السبت 26 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • الراحل يحيى البشاري فلنبحث عن سبتمبر في وجدان البسطاء

في الذكرى الرابعة والستين لثورة ال26 من سبتمبر 1962م

الراحل يحيى البشاري فلنبحث عن سبتمبر في وجدان البسطاء

الراحل يحيى البشاري فلنبحث عن سبتمبر في وجدان البسطاء

في الذكرى الرابعة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيد، لا يكفي أن نستعيد أسماء الثورة وقادتها، بل ينبغي أن نستعيد أيضًا المعنى الذي قامت من أجله، وأن نتذكر رجالًا حملوا ذلك المعنى بصدق، ثم مضوا بعيدًا عن الأضواء والمغانم. ومن هؤلاء القاضي والشاعر والمناضل يحيى علي البشاري، أحد الوجوه التي شاركت في الدفاع عن الثورة والجمهورية منذ أيامها الأولى، وظلت حياته شاهدًا على أن بعض رجال سبتمبر عاشوا للثورة، لا من الثورة.

وإذا كانت الذاكرة الوطنية قد حفظت أسماء القادة العسكريين الكبار، وفي مقدمتهم محمد مطهر زيد وعلي عبدالمغني وأحمد الرحومي وعلي قاسم المؤيد وعبداللطيف ضيف الله، وغيرهم من ضباط الثورة الأحرار، فإن من الإنصاف أيضًا أن نستعيد أسماء المدنيين والمناضلين الذين حملوا راية سبتمبر في المدن والقبائل ومواقع المواجهة، ومنهم علي محمد سعيد وعبدالغني مطهر وعبدالوهاب جحاف والقاضي محمد عبدالكريم الصباحي والقاضي يحيى البشاري، فضلًا عن الأحياء من رفاق الثورة، ومنهم اللواء أحمد قرحش، رفيق محمد مطهر زيد، الذي يستحق التكريم والوفاء.

غير أن حديثنا اليوم عن يحيى البشاري، ذلك الرجل الذي لم تكن سبتمبر عنده مناسبة سنوية، وإنما كانت موقفًا وسلوكًا وحياة.

تذكر المصادر والشهادات المتداولة عن البشاري أنه كان من أوائل من تحركوا لنصرة الثورة في المناطق القبلية، وأنه قاد مقاتلين من حاشد بعد قيام الجمهورية مباشرة. وينقل أحمد قاسم دماج عنه أنه كان أول من دخل من حاشد على رأس قوة قوامها نحو ثمانمائة مسلح دعمًا للثورة، وأن من بين رجاله مجاهد أبو شوارب وعددًا من مشايخ حاشد. وتؤكد رواية أخرى أن البشاري كان عاملًا في ذيبين عند قيام الثورة، وأنه تحرك مع مجاهد أبو شوارب ومقاتلين باتجاه حجة لمطاردة فلول النظام الملكي. وهذه التفاصيل تضعه في قلب الأحداث الأولى، لا على هامشها.

وكان البشاري قاضيًا وشاعرًا ومثقفًا وطنيًا، لكنه لم يجعل من الثورة سلمًا إلى الثروة أو المنصب. ولعل هذه هي المفارقة التي تجعل سيرته جديرة بالتوقف عندها في ذكرى سبتمبر: رجال حملوا السلاح من أجل الجمهورية، ثم وجد بعضهم أنفسهم بعد ذلك خارج دوائر النفوذ والمغانم، بينما اقترب آخرون من مواقع السلطة والثروة، حتى غدت المسافة بين بعض شعارات الجمهورية وواقع الناس واسعة ومؤلمة.

وقد قال لي البشاري ذات مرة، في عبارة تختصر جانبًا من نظرته إلى ما جرى: «هناك من السبتمبريين من عبروا للثورة عبر الثورة». وهي عبارة لا تحتاج إلى كثير من الشرح؛ إذ تفرق بين من جعل الثورة غاية وطنية، ومن جعلها وسيلة للعبور إلى مواقع جديدة من النفوذ.

وتروي الذاكرة الشخصية لمن عرفوه أنه كان يعيش حياة متواضعة، حتى إنه شكا لصديقه القاضي يحيى عبدالوهاب الشماحي أن بيته لم يعرف دخول اللحم منذ سنة، بينما كان بعض الذين قاتلوا إلى جانبه يعيشون في بحبوحة ورغد من العيش. وقد لا تكون هذه الرواية وحدها كافية لإصدار حكم تاريخي شامل، لكنها تكتسب دلالتها حين توضع إلى جانب شهادات كثيرة تصف البشاري بالزهد والترفع عن المناصب والمكاسب.

يقول الأستاذ محمد عبدالواسع حميد عنه: «شاعر عملاق، وأضغط على كلمة عملاق... أبيّ شريف مناضل، عاش اليمن، مزق نفسه وروحه وحياته فداءً لليمن، لم يمدح ولم يتملق ولم يتزلف أحدًا طوال حياته». ويضيف أن البشاري كان قادرًا، لو أراد، على أن يملك الملايين، لكنه اختار أن يمضي فقيرًا عزيز النفس، وأنه لم ينحنِ قط.

أما أحمد قاسم دماج، فيصفه بأنه شاعر قضى حياته «وهو ماسك على جمرته»، وهي صورة بالغة التعبير عن رجل ظل متمسكًا بموقفه، رغم ما حمله ذلك الموقف من كلفة.

ولم يكن البشاري مقاتلًا بالسلاح وحده؛ فقد كان الشعر عنده سلاحًا آخر. كانت قصائده تحمل نقدًا سياسيًا واجتماعيًا حادًا، وتعبّر عن قلقه على مصير الجمهورية. ومن الشواهد التي حفظتها الذاكرة قصيدته التي قال فيها:

قل لضيفٍ يزورنا كل عامِ

لم تعد حرةً مدينةُ سامِ

فليزر غيرنا فليس لدينا

بعد وأد الصباح غير الظلامِ

وقد رأى البروفيسور مطهر العباسي في هذه الأبيات تعبيرًا عن فلسفة البشاري وموقفه الناقد والمتمرد على الواقع السياسي في تلك المرحلة.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تصادر صحيفة نشرت بعض قصائده، كما تروي الشهادات عنه، بينما ظل هو نفسه عصيًا على المصادرة؛ لأن الإنسان الذي لا يبيع ضميره لا تستطيع السلطة أن تصادره، حتى لو استطاعت أن تصادر صحيفته.

إن مأساة يحيى البشاري ليست في أنه مات فقيرًا أو عاش بعيدًا عن الأضواء، وإنما في أن الذاكرة الوطنية لم تمنحه بعد المكان الذي يليق بدوره. فقد ظل اسمه معروفًا لدى رفاقه وتلاميذه وأصدقائه، لكنه لم يتحول إلى جزء راسخ من الذاكرة العامة لثورة سبتمبر، رغم أن ما توفر من شهادات عنه يكشف شخصية استثنائية في نكران الذات والاستقلال والشجاعة.

ومن هنا تتصل سيرة البشاري بالسؤال الأكبر الذي تفرضه علينا ذكرى سبتمبر: أين ذهبت الجمهورية التي حلم بها أولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم؟

لقد عاش اليمنيون خلال العقود التالية للثورة تجارب سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة، وتراكمت أخطاء وممارسات أضعفت ثقة قطاعات من الناس بالدولة والجمهورية. وتحول بعض رموز الثورة ومؤسساتها، في مراحل مختلفة، إلى جزء من شبكات السلطة والثروة، بينما ظل المواطن البسيط ينتظر نصيبه من العدالة والمساواة ودولة القانون.

وهنا تكمن إحدى مفارقات التاريخ: قد يبقى اسم الثورة حاضرًا في الأناشيد والصور والخطب، بينما يتراجع مضمونها في حياة الناس. وقد يصبح الاحتفال بسبتمبر أكثر حضورًا من تحقيق أهدافها في الواقع.

ولهذا فإن استعادة يحيى البشاري ليست استعادة لشاعر أو قاضٍ أو مقاتل فحسب، وإنما استعادة لنموذج من السبتمبريين الذين لم يفهموا الثورة بوصفها غنيمة، بل بوصفها مسؤولية أخلاقية تجاه الوطن.

لقد كان البشاري، كما يصفه أحد معاصريه، «يكاد يكون مجهولًا من عامة الشعب»، مع أنه كان يستطيع أن يختار طريقًا آخر لو أراد. وهذه المفارقة هي التي تجعل سيرته جديرة بأن تُدرّس للأجيال الجديدة: ليس كل من ارتبط بالثورة صنع مجده منها، وليس كل من غاب عن المشهد غاب عن صناعة التاريخ.

إن سبتمبر التي نحتاج إلى استعادتها اليوم ليست سبتمبر الشعارات وحدها، ولا سبتمبر الصور والاحتفالات، وإنما سبتمبر التي حلمت بدولة يتساوى فيها اليمنيون، وبمجتمع يتحرر من الامتيازات، وبحياة سياسية تحكمها المؤسسات والقانون، وبوطن لا تكون فيه الجمهورية امتيازًا لفئة دون أخرى.

ومن المؤلم أن أكثر الناس حديثًا عن ضياع سبتمبر ليسوا بالضرورة أكثر الناس تمسكًا بمضمونها؛ فالمعيار الحقيقي ليس مقدار النحيب على الثورة، وإنما مقدار الالتزام بالقيم التي قامت من أجلها. الجمهورية لا تُقاس بكثرة من يرفعون اسمها، وإنما بما تمنحه للمواطن من كرامة وعدالة ومساواة وأمن وفرص متكافئة.

ولذلك فإن استعادة سبتمبر تبدأ من استعادة الإنسان اليمني لثقته بأن الدولة دولته، وأن القانون فوق الجميع، وأن السلطة ليست غنيمة، وأن الوطن أكبر من القبيلة والسلالة والمنطقة والحزب، وأن الثورة لا تكون مكتملة المعنى ما لم تصل آثارها إلى حياة البسطاء.

كان يحيى البشاري واحدًا من هؤلاء الذين حملوا سبتمبر على أكتافهم ثم عاشوا بعيدًا عن مغانمها. رحل عام 2005، وبقي شعره وشهادات معاصريه وتلاميذه شاهدًا على رجل اختار أن يكون وفيًا لفكرة الوطن أكثر من وفائه لموقع أو مكسب.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه له في ذكرى سبتمبر الرابعة والستين ليس مجرد إعادة نشر صورته أو ترديد اسمه، بل أن نسأل أنفسنا: هل ما زلنا نريد الجمهورية التي قاتل من أجلها يحيى البشاري ورفاقه؟ وهل نستطيع أن نعيد إلى سبتمبر معناها الذي ضاع بين السلطة والثروة والصراع؟

إن الإجابة لا تكون بالكلمات، وإنما بإعادة الاعتبار إلى دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، وبفتح الذاكرة الوطنية أمام جميع الذين صنعوا سبتمبر، لا أمام من بقيت أسماؤهم في واجهة الرواية وحدها.

وفي ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر، فلنبحث عن الثورة حيث ينبغي أن تكون: في وجدان وضمير البسطاء، وفي كرامة المواطن، وفي دولة يتساوى فيها الجميع. فمن هناك، من أعماق الناس، يمكن أن تستعيد سبتمبر معناها الذي حلم به يحيى البشاري ورفاقه.