الأحد 9 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • القطاع الصناعي اليمني: بين مطرقة الحرب وسندان الجبايات

القطاع الصناعي اليمني: بين مطرقة الحرب وسندان الجبايات

تُعدّ الصناعة، وبشكل خاص الصناعة التحويلية، المحرك الأساسي للنمو والتنمية الاقتصادية المستدامة في الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، وتتجلى أهمية الصناعة في أنها تساهم في رفع مستويات الإنتاج وتوليد القيمة المضافة بشكل أكبر مقارنة بالقطاعات التقليدية مثل الزراعة والأسماك. كما أن القطاع الصناعي يولد وظائف مباشرة في المصانع، ووظائف غير مباشرة في قطاعات الخدمات المرتبطة به (مثل النقل، واللوجستيات، والصيانة). إضافة إلى أن الصناعة تتسم بالتشابك القطاعي، ففي التشابك الخلفي، يحفز القطاع الصناعي نمو القطاعات الأولية كالزراعة والتعدين من خلال طلب المادة الخام، وفي التشابك الأمامي، يقدم القطاع الصناعي مدخلات ومعدات متطورة لقطاعات أخرى؛ كالآلات الزراعية، والتقنيات الطبية، والأنظمة اللوجستية، مما يرفع كفاءة الاقتصاد بأكمله.

القطاع الصناعي قبل الحرب

كان القطاع الصناعي اليمني قبل الحرب يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني اليمني مسهماً بشكل حيوي في الناتج المحلي والتوظيف، فقد شكل القطاع الصناعي، بشقيه الاستخراجي (النفط والغاز) والتحويلي نحو 31.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013؛ حيث بلغت حصة النفط والغاز نحو 23%، وحصة الصناعات التحويلية نحو 8.2%، وكان القطاع الصناعي يشغل ما يقرب من 14.5% إلى 19.2% من أجمالي القوى العاملة اليمنية، مع تركز كبير للعمالة في الصناعات التحويلية كالأغذية والمشروبات، ومواد البناء، والمنسوجات. واتسمت القاعدة الصناعية بهيمنة القطاع الخاص الذي امتلك أكثر من 95% من المنشآت الصناعية. ومع ذلك، تميزت بالهشاشة كون نحو 78% من المؤسسات الصناعية هي منشآت متناهية الصغر (تشغل أقل من 4 عمال) وتعتمد بدرجة رئيسية على مدخلات إنتاج مستوردة من الخارج.
وعلى الرغم من المساهمة الإيجابية للقطاع الصناعي في الاقتصاد اليمني قبل اندلاع الحرب، إلا أنه كان يعاني من اختلالات هيكلية حدّت من نموه وتنافسيته، فقد عانى القطاع من الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وضعف الشبكة الوطنية، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الانتاج جراء اضطرار المصانع للاعتماد على مولدات خاصة ذات تكلفة تشغيلية عالية. كما واجهت المنشآت الصناعية تعقيدات شديدة في الحصول على القروض المصرفية والتسهيلات التمويلية طويلة الأجل نتيجة ارتفاع الفوائد وضمانات الائتمان الصارمة. إضافة إلى ضعف البيئة الاستثمارية والتشريعية، حيث انتشرت التعقيدات البيروقراطية، مع ضعف تطبيق قوانين حماية الاستثمار والملكية الفكرية، وتدني كفاءة العمالة الفنية والمهنية.

مطرقة الحرب

لقد جاءت الحرب لتكبد القطاع الصناعي خسائر تراكمية تجاوزت عشرات المليارات من الدولار الأمريكي في قطاع النفط والغاز نتيجة توقف الإنتاج والتصدير في هذا القطاع لأكثر من 12 عاما، كما بلغت الخسائر في قطاع الصناعات التحويلية قرابة 35 مليار دولار أمريكي (حسب تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة)، مع تراجع القيمة المضافة وتوقف السلاسل الإنتاجية وتدمير البنية التحتية، حيث تضررت مئات المصانع والمنشآت جراء المواجهات المباشرة والقصف الجوي، إلى جانب تدمير شبكة الكهرباء العامة وتوقف الإمدادات النفطية الوطنية، وهذا أدى إلى انخفاض الطاقة الإنتاجية، مما أجبر المنشآت على تحمل تكاليف طاقة باهظة جداً. فالتقارير تشير إلى أن الصناعات التحويلية والاستخراجية أصبحت تعمل بنسبة لا تتجاوز 27% من طاقتها الانتاجية مقارنة بما قبل الحرب. كما أن إغلاق المؤسسات وتقليص ساعات العمل تسبب في فقدان أكثر من 55% من عمال الصناعة لوظائفهم، وكل هذا أدى إلى تسرب وهجرة العقول والعمالة الفنية الماهرة خارج البلاد، إلى جانب قيام العديد من رجال الأعمال والمستثمرين بنقل رؤوس أموالهم واستثماراتهم إلى دول أخرى (مثل مصر، تركيا، الأردن، ودول الخليج).
كما واجه القطاع الصناعي تحديات عديدة، الإنقسام المالي النقدي أدى إلى وجود سعرين مختلفين للصرف بين صنعاء وعدن، وتدهور قيمة الريال اليمني (خاصة في مناطق سلطة عدن)، مما ساهم في ارتباك التسعير وضعف القدرة على التخطيط المالي. كما برزت أزمة السيولة والتحويلات، والمتمثلة في القيود الشديدة على فتح الاعتمادات المستندية، وصعوبة إجراء التحويلات المالية الخارجية لشراء مواد الخام أو الآلات. إضافة إلى تعطل سلاسل التوريد واللوجستيات، من خلال فرض قيود وحظر على موانئ ومنافذ البلاد، وارتفاع كلفة التأمين البحري على الشحنات القادمة إلى اليمن، فضلا عن صعوبة النقل الداخلي بين المحافظات بسبب الخطوط الفاصلة بين طرفي الصراع، وارتفاع أجور النقل، ووجود نقاط التفتيش والجمارك المزدوجة بين مناطق السيطرة المختلفة. 

سندان الجبايات 

يواجه القطاع الصناعي اليمني في الوقت الراهن تحدي "الازدواج الضريبي والجبايات"، حيث تحول رأس المال الوطني والشركات الصناعية إلى هدف لتحصيل الإيرادات المباشرة وغير المباشرة من قبل طرفي الصراع، مما ضاعف من كلفة الإنتاج وأضعف القدرة التنافسية للمنتج المحلي. ففي مناطق سيطرة سلطة عدن، أدى رفع الدولار الجمركي وتعدد الرسوم إلى فرض زيادات متتالية على السلع والمواد الخام المستوردة في الموانئ والمنافذ الحدودية، إلى جانب تحصيل رسوم موانئ وأرضيات مرتفعة، مما ساهم في إرتفاع أسعار المواد الخام المستوردة، إضافة إلى انتشار النقاط الأمنية على الطرق الرابطة بين المحافظات والموانئ، والتي تفرض مبالغ مالية غير رسمية على شاحنات نقل المواد الخام والمنتجات الجاهزة مقابل المرور، كما أن التذبذب الشديد في سعر صرف الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة أدى إلى صعوبة التخطيط المالي للمصانع، وتكبد خسائر فادحة في شراء المواد الخام بالعملة الصعبة والبيع بالعملة المحلية.
وفي مناطق سيطرة سلطة صنعاء، تتفاقم الضغوط الضريبية والزكوية على المنشآت الصناعية عن طريق رفع السلطات نسب التحصيل الضريبي والزكوي بآليات تحصيل مشددة، وتطبيقها بأثر رجعي في معظم الأحيان دون مراعاة لتراجع المبيعات أو الخسائر التشغيلية. كما تبرز سطوة الرسوم والجبايات غير القانونية، من خلال فرض مبالغ مالية متكررة تحت مسميات ودعوات متعددة (دعم المجهود، المولد النبوي، المناسبات المختلفة، وصناديق النظافة والتنمية) بصورة إجبارية على المصانع والشركات. إضافة إلى الازدواج الجمركي والذي يتضمن إنشاء مراكز جمركية مستحدثة في المداخل البرية (مثل ذمار وعمران وصعدة) لتنفيذ جباية جمركية ثانية على البضائع القادمة من الموانئ الخاضعة لسلطة عدن.
وخلاصة الأمر، لم يقتصر أثر تراجع النشاط الصناعي على الخسائر الرقمية في الناتج المحلي، بل تحوّل إلى مُحرك رئيسي للأزمة الإنسانية؛ حيث تسبب في تجريف الطبقة المتوسطة، وتحويل مئات الآلاف من المعيلين المعتمدين على أنفسهم إلى متلقين للمساعدات الإنسانية أو عاملين في اقتصاد الكفاف غير المنظم. ولذلك فإن على أطراف الصراع إتخاذ خطوات ملموسة لتحييد النشاط الاقتصادي وإبعاد المنشآت الصناعية وخطوط الإمداد ونقل البضائع عن النزاعات السياسية والعسكرية. كما أن هناك ضرورة لإنهاء حالة الازدواج الجمركي والمالي، واعتماد سياسة موحدة لحماية المنتج المحلي، وإلغاء الجبايات العشوائية ووقف فرض أي رسوم أو جبايات خارج إطار القانون المعتمد، وتخفيف الأعباء الضريبية والجمركية لاستعادة التعافي الاقتصادي في البلاد.