الثلاثاء 4 أغسطس 2026
  • الرئيسية
  • المنطقة العربية في وضعٍ لا يُحسد عليه

المنطقة العربية في وضعٍ لا يُحسد عليه

تمرّ المنطقة العربية بأسوأ مرحلة في تاريخها منذ خمسة قرون، وبالتحديد منذ سقوط غرناطة في يناير/كانون الثاني عام 1492م، آخر معاقل الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس (إسبانيا والبرتغال)، على يد الإفرنج.

بعد ذلك تعرّضت المنطقة لمخططات غربية، بدأت بسيطرة الاستعمار البرتغالي على مدن وموانئ رئيسة في الساحل العُماني عام 1507م للتحكم بطرق التجارة البحرية، وانتهى الاحتلال عام 1650م بتحرير مسقط بفضل المقاومة العُمانية. كما استولى البرتغاليون على جزيرة سقطرى عام 1507م بعد معارك عنيفة مع سكان الجزيرة وحاميتها التابعة لسلطنة المهرة، غير أن المشروع البرتغالي فشل، وانسحبوا منها بعد أربعة أعوام، وتحديدًا عام 1511م.

ثم جاء الحكم العثماني، فاستولى على مصر عام 1517م بعد هزيمة المماليك في معركتي مرج دابق والريدانية. ومن مصر توجّه بنو عثمان إلى سواحل البحر الأحمر، وشمال اليمن، ووسط شبه الجزيرة العربية وشمالها، وكذلك شمال أفريقيا، وكان الهدف المعلن حماية المنطقة من الاستعمار.

ثم جاءت شركة الهند الشرقية البريطانية، التي تأسست بموجب مرسوم ملكي في 31 سبتمبر 1600م كشركة تجارية، ودُعِّمت بجيش كبير. وشمل وجودها الممرات الاستراتيجية في جنوب شبه الجزيرة العربية، فبدأ احتلالها لجزيرة بريم (ميون) اليمنية عام 1799م، ثم عدن عام 1839م، وبقية مناطق الجنوب اليمني، كما شمل وجودها أيضًا مشيخات الخليج العربي منذ عام 1820م.

وبدأ الاستعمار الفرنسي عام 1798م بحملة نابليون على مصر، ثم احتل الجزائر عام 1830م، تلتها تونس والمغرب، ومعظم بلدان غرب أفريقيا، ودول أفريقيا الاستوائية، وجيبوتي.

وفي سياق متصل، استمرت الأوضاع على هذا النحو حتى نهاية الحرب العالمية الأولى (1914–1918م)، وانهيار الدولة العثمانية، ومغادرتها جميع المناطق العربية، ليحلّ محلها الاستعمار البريطاني والفرنسي.

وبموجب اتفاقية سايكس–بيكو، الموقعة في 16 مايو 1916م بين بريطانيا وفرنسا، وبموافقة روسيا القيصرية، بهدف تقسيم منطقة الهلال الخصيب، وذلك قبل قيام الثورة البلشفية في 25–26 أكتوبر 1917م بقيادة فلاديمير لينين وليون تروتسكي.

ثم فُرض الانتداب البريطاني عام 1920م على فلسطين والأردن والعراق، والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. وانسحبت بريطانيا من فلسطين في منتصف مايو 1948م بعد إعلان الاعتراف بتأسيس إسرائيل، في خطوة هدفت إلى إعاقة أي مشروع وحدوي عربي بين جناحيه الآسيوي والأفريقي.

وعلى صعيد آخر، نالت لبنان استقلالها عن فرنسا في 22 نوفمبر 1943م أثناء الحرب العالمية الثانية (1939–1945م)، فيما نالت سوريا استقلالها في 17 أبريل 1946م.

وقامت حركة التحرر العربي والأفريقي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ونالت معظم بلدانها استقلالها، مع بقاء مصالح الدول الاستعمارية في كل دولة.

ومن الجدير بالذكر أنه، بدلًا من لملمة الصف العربي من منطلق وحدوي تحت سقف جامعة الدول العربية، التي تأسست في 22 مارس 1945م، فإن الخلافات العربية، وتعدد الولاءات الخارجية، والانقسامات الأيديولوجية، مكّنت المخططات الاستعمارية الحديثة من التوغل في المنطقة مرة أخرى، فضلًا عن تعميق الخلافات العربية–العربية، والتدخل في الشؤون الداخلية لكل دولة من منطلق الناهي والآمر، بذريعة الحفاظ على المصالح، والاستئثار بالثروات والمواقع الاستراتيجية، والتحكم في التجارة والاقتصاد العالمي.

وللأسف الشديد، فهذا هو واقعنا المؤلم، وهو أشد قسوة مما كان بعد سقوط الأندلس بيد الإفرنج. والسؤال الذي يطرح نفسه: العرب إلى أين؟

ويستحضرني في هذا الصدد أن أردد، بأسى وألم، أبياتًا من شعر رئيس وزراء السودان الأسبق محمد أحمد المحجوب في قصيدته «الفردوس المفقود»، بعد مشاركته في الاجتماع البرلماني الذي عُقد في منتصف ستينيات القرن الماضي في إسبانيا، حيث اغتنم الفرصة لزيارة مدينة قرطبة، فانطلق في شوارعها يتأمل آثار العرب ويتحسر على أمجادهم، فانطلقت قريحته بهذه القصيدة التي يخاطب فيها الشاعر الأندلسي ابن زيدون (أبا الوليد)، وأقتبس منها هذه الأبيات:

«نزلتُ شطَّك بعد البين ولهانا

فذقتُ فيك من التبريح ألوانا

طفنا بقرطبة الفيحاء نسألها

عن الجدود وعن آثار مروانا

أبا الوليد، أعنّي ضاع تالدُنا

وقد تناوح أحجارًا وجدرانا

هذي فلسطينُ كادت، والوغى دولٌ،

تكون أندلسًا أخرى وأحزانا

لهفي على القدس في البأساء داميةً،

نفديك يا قدس أرواحًا وأبدانا.»

إضاءة حول مجريات الأحداث وانعكاساتها على دول المنطقة

من الجدير بالذكر أن جيش الكيان الإسرائيلي أصبح يطوق نحو 70% من مساحة قطاع غزة، ويحشر جميع سكان القطاع في المساحة المتبقية التي لا تزيد على 30% بين الأنقاض، إلى جانب الاستهداف اليومي للمخيمات بالطيران الإسرائيلي، رغم الحديث المتكرر عن مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. كما تتعرض الضفة الغربية يوميًا لاعتداءات المستوطنين على الأراضي الفلسطينية وضمها، بحماية الجيش الإسرائيلي.

إن ما يحدث في قطاع غزة والضفة الغربية يُعد، وفق رؤية الكاتب، عربدة إسرائيلية وجرائم إبادة بحق السكان، أمام أنظار الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، والاتحادات والمنظمات الدولية والإقليمية، التي لا تحرك ساكنًا.

وما يزيد الطين بلة أن الإدارة الأميركية تبذل جهودًا للبحث عن دول أخرى لإقامة أو توطين الفلسطينيين فيها، ومنها: إندونيسيا، وماليزيا، والصومال، وإثيوبيا، وليبيا، مقابل تقديم دعم أميركي لها.

وحقيقة الأمر، أن إسرائيل تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، بينما يطمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إقامة مشروع صناعي في قطاع غزة، مع ممارسة الضغوط على الدول العربية للتطبيع دون اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود الرابع من يونيو 1967م.

ومن ناحية أخرى، تواصل إسرائيل انتهاكاتها في جنوب لبنان، وتحتل أجزاءً من الأراضي السورية، دون التقيد بالاتفاقات.

ويقينًا، فإن دولًا عربية، مثل ليبيا، والسودان، والعراق، والصومال، واليمن، وتونس، وسائر البلدان العربية الأخرى، أصبحت عرضة للتقسيم والأطماع الخارجية، للأسف الشديد.

صفوة القول: إن عوامل القوة متوافرة لدى الدول العربية، غير أن المرحلة الراهنة تتطلب وحدتها، ولو في هذا الوقت شبه الضائع، لمعالجة شؤونها الداخلية، وإنهاء الانقسامات والفساد، والتوجه الجاد نحو العمل العربي المشترك بوصفه حلًا استراتيجيًا قبل فوات الأوان