حصاد الذاكرة ويا لها من ذاكرة!
"حصاد الذاكرة" كتاب الشيخ الجليل المناضل الوطني رئيس الحزب الاشتراكي الأستاذ يحيى منصور أبو أصبع.
كانت التسمية دقيقة وموفقة، واستعاراتها بالغة الدلالة، فالحصاد جني المحاصيل الناضجة من الحقول، وكتتويج وإتمام دورة الإنتاج الزراعي والاستفادة منها.

في تقاليد الأمم والشعوب وتاريخها تكون مواسم الحصاد هي الأعياد والأعراس والأفراح، تزدهر الحياة وتخصب وتسمو المحبة وتسود وتنمو الألفة والتسامح والتعايش.
المزارعون اليمنيون وأبناء الفلاحين، ويحيى منصور أبو أصبع واحد منهم، يعرفون جيدًا أسرار الحصاد الذي يعقب (شهور الجحر) وسنينه، ثم يأتي بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (الآية).
وحصاد المناضل يحيى منصور صورة حصاد معنوي فكري وكفاحي وسياسي مغاير ومختلف، ولكن الجذر واحد.
ذاكرة الفتى يحيى منصور أرض خصبة ومعطاءة، وحصادها وافر وعميم، فهو يستذكر تفاصيل حياته من الألف إلى الياء بدقة متناهية تغوص في تفاصيل التفاصيل، ربما لا يضارعه أو يبزه إلا أخوه الكبير أحمد منصور، الحكاء الموهوب والإنسان الرائع، تتغشاه رحمة الله.
الكتاب المهم "حصاد الذاكرة"، وأي ذاكرة، يقع في ٦٨٢ صفحة قطع متوسط، مزدان بالصور وبعض الوثائق.
الحصاد الإنجاز الرائع والداهش لا يمكن اختزاله في مذكرات أو سيرة ذاتية.
فالمذكرات لون من ألوان الكتابة التاريخية، وتشمل السيرة الذاتية، والمذكرات والسيرة الذاتية مفردتان من مفردات عديدة ضمها الحصاد، فالحصاد أوسع وأشمل، فهو سيرة الطفل الشقي الآزف عن القراءة والمهووس باللعب والغناء والرقص والجنوح للحرب وامتلاك السلاح والهرب للسعودية وسرعة العودة ثم الانخراط في الدراسة الحديثة والالتحاق بالاتحاد الشعبي الديمقراطي والمشاركة في تأسيس الرابطة الطلابية كأمين عام أو سكرتير، ثم تولى مسؤولية منظمة الحزب الديمقراطي الثوري بعد أحداث أغسطس ١٩٦٨ في إب، وبتكليف من الزعيم عبدالقادر سعيد.
وحينها كان السياسي الفذ يدرك القدرة على التأثير على يحيى منصور في أسرته المساندة والمنخرطة في كفاح الجبهة القومية، وبيئة إب التي تمثل الخلفية الأساس للنضال ضد الاستعمار البريطاني وضد قوى الثورة المضادة في صنعاء. وقد اضطلع بالمهمة كما يجب كقيادي وحزبي واعٍ ومثقف.
قدم للكتاب الدكتور عبدالرحمن محمد بشر، عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني.
يقع الكتاب في ٦٨٢ صفحة، ويشتمل على العناوين: النشأة والميلاد، والفصل الثاني عن الدراسة والدفاع عن الجمهورية، والفصل الثالث عن العمل السياسي والحزبي، والفصول الأخرى عن الأوضاع السياسية العامة: الحمدي، الغشمي، وعن العمل الجبهوي والحزبي وفي مناطق شمال الشمال والعمل في السلك الدبلوماسي والوحدة وما بعدها والاغتيالات وانتخابات ١٩٩٣ ووثيقة العهد والاتفاق والحرب وإعادة النشاط الحزبي والتحالفات السياسية والإقصاء من مجلس النواب، وعنوانين عن القضايا التي عاصرها.
ثم مسك الختام، ويضيف إعادة تدوين التعازي التي كتبها، وملاحق ووثائق وصورًا.
الكتاب إنجاز رائع يدون فيه منصور سيرة حياة أسرته ومنطقته الربادي ومنطقته إب، ثم اليمن، ويتناول سيرة العمل السياسي للحركة الوطنية والصراع المسلح، ويدون الأحداث بقدر من الموضوعية. والملمح الأهم التوثيق للوقائع والأحزاب السياسية.
والأهم توثيقه الدقيق لحرب ١٩٩٤ ضدًا على الجنوب والنهب وتدمير تجربة الثورة في الجنوب وإنجازاتها في مختلف المجالات، والانتقام من أبناء الجنوب وكوادره في الجيش والأمن والوظيفة العامة، والاستيلاء على كل شيء.
كما يدون بدقة الحرب ضد المناطق الوسطى وتخريب المنازل والاعتقالات الكيفية وجرائم الإخفاء القسري والاغتصاب والقتل والتشريد، وكان نصيب قريته وأسرته كبيرًا.
الكتاب الكنز الوثائق يحتاج إلى قراءة أوسع وأشمل.



