ما بعد اتفاق مكة
الشرق الأوسط بعد اتفاق مكة ليس هو الشرق الأوسط بعد الاتفاق، والسؤال: لماذا؟ وكيف؟
وأي شرق أوسط نعني؟ أهو ذاك الذي سيغيره، كما يتشدق نتنياهو، من النيل للفرات، أم هو خزان النفط والغاز والموقع والقواعد التي تنام تحت أحلام ترامب، وهو يقود حربه الشعواء على إيران دونما حسابات دقيقة أدخلت ليس هذه المنطقة بل العالم كله بمنعطف أخطر مما كان يريده ترامب وتتوجس من نتائجه باقي الأطراف والكتل الدولية، سواء أوروبا أو الصين أو روسيا، أو منطقة الخليج التي أصبحت عبئًا على اللحظة الحرجة، إذ باتت تدفع ثمنًا باهظًا لصالح من جعلها ضحية تدفع ثمن الحرب على إيران، كما باتت مطمعًا لمن يريدها كبش الفداء، يدفع ثمن الموقع والجوار لمنطقة الحرب بين إيران وأمريكا.
أمريكا تحارب عن بُعد، والغير يدفع الكلفة، وإسرائيل تجني وتقطف ثمار الحرب بغزة وسوريا ولبنان، وتوتير منطقة الشرق الأوسط، بمفهوم الشرق الأوسط الأكبر، بما فيه غرب آسيا.
الحرب، كما نرى، طالت كل العالم، مصالحه حقيقة تضررت. أمريكا تشعل النيران وتحصد الفوائد، ولكنها تجني ما لم يكن متوقعًا.
صمود إيران غير عابئ بالحرب ودمارها. إيران تحترق ولن تخسر أكثر مما خسرته طالما لا تزال ممسكة برقبة الثعلب الذي يهدد استقرار العالم: مضيق هرمز، لتضيف إليه خازوقًا آخر: باب المندب، لمزيد من اشتعال حالة الحرب والقلق والتوجس الدولي.
ضمن هذا الوضع الأخطر على واقع دولي مهزوز، تبرز من بين سحب وغيوم داكنة وأزقة أبواب سياسة مغلقة مفاجآت تطرح أسئلة، إجاباتها ليست فورية ولا تتوافر لها قناعات مما يتاح من تسريبات عن قرب التوصل لنهاية المواجهة الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية.
فمن جرجر أقدام أمريكا للوحل الأمريكي، نتنياهو، ما زال مصرًا على أعمال المزيد من التهييج والإثارة. إسرائيل لا تريد نهاية لا تحقق لها مزيدًا من التوسع والهيمنة وتدمير قوة إيران.
عالم يعيش مرحلة إعادة تشكل، وضعت أمامه الكثير المتعمد من العراقيل والقيود:
استمرار زخم الحرب الأوكرانية ومحاصرة روسيا.
أمريكا والتناطح العمدي مع الصين.
التغيير العمدي الاستعماري لأوضاع دول أمريكا الجنوبية.
استمرار توهج جنون طرح مفهوم «أمريكا أولًا».
حرب المواجهة الأخيرة: إيران، أمريكا، إسرائيل. بداياتها افتقدت الصواب، خواتمها أسوأ مما يتوقع. من أشعلها ومن يراهن على كسبها؟ هي حرب لا تحسمها لا المسيرات ولا مجاميع باقي الأسلحة الأمريكية التي قارب مخزونها على النفاد.
حرب إيران تحسم بريًا، والسؤال: من سيتكفل بها؟ أمريكا وإسرائيل يحاربون عن بُعد بالآخرين، وهكذا دفعت دول الخليج ثمن حرب لأن بها قواعد تنطلق منها الحجة التي تنفذ منها إيران.
فقاعدة العديد بقطر مرابض للطيران والصواريخ الأمريكية، والبحرين مركز البحرية الأمريكية وبوارجها، والكويت الشقيق مقر للقوات الأمريكية بالمنطقة. هكذا تستغل إيران ما تيسر كي تلاعب اليانكي ألعابه، وتلاعب شيلوك بطريقته، أي قضم أي قطعة لحم من جسد من تتعامل معه إقراضًا أو تطبيعًا.
ضمن هذا الكاتلوج الأسود لوضع الحرب الدائرة، تطل من بين الغيوم الداكنة اتفاقية الدفاع المشترك بين ثلاث من قوى الشرق الأوسط والأوسط الكبير، غرب آسيا، مع غياب يثير التساؤل: وأين مصر التي تحملت وحيدة عبء الموضوع التاريخي والخلفية الحقيقية لهذه الحرب، القضية الفلسطينية؟
اتفاقية الدفاع المشترك والحرب ما تزال مستعرة بين إيران وأمريكا، ومراقبة إسرائيلية. فما هي الأبعاد لهذا التحالف؟ فما سُرّب لا يقدم إجابات شافية.
وهل أمريكا مع انبثاق هذا الحلف؟ وهل ستخلي طرفها من التزاماتها تجاه الحلفاء بالخليج؟ وما مصير قواعدها طالما التحالف الجديد يطرح نفسه بديلًا؟ وما مستقبل العلاقة بين أمريكا ودول الحلف الثلاث، علمًا بأن دول التحالف الثلاثي من أقرب حلفاء وأصدقاء أمريكا؟
ليظل السؤال: وماذا بشأن العلاقة في قادم الأيام مع إيران، إن حُسم أمر الحرب أو استمرت؟ كيف سيكون شكل العلاقة مع إيران وعلاقاتها بالثلاث الدول ذات الطبيعة التشابكية؟ فما العمل والحلف قد قالها بصراحة يحسد عليها بأن أي عدوان على أي بلد عدوان على الكل؟
وماذا سيكون عليه رد فعل دول الحلف إذا استمرت عربدة إسرائيل بالمنطقة، من أول غزة حتى مداخل قزوين وباب المندب، مرورًا بتواجدها بأرض الصومال والقرن الأمريكي، حصارًا لمصر في تناسق مضمر مع إثيوبيا، حصارًا لمصر أيضًا؟
فعن أي شرق أوسط جديد يتحدثون؟ وهل بداية التغيير تأتي من عزل مصر، أم بتحويل إيران كعدو بديلًا عن خطر إسرائيل؟ وهو أمر لا نتصوره.
فمصر التي كانت شريكة السعودية وقطر وتركيا وباكستان في مفاوضات تقريب وجهات النظر بين إيران وأمريكا، كانت تعكس مكانة ودور مصر التاريخي والجيوسياسي بالمنطقة.
وفي الختام، نراها خارج لعبة مخطط إقامة تحالفات وتكوينات ذات طابع أمني استراتيجي. لا يعقل ولا يتصور أن تكون دولة بحجم ومكانة مصر تنتظر قولًا يقول: «والباب ما زال مفتوحًا لأعضاء جدد».
ما هكذا تُعامل مصر، ولا هذه مكانتها، ولا هذا هو الشرق الأوسط الذي تريده شعوب ودول المنطقة.
ما تريده منطقة خالية من الحروب، تضمن أمن دول المنطقة وفق منطلقات تعكس مفهومًا يحقق أمن دول وشعوب المنطقة، وأولها أمن واستقرار بلادنا اليمن، كاملة السيادة، كما يضمن حلًا عادلًا للقضية الفلسطينية عبر دولتها المستقلة وعاصمتها القدس.
عدا ذلك، فهي أحلاف تضع الخرائط المستقبلية بجيب أمريكا، وبتلاوات تطبيع إسرائيلية.



