهاكات التي تقوم بها: 
الاعتداء على المسيرات والتظاهرات الشعبية بالهراوات والضرب المُبَرِّح، وإطلاق النار، والاعتقالات التعسفية للصحفيين والنشطاء السياسيين والحقوقيين، وسلب حريتهم، وحرمانهم من المساعدة الطبية في الوقت المطلوب مما يتسبب في وفاتهم، والاختفاء القسري لفترات طويلة.[4]
وتقوم أيضاً بتعريض المعتقلين لسوء المعاملة والعنف (بما في ذلك العنف الجنسي)، والتعذيب وغيره من أشكال المعاملة أو العقوبة المُهينة واللاإنسانية، في انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية؛ مما يشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان.[5] 
كما قُيّد نشاط منظمات المجتمع المدني والنقابات، فقد واجهت منظمات المجتمع المدني تحديات عدّة شملت مخاطر تتعلّق بالأمن والسلامة، مثل: الاحتجاز، والابتزاز، والاعتداء، والخطف، والاعتقال.[6]
وأما حرية الصحافة وحرية التعبير عن الرأي، فقد تعرُضت لما يمكن وصفه بـ "مذبحة" حقيقية، وليس أدلّ على ذلك: الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب التي طالت العشرات من الصحفيين، ولا يزال عدداً من هؤلاء رهن الاختفاء القسري منذ مارس 2015 حتى اللحظة، والبعض منهم تعرّض للمحاكمة الصورية، وصدرت بحقهم أحكاماً قاسيةً، منها: الإعدام. وأقدمت جماعة الحوثيين على إغلاق غالبية الصحف الأهلية والحزبية (يومية وأسبوعية) عن الصدور منذ مارس 2015، وقامت بحظر ما يزيد عن (120) موقعاً من المواقع الالكترونية الإخبارية، الأمر الذي شكّل انتهاكاً صارخاً وغير مسبوق لحرية الإعلام في اليمن.[7]
وتعرّضت حُريّة المعتقد، وحرية ممارسة الشعائر الدينية إلى انتهاكات متكررة، ومن أبرز الأمثلة الدَّالة على ذلك: قمع أبناء "الطائفة البهائية"[8]، واعتقال النشطاء منهم، وتقديمهم للمحاكمة بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، ثمّ ترحيلهم قسرياً إلى خارج اليمن.[9]
وتمارس جماعة الحوثيين تضييقاً كبيراً على حرية سفر وتنقّل المواطنين بين المناطق اليمنية، إذ يتعرّض المسافرون إلى سوء معاملة عند نقاط التفتيش الأمنية التابعة للحوثيين، ويتعرض البعض منهم للاعتقال. كما يتم التضييق على حق النساء اليمنيات في التنقل بحرية عبر فرض "سياسة المَحْرَم" بصورة مُشدَّدة، حيث لا يُسمح لأيّ امرأة بالعبور والتنقُّل إلا بصحبة أحد أقاربها من الذكور.[10]
الانتهاكات الحاصلة في مناطق سيطرة الحكومة المُعترف بها دولياً:
مارست بعض القوات الأمنية والفصائل المسلحة التي تنتشر في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وللحريات السياسية والمدنية، ومن أبرز الوقائع والحوادث الدّالة على ذلك ما يلي: 
وقوع حالات اختفاء القسري نفذّتها قوات "النّخبة الحضرمية" في المكلا.[11] 
قامت القوات التابعة للإمارات العربية المتحدة، وبمعيّة النّخبة الشبوانية، والنّخبة الحضرمية، وقوات المقاومة الوطنية باستحداث سجون غير قانونية في عدة مناطق، منها: ميناء بلحاف بمحافظة شبوة، ومطار الريان بمدينة المكلا، وميناء الضَّبة النفطي في الشحر بمحافظة حضرموت، وميناء المخاء بمحافظة تعز.[12] وتجاوز العدد الإجمالي للمعتقلين في هذه الأماكن (200) معتقل حتى 1 نوفمبر 2017. وتعرضوا للتعذيب، وسوء المعاملة، والاختفاء القسري.[13]   
وارتكبت قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي انتهاكات متعلقة بالاعتقال والاحتجاز التعسفيين، والاختفاء القسري، والتعذيب، وسوء المعاملة للعديد من الأشخاص.[14]
كما مارست قوات الحزام الأمني تمييزاً على أساس مناطقي ضد المواطنين "الشماليين"، وإساءة معاملة المسافرين/ المتنقّلين عند نقاط التفتيش على مداخل عدن.[15] ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قامت قوات الحزام الأمني بترحيل بعض الأشخاص الذين ينحدرون من محافظات شمالية عبر شاحنات وأخرجتهم من مدينة عدن.[16] وكانت بعض قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي قد أدلت بتصريحات تتضمن تمييزاً مناطقياً ضد أبناء المناطق الشمالية.[17]
أما القوات الأمنية والعسكرية في مدينة تعز ومأرب، فقد تورطت هي الأخرى في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومنها: حالات عديدة من الاحتجاز التعسفي والإعدامات والقتل خارج نطاق القانون.[18] كما لا يزال العديد من المدنيين الذين تعرّضوا للاختطاف والاختفاء القسري على أيدي تلك القوات، وبعضهم يعود إلى عام 2016، في عِداد المفقودين أو المخفيين قسراً.[19]

الهوامش: 

(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي. 
[1] فردريك معتوق، جذور الحرب الأهلية: لبنان – قبرص – الصومال – البوُسنة، (بيروت: دار الطليعة، 1994)، ص22.  
[2] وكأنَّ الحرب قد أزاحت التعددية السياسية والحزبية لتحل محلها تعددية اجتماعية (طائفية، قبائلية، مناطقية، ...إلخ). في هذا الصدد، يُنبّه د. عزمي بشارة إلى خطورة هذا الوضع، إذ يؤكد على أن وجود بنى اجتماعية أهلية تحل محل تعدد الأحزاب ومحل تعدد الآراء والبرامج والمشاريع حول مصلحة الأمة ككل، يؤدي إلى إلغاء رأي المواطن الفرد المستقل، ويختزل المواطنين إلى أعضاء في جماعات بحيث تُشتق حقوقهم من عضويتهم فيها. (راجع: عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص194).  
[3] للاطلاع على تفاصيل الوقائع التي تُدلل على انتهاكات أطراف الصراع للحق في الحياة، راجع: تقارير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي للأعوام (2015 – 2024).
[4] ديبي براساد داش [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2022، نيويورك، الأمم المتحدة، فبراير 2023، ص59.
[5] نفسه، ص.ص42-43.
[6] وليد العلي، اليمن: استمرار النزاع يؤدي لتآكل الفضاء المدني ويدفع بالمجتمع المدني نحو التفكك، مرصد الفضاء المدني - شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية، مايو 2023، ص8. وانظر أيضاً: داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2019، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2020، ص51.
[7] "الحوثيون.. حرب بلا حدود على الصحافة"، تقرير صحفي، موقع قناة الجزيرة، تاريخ النشر: 11 نوفمبر 2016.
[8] تعدُّ "الطائفة البهائية" إحدى الأقليات الدينية في المجتمع اليمني، ويقدّر عدد أبناء هذه الطائفة بنحو ألفي شخص، والبهائية هي ديانة جديدة نسبيّاً على اليمن، كونها وصلت إلى المناطق الساحلية والجزر اليمنية في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. تأسست البهائية على يد تاجر فارسي يدعى سيد علي محمد الشيرازي والمعروف باسم بهاء الله. (راجع: ميساء شجاع الدين [وآخرون]، البهائيون في اليمن: من الظل إلى الاضطهاد والنفي، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، 6 يوليو 2021، ص.ص4، 6). 
[9] للمزيد؛ راجع: داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2021، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2022، ص51. وكذلك: داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2020، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2021، ص49. 
[10] كيسي كومبس وصلاح علي صلاح، أوزار الحرب على طرق اليمن، منتدى اليمن الدولي ومركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، يناير 2023، ص.ص12، 15. 
[11] لمزيد من التفاصيل؛ راجع: أحمد حميش [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2016، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2017، ص59.
[12] داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2021، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2022، ص46. 
[13] أحمد حميش [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2017، مرجع سابق، ص.ص57-58. 
[14] للمزيد؛ راجع: داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2019، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2020، ص48. وكذلك: داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2020، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2021، ص47. وأيضاً: داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2021، مرجع سابق، ص47.
[15] كيسي كومبس وصلاح علي صلاح، أوزار الحرب على طرق اليمن، مرجع سابق، ص13. 
[16] داكشيني روانتيكا غوناراتني [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2019، مرجع سابق، ص48. 
[17] صرَّح "هاني بن بريك" قائد قوات الحزام الأمني ونائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي طالباً من المواطنين "الشماليين" عدم المجيء إلى مدينة عدن، لأنهم غير مرحب بهم في المدينة. (راجع: ابتهال الصالحي، الوجه الآخر لمدينة عدن، مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، مارس 2022، ص13). 
[18] أحمد حميش [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2018، نيويورك، الأمم المتحدة، يناير 2019، ص61. 
[19] ديبي براساد داش [وآخرون]، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعنيّ باليمن لعام 2022، مرجع سابق، ص44.