الشجاعة بلا عقل مهلكة
الشجاعة بلا عقل قد تتحول من فضيلة إلى مهلكة، والقوة حين تنفصل عن الوعي قد تصبح أداة في يد فكرة خاطئة، فتدفع صاحبها إلى التضحية بنفسه وإيذاء الآخرين دفاعاً عن قضية لا تستحق كل ذلك.
ولا أجد حرجاً في الاعتراف بأنني رأيت في ساحات القتال مقاتلين حوثيين يتحملون مشاقاً لا يستطيع كثيرون تحملها. رأيت بعضهم يبقى في المتارس أياماً، لا يأكل إلا قليلاً من التمر والقمح المحمص، ويشرب القليل من الماء، ويواصل القتال في ظروف قاسية. وقد قلت في نفسي أكثر من مرة: ليت هذه الشجاعة كانت في سبيل الحق، وليتها وُجّهت إلى بناء اليمن لا إلى تمزيقه.
فالإنصاف يقتضي أن نعترف بشجاعة الخصم حتى ونحن نختلف معه، لأن إنكار الحقيقة لا يخدم قضيتنا.
لكن المشكلة ليست في الشجاعة نفسها، وإنما في الفكرة التي تقود هذه الشجاعة.
حين تصبح العقيدة مغلقة على نفسها، ويُنظر إلى المخالف باعتباره عدواً بالضرورة، يتحول الإنسان من صاحب رأي إلى أسير لفكرة، ومن مدافع عن معتقده إلى مستعد لإلغاء الآخرين من أجله. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن مواجهة الحوثيين بالسلاح وحده، مهما كانت نتائجها العسكرية، لا تكفي لإنهاء المشكلة اليمنية. فالجماعة ليست مجرد تشكيل عسكري يمكن هزيمته في معركة ثم تنتهي القضية. وراء السلاح منظومة من الأفكار والروايات والتفسيرات التاريخية التي تُعاد صياغتها وتلقينها للأجيال، وتمنح الصراع معنى دينياً وسياسياً يجعل التخلص من آثاره أكثر تعقيداً من مجرد إنهاء وجود قوة مسلحة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط:
كيف نهزم الحوثي؟
بل السؤال الأهم:
كيف نعيد اليمني الذي وقع تحت تأثير هذه الأفكار إلى التفكير بعقل مفتوح، وإلى قبول التنوع، وإلى الإيمان بأن الوطن يتسع للجميع؟
وهذا لا يتحقق بالرصاص وحده.
نحن بحاجة إلى عمل فكري مؤسسي طويل النفس تتولاه الدولة، تشترك فيه الجامعات والمدارس ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية ومراكز الدراسات. نحتاج إلى مواجهة الفكرة بالفكرة، والرواية بالرواية، والتاريخ بالتاريخ، والحجة بالحجة.
لا يكفي أن نقول للشاب الذي تربى على هذه الأفكار: أنت مخطئ.
علينا أن نشرح له لماذا هو مخطئ، وأن نقدم له بديلاً فكرياً مقنعاً، وأن نعيد بناء ثقته بوطنه ومجتمعه ودولته، وأن نعلمه أن الاختلاف السياسي والمذهبي لا يجعل من الآخر عدواً يستحق الإقصاء.
والأهم من ذلك أن نراجع نحن أيضاً خطابنا وممارساتنا. فمن الصعب أن تقنع إنساناً بالديمقراطية والقبول بالآخر بينما يرى أمامه الفساد والاستبداد والتمييز وانهيار مؤسسات الدولة. مواجهة التطرف الفكري تحتاج إلى دولة عادلة وقادرة، لأن الأفكار المتطرفة تجد بيئة خصبة حين تغيب العدالة ويضيع الأمل.
لقد قاتلنا الحوثيين لأننا اختلفنا معهم في مشروعهم ورؤيتهم للدولة والمجتمع، لكن هدفنا النهائي يجب ألا يكون الانتقام من اليمنيين الذين وقعوا تحت تأثير هذا المشروع، وإنما تحرير الإنسان اليمني من الفكرة التي جعلته يرى أخاه عدواً.
حتى لو انتصرنا عسكرياً في معركة، فإن بقاء الفكرة التي أنتجت الحرب من دون معالجة يعني أن بذور الصراع ستبقى في الأرض، وقد تنبت من جديد بعد سنوات بصورة أخرى واسم آخر.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع البندقية التي يحملها الحوثي، وإنما مع الفكرة التي جعلته يحملها.
والفكرة لا تُستأصل بالسلاح، وإنما تُهزم بالعلم، وبالوعي، وبالعدالة، وبخطاب وطني قادر على إقناع الإنسان بأن مستقبله لا يحتاج إلى إلغاء أخيه.
نحن بحاجة إلى أن ننتصر على الفكرة الخاطئة، لا أن نحول اليمنيين إلى أعداء دائمين.
فإذا انتهت الحرب وبقيت الكراهية، لم ننتصر.
أما إذا انتهت الحرب واستطعنا أن نعيد بناء عقل يمني يؤمن بالتعدد، وبالدولة، وبالمواطنة، وبحق الآخرين في الاختلاف، فهناك فقط يمكن أن نقول إن اليمن بدأ يخرج من أزمته الحقيقية.



