الجهمي مبدعًا...

كُنْت إذا مررت أمام الباب الغربي لمدرسة ناصر بتعز، ستجد ثمة صغار يلعبون الكرة، سترى ثمة صغيرًا في الوسط، ترى الآخرين جميعهم يجروا وراءه، محاولين لمس الكرة، لكن هيهات، فحسين الجهمي يتلاعب بالجميع كحريف كبير.
كنت أنا أستمتع ويضيع الوقت مني، وأنسى ما خرجت من أجله، حتى يضع أحدهم أصابع يده على أذني ويدعكها حتى أصرخ ألمًا، يكون جدي محمد عبدالله، عم والدي، هو من فعل، لأنني تأخرت كثيرًا ولم أعد سريعًا بـ"الشمة" العدني التي يكومها تحت شفته السفلى!!
كان حسين الجهمي هو المبدع الصغير الذي بسببه تعرضت للعقاب، لا يهم، كنت أحدث نفسي هكذا، لأنني كنت أعشق لعب الكرة، ويشهد على ذلك الملعب الصغير وسط مقبرة وادي المدام، وجمال عزي جوبح الذي فاجأني أول يوم أشاهد مباراة لنادي شعب صنعاء. قلت فورًا لعبدالفتاح: ذلك الذي يلعب مهاجمًا بجانب شكيب البشيري أعرفه. قال: هو جمال عزي. حرموني من الكرة بدعوى "لن تذاكر"!!
وفي نفس ملعب المقبرة، كان "الكوري" يأتي من مخبازة ردمان، يقدم فاصلًا من اللعب الجميل، ويعود للشغل...
اثنان نتنازل لهما بأن يلعبا متى يشاءان، لأننا جميعًا، وأولهم أنا وصادق مهيوب العديني، الذي تسبب لي بليلة ليلاء بعد أن وعدني أن يراقب سيارة والدي إذا أطلت برأسها من أول الطريق النازل من عند المستشفى الجمهوري، "على أن أنتبه للمباراة"، لكنه "انسجم" ونسي المهمة…
كان علي الجهمي والكوري يقدمان أجمل الدروس في "الحرفنة"، تراهم الاثنين كأنهما يعزفان، على أن علي الجهمي كان لاعبًا استثنائيًا آخر ضاع في زحمة العيش!!!
عبد الله الجهمي، شقيقه الأكبر، الذي ذهب إلى الكويت، كان لاعبًا، لكنه لم يكن مبدعًا…
نحن هنا بصدد الحديث عن الأكثر إبداعًا، الذي حتى مشيته تقنعك أنه "حريفًا كبيرًا"…
رحم الله الأستاذ ذياب، الذي تولى إدارة مدرسة ناصر.
كان الخميس فقط حصتين، كان حميميًا ذلك اليوم في ذلك الزمن في الستينات…
الخميس يشهد كل أسبوع مباراة عبارة عن معركة بين الفن وشجاعة الصبري الجامح… هو يمثل مدرسة الثورة، جارة ناصر، والتي أمر البركاني، لا رحمه، بهدمها، وكان يمكن أن تتحول إلى متحف يحكي حكاية الطلبة الذين ثاروا وحوصروا داخلها…
هناك ثمة غرفة تحت مبنى المدرسة، بجانب المقصف حق الصلوي في ساحة المدرسة، كان الأستاذ ذياب يحتجز محمد الجهمي داخلها حتى صباح المباراة، فيخرجه منها قبل أن تبدأ، يخرج يقود فريق ناصر، يكسب المباراة معظم أسابيع السنة… بعد أن يمتع جمهور الطلبة ومن يدخل من الشارع أيما إمتاع…
وفي الشارع، يكون الجهمي حديث الدكاكين… ويردد الشارع اسمه، وعبدالعزيز القاضي، وعبدالرشيد، وعبدالملك فوز، والمردس في فريق العمال، وبازرعة في فريق الأسلحة، وآخرين كثر… لكن الجهمي محمد كان هو المتميز…
دارت الأيام، رحل الجهمي باتجاه البحر، إلى الحديدة ذهب، وفي الجيل استقر، وإلى اللحظة لا يزال هناك…
من نخاطب ليكرم؟
لمن نقول: هذا الجهمي هو أحد مبدعي اللعبة الكبار.
سلام عليك.



