الإثنين 28 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • محمد بن يحيى الزبيري.. شاعر سبتمبر وبلبل "صوت العرب"

محمد بن يحيى الزبيري.. شاعر سبتمبر وبلبل "صوت العرب"

محمد بن يحيى الزبيري.. شاعر سبتمبر وبلبل "صوت العرب"

في تاريخ ثورة 26 سبتمبر أسماء صنعت الحدث بالبندقية، وأسماء صنعته بالكلمة. وإذا كان محمد محمود الزبيري هو أبو الأحرار وشاعر الثورة الأول، فإن هناك زبيريًا آخر حمل نفس الاسم ونفس الشعلة، لكنه جاء من قضاء الحجرية لواء تعز، وعاش رحلة تشرد طويلة امتدت من زبيد إلى مكة إلى الكويت إلى القاهرة، حتى صار هو بلبل الثورة وغريد إذاعة "صوت العرب" أيام حصار السبعين.

إنه الأستاذ القاضي الشاعر محمد بن يحيى بن محمد مصلح الزبيري.
ولد في قرية كرب، عزلة الشعوبة، مديرية المعافر، قضاء الحجرية، لواء تعز، عام 1932م، في بيت علم وقضاء ورئاسة، فوالده الشيخ يحيى بن محمد مصلح الزبيري من وجهاء الحجرية.
تلقى تعليمه الأولي في كتاتيب قريته، وحفظ عشرة أجزاء من القرآن الكريم، وكان من أبرز معلميه:
- أخوه الأكبر الفقيه عبدالحميد بن يحيى الزبيري
- السيد محمد المفتي الأهدل
وبعد أن أتم العاشر، ألحقه والده بمدرسة النقيل التي ابتناها الإمام يحيى حميد الدين في بدايات حكمه، أسفل نقيل كرب، وأوكل إدارتها للعلامة أحمد بن قاسم الأموي من بني أمية الساكنين قرية الأصيلع بني حماد حجرية. فتعلم فيها الفقه والحديث والتفسير وشيئًا من اللغة.
وبعد عامين أرسله والده إلى مدينة زبيد، وكان عمره في بداية السنة السابعة.
في زبيد ألحقه والده برباط الأهدل أو رباط الإدريسي كما يطلق عليه البعض، وظل يدرس فيه 13 عامًا متواصلة، نهل فيها العلم من مشاربه المختلفة: النحو والصرف وعلوم الآلة والفقه والعروض، وكان والده يهيئه للعمل في القضاء.
وصادف أثناء دراسته دخول الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين بعد فترة قصيرة من مقتل والده على يد الثائر علي بن ناصر القردعي ليخضع تهامة.
ويحكي الزبيري عن تلك اللحظة: "عند وصول الجيش إلى بوابة زبيد، طلب الإمام من جيشه أن يتوقف خارج الأسوار، واصطحب سرية حراسته واتجه إلى مسجد زبيد التاريخي ورباط الأهدل، وكان في الرباط يومها مئات الطلاب من اليمن وخارجها، اتخذوا من الجامع مستقرًا خوفًا من بطش الجيش.
وكان في الجامع مفتي الشافعية السيد محمد سليمان الأهدل، وهو من شيوخ الزبيري، جالسًا مع تلميذه وتلاميذ آخرين وعلماء المدينة.
فدخل الإمام الجامع وطلب من حراسه أن يثبتوا، فوجد الأهدل، ووجه السيد الأهدل نظراته تجاه الإمام فقال له الإمام: لا تخف، لا تخف، أنا ابن عمك، أنا ابن عمك.
فرد عليه الأهدل برد خلده التاريخ بلهجة تهامية صريحة: منتش ابن عمي، أنت فارسي من إيران، تقتل الناس في تهامة وتقول إنك ابن عمي.. آل النبي بأعلام الهدى كتبوا".
كانت تلك الجملة هي المدرسة الأولى للزبيري الصغير، عرف منها أن الإمامة مصطلح أثقل كاهل الشعب وأنزله في منازل الذل والهوان والفقر والجهل والمرض، وهذا ما أثبت أن السيد محمد سليمان الأهدل هو من أرضعه النور في مدينة زبيد ذات يوم.
بعد تخرجه عمل في محكمة زبيد وكيلًا لفقراء المدينة، وهي مرحلة تدريب ليصبح قاضيًا كما هيأه والده.
وخلالها كتب أول قصيدة هاجم فيها حكم بيت حميد الدين، فطورد من عامل مدينة زبيد بأمر من ولي العهد محمد البدر، فغادر زبيد إلى الحجاز واستقر في مكة بعد سفر طويل ورحلة تخفٍ مضنية في مدن تهامة الساحلية.
وفي مكة عمل مدرسًا في مقصورة ابن دريد قسم الطلاب الوافدين من شرق آسيا وكانت مقصورة ابن دريد نواة ما يسمى اليوم بجامعة أم القرى والتقى السيد علوي المالكي إمام المالكية، والشيخ عبد الله بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة وإمام الحرم المكي، وجرت بينهم مناظرات كان فيها الغلبة لابن الزبير، ونال إجازات علمية وعمل في مدارس حكومية في المدينة المقدسة.
ثم انتقل إلى الرياض وعمل في معهد الرياض العلمي الذي يدرس المناهج الأزهرية المصرية.
ثم تعرض لملاحقة الشرطة الوهابية بعد أن دخل في نقاش مع أحد الوهابيين الذين اتهموا ابن الزبير بالزندقة والإلحاد وفر إلى مدينة سلوى في قطر ومكث فيها ثمانية أيام فقط، ثم اتجه على ظهر جمل إلى دبي ليعمل فيها مدرسًا في مدارسها الثانوية، بعد أن عمل فيها عامًا كاملًا بائعًا للكتب وناسخًا للمخطوطات في فترة عدم تواجد الكتاب المطبوع بشكل كبير، وفي دبي ترك بصماته في تأسيس التعليم الحديث بمعية عدد من زملائه خريجي زبيد ومعهم مجموعة من المعلمين العراقيين.
ودخل إلى الكويت بجواز سلطنة المهرة منحه إياه السلطان بن عفرار سلطان المهرة بوساطة طالب مهري من أقارب السلطان، بعد أن وجد الزبيري أن رعايا المملكة المتوكلية اليمنية لا يسمح لهم بدخول الكويت لتوتر العلاقات يومها بين الإمام وحاكم الكويت آنذاك.
وفي الكويت كانت محطته الكبرى حيث عمل:
- قاضيًا للفحيحيل وإمامًا لمسجدها
- في التوجيه والإرشاد للجيش الكويتي تحت إمرة العقيد وجيه المدني الفلسطيني الأصل
- حصل على شهادة الأزهر من فرع الأزهر في الكويت
- رئيسًا لبيت طلاب اليمن ورئيس فرع الاتحاد اليمني في الكويت
وكان على تواصل دائم بالأحرار في القاهرة: محمد محمود الزبيري والأستاذ أحمد محمد نعمان.
وبعد أسبوع من قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، أقام الزبيري والجالية اليمنية في الكويت حفلًا بمناسبة الثورة وألقى قصيدة عصماء، ووصلته برقية من الاتحاد اليمني في القاهرة ممهورة بتوقيع النعمان والزبيري وطلبا منه التوجه إلى القاهرة للانضمام لأول تشكيلة وزارية في حكومة الثورة الوليدة.
وكان صديقه زكريا محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة المصرية، أشار على الرئيس جمال عبدالناصر بأن يكون وزير الإعلام في الحكومة اليمنية الجديدة هو الأستاذ القاضي محمد بن يحيى الزبيري، وكان محيي الدين أبلغ الزبيري بما اقترحه بعد فترة من صدور قرار تعيينه.
وبالفعل وُضع اسمه ضمن أول تشكيل وزاري، واستمر اسمه لمدة أسبوعين ثم استُبدل بالأستاذ الشهيد علي محمد الأحمدي الذي غادر مكتبه في الوزارة وانتقل إلى البيضاء لمواجهة فلول النظام البائد ولقي ربه شهيدًا مجيدًا.
فأصدر الرئيس عبدالله السلال قرارًا بتعيينه مديرًا في مكتب رئاسة الجمهورية بدرجة وزير، وعمل في مكتب نائب الرئيس اللواء عبدالله جزيلان، وكان الزبيري ربطته علاقة مبكرة بالقائد عبدالله جزيلان منذ الطفولة في مدينة تعز. وقد عمل في مكتبه برئاسة الجمهورية من عام 62 حتى انقلاب 5 نوفمبر 1967م وصعود القاضي عبدالرحمن الإرياني، فنزح مع من نزحوا إلى القاهرة ودمشق وبغداد، ووصل إلى عدن بمعية المناضل مساوى أحمد حكمي رجل الاقتصاد اليمني المعروف، وأحد مؤسسي بنوك الثورة الأولى في شمال اليمن.
وعند حصار صنعاء (حصار السبعين يومًا) كان الزبيري في القاهرة في المنفى، وقامت حكومة انقلاب نوفمبر بتعيينه ملحقًا ثقافيًا في القاهرة، وقام بتقديم برنامج "ركن الشمال اليمني" من إذاعة صوت العرب لمواجهة زحف الملكيين على صنعاء، فكان صوته هو الزاد المعنوي للمدافعين، ومن هنا جاء لقبه "بلبل صوت العرب".
وقبل وصول الحمدي، عمل مديرًا للمناهج في وزارة التربية بصنعاء، وفي عهد الحمدي عمل في جامعة صنعاء ووكالة سبأ للأنباء.
وفي أحداث الحجرية بقيادة الرائد عبدالله عبدالعالم عينته الحركة ناطقًا إعلاميًا للحركة، وفر مع قياداتها إلى عدن واستقر فيها حتى عام 1983م.
وخلالها عمل في ثانوية بلقيس وفي جامعة عدن مدرسًا، وعمل في صحف "الثوري" و"صوت العمال" و"14 أكتوبر".
ثم نزح إلى دمشق بسبب خلافات عدن قبل أحداث يناير 1986.
وبعد توسط الشيخ علي أبو لحوم لدى القيادات النازحة إلى دمشق وضمان سلامتهم وصدر عفو رئاسي من الرئيس السابق علي عبدالله صالح، فعاد الزبيري إلى جامعة صنعاء وصحيفة "الثورة" مدرسًا وكاتبًا صحفيًا ومراجعًا لغويًا.
وفي التسعينيات أصدر الدكتور عبدالعزيز المقالح قرارًا بتعيينه موجهًا أكاديميًا لكلية الآداب في جامعة صنعاء، وظل بها حتى وفاته.
أصدر ديوانين:
1. "تقيؤات الليل وبيض الديناصور"، طبع في دار الفارابي في بيروت عام 1981م، على نفقة وزارة الثقافة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
2. "استغاثة التراب"، صدر عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بصنعاء عام 2002م.
توفي الزبيري في عام طباعة ديوانه الأخير، وأهملته السلطات ولم تطبع أعماله الكاملة، وعاش كل عمره في بيوت للإيجار، فقيرًا مكافحًا رغم أنه كان قاضيًا ومناضلًا بدرجة وزير، ورغم عمله في مكتب رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس السلال، إلا أن ذلك لم يشفع له لدى السلطات المتعاقبة ما عدا عهد الحمدي الذي قام بإنصافه وتسوية أوضاعه الوظيفية والمادية.
رحم الله القاضي والشاعر والأديب واللغوي محمد بن يحيى الزبيري.. الزبيري الذي لم يكن أقل ثورية من القاضي محمد محمود الزبيري، لكنهما تشابها في الأسماء والمظلومية.