الأحد 9 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • أمة الملك الثور: نضوج امرأة.. من شغف التاريخ إلى صناعة الوعي

أمة الملك الثور: نضوج امرأة.. من شغف التاريخ إلى صناعة الوعي

أمة الملك الثور: نضوج امرأة.. من شغف التاريخ إلى صناعة الوعي

أثبت علم النفس الإكلينيكي أن العقل الإنساني، في جوهره، واحد في بنيته وقدراته الأساسية، وأن قابلية التعلم والاستعداد للمعرفة، وما يرافقهما من التحفز والإبداع، خصائص بيولوجية يشترك فيها جميع البشر، رجالاً ونساءً. فلا وجود لعقل ذكوري وآخر أنثوي بمعيار التفوق أو القصور، وإنما يتحدد التميز بما يكتسبه الإنسان من معرفة، وما يملكه من وعي، وما تتيحه له البيئة والتربية والتعليم من فرص لصقل الموهبة وتنمية الفكر.

ومن هنا تتفاوت العقول في عمقها واتساع أفقها، لا بحسب النوع، وإنما بحسب ما تحمله من مشروع معرفي، وما تمتلكه من شغف بالبحث، وقدرة على التأمل، واستعداد دائم للتعلم. فالموهبة الفطرية لا تؤتي ثمارها إلا إذا التقت بالإرادة، واجتمعت مع الاجتهاد، وتغذت بالثقافة والانفتاح.
ولعل هذه الحقيقة تتجسد بوضوح في شخصية الأستاذة الدكتورة أمة الملك إسماعيل الثور، أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة صنعاء، التي استطاعت أن تجعل من شغفها المبكر بالتاريخ مشروعاً علمياً وثقافياً متكاملاً، وأن تنتقل من مجرد دراسة الأحداث إلى الإسهام في صناعة الوعي التاريخي، وترسيخ الانتماء الوطني، وخدمة التراث اليمني تحقيقاً وتأليفاً وتدريساً.
فمنذ بداية دراستها الثانوية، كان حلمها الأول أن تدرس علم التاريخ وأحداثه، وكان شغفها يتمحور حول التاريخ الحديث والمعاصر لليمن خاصة، والعربي عامة.
نشأت في أسرة تقدس العلم والثقافة، وتشجع تعليم الفتاة، وكانت أولى مراحل تعليمها في حفظ القرآن الكريم وتعلم الخط العربي على أيدي علماء أفاضل في ملحق الجامع الكبير بمدينة الحديدة، بعد أن حرصت والدتها على أن تسبق تلك المرحلة التحاقها بالتعليم النظامي، وهو ما انعكس إيجاباً على مستواها العلمي في مختلف مراحل دراستها.
ومبكراً أيضاً، انجذبت إلى القراءة، فأحبت الروايات والقصص القصيرة، وداومت على قراءة المجلات الثقافية، وفي مقدمتها مجلة العربي الكويتية، لتتشكل بذلك ملامح وعيها الثقافي قبل أن تبدأ رحلتها الأكاديمية.
وعندما التحقت بجامعة صنعاء، حققت حلمها بالانتساب إلى قسم التاريخ بكلية الآداب، حيث تلقت علومها على أيدي نخبة من المؤرخين، وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور سيد مصطفى سالم، الذي كان أحد أبرز المؤثرين في تكوينها العلمي.
ولم يلبث هذا التفوق أن أثمر تعيينها معيدة في القسم، بعد أن وجد أساتذتها فيها مشروع أستاذة جامعية واعدة، وكانوا يرددون عليها دائماً: "ستكونين يوماً أستاذة في هذا القسم"، وهي نبوءة تحققت بالعلم والاجتهاد والإصرار، حتى أصبحت واحدة من أبرز أساتذة قسم التاريخ بجامعة صنعاء.
وترى الدكتورة أمة الملك أن التاريخ ليس مجرد تسجيل للأحداث، بل هو علم لفهم المجتمعات الإنسانية، واستيعاب مساراتها وتحولاتها، ولذلك اتجهت قراءاتها نحو تاريخ الأمم والشعوب، وتحليل الظواهر التاريخية، واستقراء نتائج الأحداث، وهو ما عمق لديها الإحساس بالانتماء الوطني، ورسخ حبها لتاريخ اليمن وتراثه.
وازداد هذا الشغف عمقاً من خلال ملازمتها العلمية لأستاذها الدكتور سيد مصطفى سالم، رحمه الله، الذي عرفت فيه المؤرخ القادر على الجمع بين بساطة العرض وعمق الفكرة، وبين المنهج العلمي والطرح العقلاني، فكان لذلك أثر بالغ في تكوينها العلمي، ولا سيما أثناء إعدادها لرسالتي الماجستير والدكتوراه.
وقد اتسمت مسيرتها الأكاديمية بالهدوء والثبات، وكانت المعرفة عنوانها الأبرز، فسعت إلى أن تترك بصمتها في خدمة التاريخ اليمني، وأن تجعل من البحث العلمي وسيلة للحفاظ على الذاكرة الوطنية، وإحياء التراث اليمني.
ولذلك لم تقتصر جهودها على التدريس الجامعي، بل امتدت إلى التأليف والتحقيق والنشر، فأصدرت كتاباً عن تاريخ البن اليمني في العصرين الحديث والمعاصر، أبرزت فيه المكانة التاريخية لليمن في زراعة البن وإنتاجه وتجارته، ودوره الاقتصادي والحضاري، كما قامت بتحقيق عدد من المخطوطات اليمنية، وأنجزت بحوثاً اعتمدت على الوثائق التاريخية اليمنية، وشاركت في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية داخل اليمن وخارجه.
ورغم متابعتها الدقيقة للشأن السياسي، فإنها تؤمن بأن رسالتها الحقيقية تكمن في البحث العلمي، وتبتعد عن الانخراط في العمل السياسي، وترفض التعصب الحزبي أو الأيديولوجي أو الفئوي أو القبلي، وترى أن الانتماء الأسمى هو الانتماء لليمن.
كما ترفض المقولة الشائعة بأن التاريخ يعيد نفسه، وترى أن الإنسان هو صانع التاريخ، وأن تغير الظروف والفاعلين يجعل كل مرحلة تاريخية تجربة إنسانية مختلفة، تخضع لسنن الحياة وحركة التغيير.
ولا تزال تطمح إلى أن يؤدي قسم التاريخ والدراسات الإنسانية في جامعة صنعاء والجامعات اليمنية دوراً ريادياً في خدمة الوطن، وأن يحظى المؤرخ والباحث اليمني بما يستحقه من رعاية واهتمام، وأن تتوسع حركة نشر الرسائل العلمية، وتحقيق الوثائق والمخطوطات، بوصفها المدخل الحقيقي لصناعة وعي تاريخي راسخ، وحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة.
وهكذا تبدو تجربة الدكتورة أمة الملك الثور نموذجاً لامرأة جعلت من شغفها بالتاريخ رسالة حياة، ومن البحث العلمي مشروعاً وطنياً، ومن المعرفة وسيلة لبناء الوعي، لتثبت أن الأمم لا تصنع مستقبلها إلا حين تعرف تاريخها، وتحسن قراءة ماضيها، وتستثمره في صناعة غدها.