حزين على مكتبتي…
قل: على غابتك..
قل، لقد قررت أن أكتب عنها، لأن معظمكم يعاني من كون وجود مكتبته الشخصية، التي لا يدري عن مصيرها - بعد عمر طويل - شيئًا…
لذلك قلت لنفسي:
الأمر يهم كثيرين.

ذات جمعة، وكنت أخرج من مسجد التوحيد إلى بيت د. عبد الكريم الإرياني، أسلم عليه وأمضي. آخر تحية وسلام كانتا بوجود د. مصطفى بهران.. بعدها غاب الإرياني عنا، وعن بلاد خسرته حتى العظم…
تلك الجمعة، كان في مكتبته التي تحتل "البدروم"، هالني عدد الكتب، التي جعلتني أسأله:
بعد عمر طويل، أين ستذهب هذه الكائنات الحية؟
بألم قال:
هذا هو السؤال يا بجاش.
صمت لثوان، ثم قال:
أنوي التبرع بها لجامعة إب.
والآن، لا تدري، هل هي هناك ملء السمع والبصر، أو أن السيل جرفها؟؟
قلت:
يا ماجد، وهو صديقي الصغير وابن الجيران،
قبل المطر يا صديقي، اطلع إلى سقف المكتبة كما تفعل كل عام، وأزح أوراق شجرة العنب المنتشرة بلا هدى من طريق الماء.. فعل، وأحسست بالراحة.

قررت قبل أيام أن أزورها، طبعًا وهي في حوش البيت، فهالني ما رأيت… أحسست بغصة لا نهاية لها.
فمن تلك اللحظة القاسية التي خرجت فيها "بنت الحاج" عن الجاهزية، لم أعد أجلس إلى الكرسي الذي كنت أجلس عليه كل ساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحًا، أمسك قلمي وأكتب عمودي اليومي لصحيفتي "الثورة"، "مشاهد يومية"، وقبله "يوميات الثورة"، حتى جاء من أراد أن يزيحني من يوم الخميس، لكنني تربعت على صهوة الأحد واستمريت!! حتى قررت أن أختبر نفسي في كتابة عمود يومي، هل سأستطيع؟؟

قال أ. د. أبانا الروحي عبد العزيز المقالح:
أقرأ لك عمود اليوم بعد المساء، ثم أسأل نفسي:
ماذا سيقول غدًا؟
وأجدك في الغد وقد قلت جديدًا، فقررت أن أكون من قرائك.
فخر عظيم أن يكون المقالح قارئًا لك…
لا تزال صورتها بين عيني، تنزل من مطبخها حاملة كأس الشاي، تضعه أمامي وأنا مندمج، وتمضي، لأشرب أحلى شاي لأروع امرأة أرد لها اليوم بعض معروفها..
على الماسة التي أحنتها الرطوبة، كتبت محاضرتي "حكاية شارع.. الثورة والثوار مروا من هنا". كتبت يومها، خلال ساعة تقريبًا، 78 صفحة، حتى أحسست أن رأسي سينفجر. كان موعد نزولي إلى مؤسسة السعيد صباح اليوم التالي، وفي نفس المكان كتبت المحاضرة التالية: "الضفاف الأخرى لعلي عبدالمغني"…
فتحت الباب، وجدت أن الرطوبة قد أثرت على الماسة التي كنت أكتب عليها… ألم استولى على معدتي، ما دريت كيف أعبر عن نفسي وعن الحال الذي أراه أمامي…

الغبار على وجه نجيب محفوظ، يغطي البردوني، يجمش هيكل، يطغى على غلاف المديني ورحلته إلى بلاد التشيلي والأرجنتين، هناك المقالح، هناك دماج، هناك… هناك.. هناك… غصة تكاد تخنقني.
كبر السؤال أمامي:
ماذا أنا فاعل؟
قلت فقط لهذه البنت المحترمة، صاحبة الخوخة:
هل بالإمكان فقط أن تزيحي التراب، ولا تلمسي شيئًا؟
هزت رأسها موافقة، ولا زلت أنتظر..
تجتاحني الغصة… لا أدري ماذا أفعل.
كنت قد نويت أن أعير أي كتاب لمن يطلبه، وقررت ألا أطالب به، لأكتشف أن من استعار لم يكلف نفسه حتى قراءة الصفحة الأولى…
أنا حزين على مكتبتي، قل: غابتي الآن.
ماذا عنكم؟؟



